تصاعد الهجمات الروسية يهدد حياة المدنيين في أوكرانيا
تصاعد الهجمات الصاروخية الروسية على أوكرانيا يودي بحياة مدنيين ويترك آثاراً نفسية عميقة على العائلات. كييف تناشد دول العالم تزويدها بصواريخ دفاع جوي لإنقاذ أرواح ومواجهة التصعيد العسكري في الحرب. خَبَرَيْن

في صباحٍ مشمسٍ من يوليو، كانت فالنتينا سافيتسكا ضابطة أمن حدود شقراء في الثانية والثلاثين من عمرها، وأمٌّ لطفلَين تمرّ بالقرب من مركزٍ رياضي في كييف يستضيف معرضاً للطائرات المسيّرة. في ذلك الصباح من 24 يوليو، أطلقت روسيا ثلاثة صواريخ باليستية نحو العاصمة الأوكرانية؛ أسقطت منظومات الدفاع الجوي واحداً فحسب، بسبب شُحٍّ حادٍّ في صواريخ الاعتراض الغربية الصنع، فيما اخترق الصاروخان الآخران هدفَهما وأودَيا بحياة 12 شخصاً، وأصابا أكثر من 100 آخرين.
قال زوجها إيهور سولوفي: "انتهت طفولتهما؛ لقد فقدا أمّهما." ابنه فلاديسلاف، البالغ 15 عاماً، بات مصمّماً على الانضمام إلى الجيش، إذ "اختار الانتقام، الانتقام لأمّه"، على حدّ قول سولوفي الذي يترأّس المركز الحكومي للتواصل الاستراتيجي المعني بتحليل التضليل الإعلامي الروسي ودحضه. أمّا ابنته بولينا، 11 عاماً، فلا تزال في طور التعافي. أضاف سولوفي: "الأمّ هي الحبّ غير المشروط، هي الحنان، هي السند. وبولينا تدرك الآن أنّها فقدت كلّ ذلك. يقول طبيبها النفسي إنّ ثمّة صدمةً متأخّرة، جرحٌ سيبقى مدى الحياة."
غدا يوليو الشهرَ الأكثر دموية في الحرب الروسية الأوكرانية منذ مايو 2022، إذ أطلقت موسكو 376 صاروخاً رقمٌ قياسيٌّ مقارنةً بـ 288 في مارس و192 في يوليو 2025. وإلى جانب الصواريخ، أرسلت روسيا قرابة 5,000 طائرة مسيّرة بعيدة ومتوسّطة المدى، فضلاً عن مئات القنابل الشراعية الموجَّهة التي أسقطت مبانٍ بأكملها في مناطق الجبهة.
في الثاني من يوليو، انفجر صاروخٌ على بُعد أمتارٍ قليلة من شقّة كاتيرينا بابيتش ذات الغرفتَين في وسط كييف، في ما وُصف بأنّه أضخم هجوم وأشدّه فتكاً في الحرب حتّى الآن، إذ راح ضحيّته 31 قتيلاً وأكثر من 100 جريح. في ثوانٍ معدودة، تحوّل مبنى سكني بأكمله إلى ركامٍ من الخرسانة، وابتلعت النيرانُ النوافذَ المحطّمة والأبواب المشوّهة بفعل موجة الانفجار، فيما تصاعد دخانٌ خانق.
قالت بابيتش، 47 عاماً، إنّها كانت أكثر قلقاً على ابنها دميتري الذي أُصيب بارتجاجٍ في الدماغ وتمزّقٍ في الغضروف الهلالي بعد أن سقطت عليه خزانة ملابس. و قالت بعد ساعاتٍ من الهجوم وكلماتها تتقطّع على وقع أصوات إطارات النوافذ البلاستيكية المكسورة التي يُلقيها جارها من شرفته قائلةً: "يقول إنّه لا يشعر بأيّ ألم، لكنّه تقيّأ بعد أن أخرجني من غرفتي، ثمّ ساعد جيرانه في فتح الأبواب التي أغلقتها موجة الانفجار."
يُحمِّل المراقبون هذا الارتفاع القياسي في الهجمات والضحايا مسؤوليةَ الرئيس الأمريكي Donald Trump، الذي رفض تزويد أوكرانيا بصواريخ الاعتراض PAC 2 وPAC 3 المخصّصة لمنظومات الدفاع الجوي Patriot الأمريكية الصنع. تكلف كلٌّ من هذه الصواريخ عدّة ملايين من الدولارات، ولا تتجاوز طاقة مصنع Lockheed Martin في أركنساس إنتاجَ نحو 50 صاروخاً شهرياً. وقد حوّل البيت الأبيض هذه الإمدادات إلى حلفائه في الشرق الأوسط في أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، فيما قرّر تعزيز مخزونه الاستراتيجي الخاصّ.
وقال Zelenskyy: "إذا باعونا 5 بالمئة فحسب من مخزونهم الحالي، سنتجاوز الشتاء وننقذ أرواح الناس. وإن باعونا 10 بالمئة، سنتمكّن من تدمير جميع الصواريخ الباليستية الروسية."
تستهدف الضربات الروسية في معظمها المناطق السكنية، وتأتي رداً على الحملة الأوكرانية التي تطال مصافي النفط ومستودعات الوقود والمخازن ومحاور النقل الممتدّة من دول البلطيق حتّى غرب سيبيريا. وفي ظلّ هذا الواقع، لا تملك كييف سوى مناشدة 40 دولةً لتزويدها بصواريخ الاعتراض مقابل تسليماتٍ مستقبلية مخطّطة لصالحها.
قال الفريق أوّل إيهور رومانينكو، نائب رئيس هيئة الأركان العامّة الأوكرانية السابق: "الحصول عليها من دولةٍ إلى أخرى أمرٌ عسير؛ بعضها على وشك انتهاء صلاحيّته فيبيعون لنا منه. المسألة لا تقتصر على الصواريخ، بل نحتاج أيضاً إلى طواقم تشغيل منظومات Patriot التي وعد بها Trump، 17 أو 18 منظومة، لكنّنا لم نرَ منها شيئاً حتّى الآن."
روسيا "تستغلّ تفوّقها بوحشيةٍ وانعدام ضمير"
إلى جانب اعتراض الصواريخ الروسية في الجوّ، تحتاج أوكرانيا إلى تدمير القدرة الصاروخية الروسية من المنبع، بضرب سلاسل التصنيع. غير أنّ واشنطن ترفض تزويد كييف بصواريخ AIM 120-AMRAAM ذات الرأس الباحث النشط، بحسب ما أكّده رومانينكو.
في المقابل، تعمل المصانع الروسية بنظام الورديّات وتتجاوز أهدافها الإنتاجية، لتُنتج ما يصل إلى 300 صاروخ باليستي وكروز شهرياً.
يرى فولوديمير فيسينكو، رئيس مركز أبحاث Penta في كييف، أنّ هذه الهجمات تمنح الرئيس الروسي Vladimir Putin "وهمَ" انتصارٍ وشيك. وقال : "روسيا تمتلك تفوّقاً وتستغلّه، تستغلّه بانعدام ضميرٍ ووحشية. هذا يخلق اختلالاً في الموازين ويُبقينا بعيدين عن أيّ مفاوضاتٍ حقيقية للسلام." وأضاف: "في هذه الأيام، يعيش Putin وهمَ أنّه قادرٌ على الفوز بهذه الحرب، لأنّ أوكرانيا تعاني عجزاً هائلاً في صواريخ الاعتراض."
وكان Putin قد رفض مراراً استئناف مفاوضات السلام.
كشف روبرت برودي، القائد الأعلى للطائرات المسيّرة الأوكرانية، في 10 أغسطس، أنّ موسكو تعتزم رفع عدد الصواريخ في كلّ هجوم إلى 200 صاروخ.
وتواصل الصواريخ الروسية قصف ميناء أوديسا، الميناء البحري الرئيسي لأوكرانيا، ممّا يشلّ شبه كاملٍ لشحن صادراتها الأساسية من الحبوب وزيت الطعام وألواح الصلب. حتّى العسكريون الأوكرانيون المرابطون هناك لا يعلمون الحجم الحقيقي للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للميناء، ويتحدّثون عنها بروح الدعابة المعهودة في أوديسا.
قال ضابطٌ عسكري يُدعى أوليه رافضاً الإفصاح عن اسمه الأخير وفق بروتوكولات الحرب : "نحن كالزوجة الأمينة، آخر من يعلم بخيانات زوجها."
في المقابل، ضربت أوكرانيا موانئ روسية ومحطّاتٍ نفطية وسفناً في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود، فضلاً عن الموانئ المحتلّة على بحر آزوف.
قال المحلّل فيسينكو: "الوضع متناقض؛ كلا الطرفَين يُعطّل صادرات الحبوب لدى الآخر، مُوجِداً مشكلاتٍ جسيمة." وقد رفع هذا الحصار المتبادل، مقروناً بموجات الجفاف والحرّ التي اجتاحت نصف الكرة الشمالي، أسعارَ القمح بنسبة 30 بالمئة على أساسٍ سنوي في مطلع أغسطس.
سيطال وقف الصادرات بصورةٍ رئيسية دولاً في الشرق الأوسط كمصر ولبنان والسودان، التي لا تستطيع إيجاد مصادر بديلة للقمح بسرعة. وفي الخميس، رفض Putin المقترحَ الأوكراني بفرض هدنةٍ في البحر الأسود.
قال نيكولاي ميتروخين، الباحث في جامعة بريمن الألمانية: "المشكلة أنّ موسكو لا تكترث فعلاً بمعاناة المزارعين في جنوب غرب روسيا. الحبوب التي لن تُصدَّر ستُغذّي الماشية داخل روسيا، وستحصل الشركات الزراعية الكبرى على قروضٍ حكومية لشراء المزارع المفلسة، وسيحصل بعض المزارعين على تعويضاتٍ وقروضٍ لموسم زراعيٍّ جديد."
أخبار ذات صلة

تصاعد المخاوف من التجنيد الروسي وسط تقارير عن تكتيكات ترهيب

ضربة روسية تودي بحياة 3 أوكرانيين وضغوط داخلية على زيلينسكي

الجنود المجبرون في أوكرانيا: من الاستقطاب إلى العنف
