خَبَرَيْن logo

حكايات التجنيد القسري في شوارع أوكرانيا

في خضم أزمة التجنيد الأوكرانية يروي أنطون قصة اعتقاله القسري رغم مرضه ورفضه القتال، مع تفشي الفساد وتوتر الشوارع وتحول التجنيد إلى معركة بين الدولة والمواطنين. تفاصيل صادمة على خَبَرَيْن.

جنود أوكرانيون يقفون في شاحنة عسكرية تسير على طريق ريفي وسط أشجار، في سياق التجنيد الإجباري وتصاعد الأزمة العسكرية في أوكرانيا.
يقود جنود أوكرانيون شاحنة عسكرية على طريق في منطقة خاركيف [ملف: وكالة فرانس برس]
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أحد أحياء كييف، كان أنطون يسير عائداً إلى منزله برفقة صديق، حين اعترضته دورية شرطة فجأةً وأجبرته على الجلوس في المقعد الخلفي لسيارتها، مع ضابطَين على جانبَيه، في طريقٍ يبدو أنّه يقوده نحو الخنادق.

الرجل البالغ من العمر 52 عاماً، الذي طلب حجب اسمه الأخير حمايةً لهويّته، يؤيّد الكفاح الأوكراني ضدّ روسيا، لكنّه لا يريد أن يُرسَل إلى خطوط المواجهة. يبدو له أنّ حرب الاستنزاف الطاحنة تعادل حكماً بالإعدام في ضوء وضعه الصحي: فهو مصابٌ بفيروس نقص المناعة البشري (HIV)، ويعاني من التهاب المفاصل وضعف البصر وهي حالاتٌ كان يعتقد أنّها تجعله غير لائقٍ طبياً للخدمة العسكرية.

غير أنّه منذ دخول قوانين التعبئة حيّز التنفيذ في مايو 2024، بات ضبّاط التجنيد الأوكرانيون يكمنون للرجال في الشوارع.

في أواخر يناير، حين يقول إنّه اعتُقل، كان يتجنّب الخروج من مبنى شقّته، خشيةً من حملة التجنيد الإجباري المثيرة للجدل ومن الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة على حيّه. لكن في إحدى المرّات النادرة التي غادر فيها منزله، قفز إليه عناصر الشرطة من سيارةٍ كانت متوقّفة في كراجٍ سكني وطاردوه، بحسب روايته.

جرى اعتقاله بعدها وأُخذ إلى قسمٍ عسكري في إحدى عيادات الدولة بكييف، حيث صودر هاتفه.

قال: "أخبروني بإسكات هاتفي وتسليمه. بدأت أحتجّ، فقال الحارس: 'لا تجبرني على استخدام الأساليب الجسدية معك. سلّمه الآن.' فسلّمته."

بعد إخضاعه لفحوصاتٍ طبية، نُقل إلى مركز تجنيد عسكري في أطراف المدينة، حيث أمضى يومَين في غرفةٍ ذات نوافذ مقضّبة، مع دلوٍ من المعكرونة الباردة، دون أيّ وسيلةٍ للتواصل مع العالم الخارجي.

ما جرى لأنطون بات له مصطلحٌ خاصّ في أوكرانيا، يُعرف بـ"التبصيص" (Busification)، وهو اعتراض الرجال في شوارع المدن والتحقّق من بطاقات الإعفاء وإيداعهم مباشرةً في حافلاتٍ متّجهة نحو مراكز التعبئة. وبحسب المراقبين، فإنّ هذه الظاهرة باتت أكثر شيوعاً مع تصاعد أزمة التجنيد الأوكرانية.

وعلى الشوارع، تحوّلت المقاومة في وجه ضبّاط التجنيد إلى مواجهاتٍ جسدية، بل وصلت في بعض الأحيان إلى حدّ القتل. في غضون ثلاثة أيام من فبراير، قُتل ضابط تجنيد بالرصاص في محطّة وقود في منطقة بولتافا، وأودى انفجارٌ داخل مكتب تجنيد في ريفني بحياة شخصٍ واحد وأصاب ستّةً آخرين، فيما أصاب انفجارٌ آخر شخصاً واحداً في مكتب تجنيد بمدينة بافلوهراد. وأعلنت جهاز الأمن الأوكراني لاحقاً أنّ روسيا هي من جنّدت منفّذ تفجير ريفني.

جنديان أوكرانيان يرتديان خوذات وقبعات خضراء يعملان في خندق عسكري خلال الحرب ضد روسيا في كييف.
Loading image...
يستعد جنود أوكرانيون لإطلاق مدفع هاوتزر عيار 152 ملم من طراز 2A65 مستا-ب باتجاه القوات الروسية قرب بلدة دوبروبيليا على خط الجبهة في منطقة دونيتسك [ملف: أناتولي ستيبانوف/رويترز]

في مركز التجنيد العسكري، رأى أنطون الرجال يتوافدون، وقد اصطيدوا لتوّهم من الشوارع وهم يحملون قصصهم. أخبره أحدهم أنّه اعتُقل قبل ساعاتٍ من ذلك، وهو يستعدّ لإيصال زوجته إلى المستشفى لتلد طفلهما الأوّل.

قال أنطون : "كان ثمّة إحساسٌ قوي بالتضامن. كان الجميع يتبادلون قصص حياتهم ويحاولون تقديم النصائح وتبادل الآراء وتجاربهم في التعامل مع الحرّاس."

حين بدأ ضبّاط التجنيد توزيع الرجال على الوحدات العسكرية، اكتشف أنطون أنّ وضعه المتعلّق بفيروس HIV قد أُخفي عن القادة الذين كانوا يُعرضون عليهم وحين كُشف عنه، رُئي أنّه غير قادرٍ على الخدمة. أُفرج عنه في نهاية المطاف، لكنّه قال إنّ ذلك كلّفه 5,000 دولار أتعاباً للمحامين للخروج بأمرٍ استدعاء مشروط، فضلاً عن 30,000 دولار دُفعت لوسطاء وعدوا بتأمين وثائقه ثمّ اختفوا.

هو الآن حبيس منزله، يخشى الخروج.

في الأشهر التي أعقبت الغزو الروسي الشامل، أفضت الانتصارات الأولى في ميدان المعركة وموجة الوطنية إلى تطوّع مئات الآلاف للخدمة. لكن بعد فشل الهجوم المضادّ عام 2023، بات التجنيد أمراً عسيراً وتصلّبت الأساليب المتّبعة. قانونان وقّعهما الرئيس في أبريل 2024 خفّضا سنّ التجنيد من 27 إلى 25 عاماً، وخمسّا الغرامات المفروضة على المتهرّبين، وألغيا حكماً كان يتيح للجنود التسريح بعد 36 شهراً من الخدمة، تاركَين من يقاتلون بالفعل دون أيّ أفقٍ زمني محدّد لانتهاء واجبهم.

وتشير التقارير إلى أنّ الرجال اعتُقلوا من أماكن شتّى. في أكتوبر 2024، أظهرت لقطاتٌ مصوّرة خارج حفلٍ موسيقي في قصر الرياضة بكييف ضبّاطاً يسحبون رجلاً عبر الرصيف فيما هتف المارّة: "عارٌ عليكم!" وفي مدينة أوجهورود غرب البلاد، جرى احتجاز رجلٍ لدى خروجه من قدّاسٍ أحد في الكنيسة، رغم حمله وثائق تثبت أنّه المعيل الوحيد لأمّه ذات الإعاقة.

جنود أوكرانيون يتدربون على إطلاق النار في ميدان مفتوح ضمن تدريبات عسكرية استعداداً للتجنيد الإجباري في ظل تصاعد الحرب مع روسيا.
Loading image...
يقوم الجنود بتدريب مهاراتهم العسكرية في ميدان تدريب قرب خط المواجهة في منطقة زابوروجيا بأوكرانيا [ملف: توزيع/أندري أندريينكو/اللواء الميكانيكي الخامس والستون الأوكراني عبر أسوشيتد برس]

وتصاعدت الاتّهامات بالفساد في مسار التجنيد. في بعض الحالات، حصل رجالٌ على إعفاءاتٍ مقابل تشخيصاتٍ طبية مدفوعة الثمن. وفي أكتوبر 2024، استقال المدّعي العام الأوكراني Andriy Kostin إثر تقاريرٍ صحفية كشفت أنّ عشرات المدّعين في منطقة خميلنيتسكي غرب البلاد يحملون صفة الإعاقة للإفلات من التجنيد.

لم يكن ذلك سوى قمّة جبل الجليد: أعلن جهاز الأمن الأوكراني أنّه ألغى 4,106 شهادة إعاقة مزوّرة صدرت عبر لجانٍ طبية فاسدة خلال ذلك العام، ووجّه اتّهاماتٍ لـ64 مسؤولاً من أعضاء تلك اللجان.

ثمّ في يناير 2025، اعتُقل كبير الأطباء النفسيين في القوّات المسلّحة الأوكرانية وهو عضوٌ رفيع في اللجنة الطبية العسكرية المركزية المنوط بها البتّ في صلاحية المجنّدين للخدمة بتهمة الإثراء غير المشروع، إذ راكم منذ بداية الغزو منزلاً وشقّتَين في كييف وأوديسا وأراضي وأربع سيارات فارهة تتجاوز قيمتها مليون دولار. وعثر المحقّقون في منزله على 152,000 دولار و34,000 يورو نقداً.

"منهجية وواسعة النطاق"

وثّقت جهاتٌ دولية هذه الانتهاكات المزعومة. ففي مذكّرةٍ نشرها مفوّض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا بتاريخ 8 يوليو 2025، أُعرب عن قلقٍ بالغ إزاء ممارسات التعبئة، بما فيها الضرب والاحتجاز القسري وحرمان المحتجزين من حقّ الاستعانة بمحامٍ وتجنيد رجالٍ ذوي إعاقات، مستشهداً بمفوّض حقوق الإنسان البرلماني الأوكراني Dmytro Lubinets الذي وصف هذه الانتهاكات بأنّها "منهجية وواسعة النطاق".

وقد انعكس ذلك على الرأي العام؛ إذ كشف استطلاعٌ أجرته مجموعة Rating Group الأوكرانية في يوليو 2025 أنّ 24 بالمئة فقط من الأوكرانيين يثقون في ضبّاط التجنيد.

وبدأت مجموعات Telegram في تتبّع مواقع المجنّدين في الوقت الفعلي وهي ظاهرةٌ اتّسعت لدرجة أنّ مجموعة تحليل التهديدات في Google رصدت في أكتوبر 2024 عمليةً يُشتبه في أنّها لاستخبارات روسية تستغلّ هذه الظاهرة، إذ أنشأت تطبيقاً مزيّفاً يدّعي رسم خرائط لمواقع المجنّدين بينما يثبّت في الخفاء برامج خبيثة.

امرأة تقف وسط ثلوج مقبرة في كييف، تحيي ذكرى ضحايا الحرب الأوكرانية مع أعلام أوكرانيا تزين القبور.
Loading image...
في لفيف، تزور امرأة قبر والدها، الجندي الأوكراني الذي استشهد في الخطوط الأمامية. وقد قُتل أكثر من 55,000 جندي أوكراني في ساحة المعركة، وفقًا للرئيس زيلينسكي [ملف: نيلس أدلر/الجزيرة]

الاعتداءات على ضبّاط التجنيد

سُجّل أكثر من 600 اعتداءٍ على ضبّاط التجنيد منذ بداية الحرب، وكادت الاعتداءات أن تتضاعف ثلاثة أضعاف في عام 2025. وحدها الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 شهدت 117 اعتداءً أي ما يزيد على عشرين ضعفاً مقارنةً بالخمسة الاعتداءات التي سُجّلت طوال العام الأوّل من الحرب.

بلغ الغضب ذروته حين عمد حشدٌ في حيّ سيخيف بمدينة لفيف، في 8 يوليو 2026، إلى إيقاف سيارةٍ تابعة لدائرة التجنيد وإلحاق الأضرار بها وقلبها رأساً على عقب خلال احتجاز رجلٍ مطلوبٍ بتهمة التهرّب من التجنيد، ممّا استدعى فتح تحقيقاتٍ ابتدائية من قِبل الشرطة الوطنية وجهاز الأمن الأوكراني.

وقد أكّد الرئيس Volodymyr Zelenskyy أنّ المستفيد الوحيد من مثل هذه المشاهد هو روسيا. غير أنّ الإدانات جاءت مقرونةً بتنازلاتٍ من مؤسّساتٍ كوزارة الدفاع، التي أقرّت بضرورة تحسين أساليب التعبئة. كما أقرّ Oleksandr Syrskii، الذي أُعفي من منصبه قائداً للجيش الشهر الماضي إلى جانب وزير الدفاع Mykhailo Fedorov، بأنّ الجيش يعمل على تصحيح الأخطاء ومنع انتهاك الحقوق في مكاتب التجنيد.

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في مؤتمر صحفي ليلاً مع خلفية ضوء غامضة، في سياق إعلان هدنة في مجال الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.

ترامب يؤكد اتفاق أوكرانيا وروسيا على وقف طاقة مؤقت

أعلن ترامب هدنة مفاجئة في مجال الطاقة بين روسيا وأوكرانيا دون تأكيد رسمي من الطرفين، فهل تتحول هذه الخطوة إلى واقع؟ تابع التفاصيل الآن.
Loading...
انفجار ناري على جسر معلق في كييف نتيجة قصف روسي يعيق حركة المرور ويزيد من انقسام المدينة على ضفتي نهر الدنيبر.

روسيا تقصف جسراً رئيسياً آخر في كييف وسط تصعيدٍ للهجمات على العاصمة الأوكرانية

في كييف، تحولت الجسور الحيوية إلى أهداف روسية، مما قسم المدينة إلى نصفين وأعاق حركة السكان. اكتشف كيف تؤثر هذه الضربات على الحياة اليومية وسبل الصمود في ظل الأزمة. اقرأ المزيد لتفهم التفاصيل.
Loading...
امرأة روسية تحمل أيقونة دينية وتشم شمعة في كنيسة أرثوذكسية، تعبير عن الإيمان والدعم الروحي في ظل النزاع العسكري الروسي الأوكراني.

لماذا ترسل روسيا الأمراء والقديسين الراحلين إلى المعارك

في قلب الصراع الروسي الأوكراني، تُستخدم رفات الأمير دونسكوي لتعزيز الروح المعنوية للجنود ودعم الدعاية السياسية. اكتشف كيف تتحول الرموز التاريخية إلى أدوات حرب. تابع معنا التفاصيل المثيرة للجدل.
Loading...
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام علم أوكرانيا يتحدث عن ترخيص تصنيع صواريخ باتريوت لتعزيز الدفاع الجوي في كييف.

زيلينسكي: ترامب اتّخذ قراراً نهائياً بالسماح لكييف بتصنيع صواريخ باتريوت

في قرار تاريخي يعزز الدفاع الجوي لأوكرانيا، أعلن زيلينسكي موافقة ترامب على ترخيص تصنيع صواريخ باتريوت محلياً، ما قد يغير قواعد المواجهة مع روسيا. اكتشف تفاصيل الاتفاق وتأثيره على الأمن الإقليمي الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية