ترامب والشيوعية حرب كلامية تهدد الانتخابات
ترامب يعيد خطاب الحرب الباردة ويتهم خصومه بالشيوعية في مواجهة الانتخابات النصفية مستخدماً "المطاردة الحمراء" لتخويف قاعدته. تعرف على تاريخ استخدام هذا التكتيك السياسي وتأثيره على المشهد الأمريكي في خَبَرَيْن.

في الثالث من يوليو، وقف الرئيس الأمريكي Donald Trump أمام نصب Mount Rushmore التذكاري، في احتفالٍ أُقيم بمناسبة الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، وألقى خطاباً استحضر فيه لغةً بدت وكأنّها خرجت من أرشيف الحرب الباردة.
قال Trump: "الشيوعية تهديدٌ مميتٌ للحرية الأمريكية، وهي الخطر الأعظم الذي واجهته بلادنا، يفوق الحربَين العالميتَين وهجوم Pearl Harbor وحتى أحداث 11 سبتمبر."
جاء هذا الكلام ضمن خطابٍ امتدّ ثلاثين دقيقة، ورد فيه لفظ "الشيوعية" أو "الشيوعي" 14 مرّة. وفي اليوم التالي، خلال احتفالات الرابع من يوليو على National Mall، عاد الرئيس مجدّداً إلى التحذير من "شبح الشيوعية"، متعهّداً أمام حشدٍ من مؤيّديه بأنّ "أمريكا لن تكون أبداً دولةً شيوعية."
"الشيوعية" سلاحاً انتخابياً
يبدو أنّ توصيف خصومه بـ"الشيوعيين" بات التكتيك الخطابي المفضّل لدى Trump في مواجهة الانتخابات النصفية. فمع صعود مرشّحين من تيّار اليسار الديمقراطي الاشتراكي في بعض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، على مستوى الكونغرس والبلديات، يلجأ الرئيس وحلفاؤه الجمهوريون إلى تكتيكٍ عريق يُعرف بـ"المطاردة الحمراء" (Red-Baiting)، أي اتّهام المعارضين بالميول الشيوعية.
قالت المتحدّثة باسم البيت الأبيض Karoline Leavitt في مقابلةٍ على قناة Fox News: "هذا ليس حزب الديمقراطيين الذي عرفه أجدادكم. هؤلاء شيوعيون."
وأضاف رئيس مجلس النواب Mike Johnson في المقابلة ذاتها: "الشيوعية والاشتراكية انحرافاتٌ عن الماركسية. هذه شيوعية أفضت إلى مقتل الأبرياء، عشرات الملايين منهم في القرن العشرين وحده. علينا مقاومتها."
من أين جاءت "الشيوعية"؟
كلمة "communism" مشتقّةٌ من الفرنسية "communisme"، واستُخدمت في الإنجليزية لأوّل مرّة نحو عام 1840، أي قبل ثماني سنواتٍ من نشر الفيلسوفَين الألمانيَّين Karl Marx وFriedrich Engels لـ"البيان الشيوعي". وتصف الكلمة في جوهرها أيديولوجيةً سياسيةً تتصوّر مجتمعاً بلا دولةٍ ولا طبقاتٍ ولا نقود، قائماً على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.
في مطلع القرن العشرين، تحوّلت "الشيوعية" إلى مصطلحٍ سلبيٍّ في الفضاء السياسي والصناعي الأمريكي، حين حملت حركاتٌ عمّالية مناضلة يتشكّل كثيرٌ منها من مهاجري أوروبا الشرقية والجنوبية الأفكارَ الماركسية إلى ساحة الصراع العنيف بين أصحاب العمل والعمّال. وبعد الثورة الروسية عام 1917، ساد الهلعُ من ثورةٍ مماثلة على الأراضي الأمريكية، فكانت موجة القمع المعروفة بـ"الذعر الأحمر الأوّل"، التي شهدت حملات Palmer raids بحثاً عن المشتبه بهم من الراديكاليين والفوضويين والأجانب.
ومع تحوّل الثورات الشيوعية في العقود التالية من طوباويّةٍ مساواتية إلى قمعٍ شموليٍّ صارم، ارتبط المصطلح في ذاكرة جيل الحرب الباردة بأنظمة Joseph Stalin وMao Zedong وFidel Castro، وبكوابيس الحرب النووية مع الاتحاد السوفيتي.
"شيوعي" بمعنى "غير أمريكي"
يُشير أستاذ الفقه والعلوم السياسية في Amherst College، Austin Sarat، إلى أنّ Trump حين يحذّر من "الشيوعية"، فهو لا يتحدّث عن التفاصيل الأيديولوجية لمرشّحين لا يتجاوزون في واقع الأمر وصف أنفسهم بـ"الاشتراكيين الديمقراطيين".
يقول Sarat إنّ Trump يستخدم المصطلح اختصاراً لكلمة "غير أمريكي"، ليُرسل إلى قاعدته رسالةً مفادها أنّ أسلوب حياتهم في خطر. وقد صرّح Trump في خطابه بتاريخ 3 يوليو: "إمّا أن تكون وفيّاً لـKarl Marx أو وفيّاً لأمريكا. إمّا أن تكون شيوعياً أو وطنياً. لا يمكن أن تكون الاثنَين معاً."
ويُضيف Sarat: "إنّها طريقةٌ فضفاضة للقول: هؤلاء ليسوا مثلنا، وهم يهدّدون طريقة حياتنا."
تاريخٌ طويل من "المطاردة الحمراء"
اتّهام الخصوم بالتآمر الشيوعي تكتيكٌ سياسيٌّ متجذّر في التاريخ الأمريكي. في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، أرهب السيناتور Joseph McCarthy المشهدَ السياسي بادّعاءاتٍ عن تغلغل جواسيس شيوعيين في المؤسّسات الأمريكية، ودمّر سمعة كثيرين وأرزاقهم. وكان من أبرز مساعديه المحامي Roy Cohn، الذي أصبح لاحقاً محامياً وموجّهاً للشاب Donald Trump.
وقد أعانت اتّهاماتٌ بالتعاطف مع "الحمر" Richard Nixon على الفوز بمقعدٍ في مجلس الشيوخ عام 1950. كما وُظّف المصطلح تاريخياً لتشويه حركات حقوق الإنسان؛ إذ كثيراً ما أُلصقت بـMartin Luther King Jr. تهمة "الشيوعية".
هل ينجح التكتيك في 2026؟
بعد نحو 37 عاماً على سقوط جدار برلين، يبقى السؤال مشروعاً: هل يستطيع خطاب "الذعر الأحمر" أن ينتشل Trump من أزمته السياسية الراهنة؟ النظرية الاقتصادية الشيوعية الصافية بالكاد تُطبَّق في أيّ مكانٍ اليوم، حتى لو احتفظت أنظمةٌ في اقتصاداتٍ رأسمالية هجينة كالصين وروسيا بقبضتها الاستبدادية.
في المقابل، يُقارن سياسيون ديمقراطيون كعمدة مدينة New York Zohran Mamdani بالاشتراكيين الديمقراطيين في أوروبا، من خلال مطالباتهم بالرعاية الصحية الشاملة والإسكان العام والتدخّل في أسعار المواصلات والغذاء. وبينما وصف Trump في السابق حتى ديمقراطيين من التيّار الرئيسي كـJoe Biden وKamala Harris بـ"الشيوعيين"، يرى Ashik Siddique، المنسّق المشارك لـDemocratic Socialists of America، أنّ تصنيف مرشّحي الحركة بـ"الشيوعيين" بات أجوف الأثر.
يقول Siddique: "يبدو لنا أنّ الكلمات تفقد معناها، وأنّ هجمات Trump على هذا الصعيد تقع في فراغ."
"الاشتراكية" لم تعد مخيفة
لم تعد "الاشتراكية" كلمةً مرعبةً لدى شرائح واسعة من الأمريكيين. استطلاعٌ أجري في مارس أظهر تنامياً في التأييد للاشتراكية، إذ قال 38% من المستطلَعين و هو رقمٌ قياسيٌّ إنّ التحوّل عن الرأسمالية سيكون أمراً جيّداً للولايات المتحدة. واستطلاعٌ آخر أجرته Gallup في سبتمبر أظهر أنّ 66% من الديمقراطيين ينظرون إلى الاشتراكية نظرةً أكثر إيجابيةً من الرأسمالية. أمّا المستقلّون، الذين يُشكّلون ثقلاً في الدوائر المتأرجحة، فيُفضّلون الرأسمالية على الاشتراكية بنسبة 51% مقابل 31%.
وحتى "الشيوعية" لم تعد مثيرةً للرعب لدى جيلٍ أصغر سنّاً. فوفق استطلاعٍ أجراه معهد Cato Institute الليبرتاري، يُبدي أكثر من ثلث الأمريكيين دون الثلاثين (38%) نظرةً إيجابيةً تجاه الشيوعية، في مقابل 45% يُبدون نظرةً إيجابيةً تجاه الرأسمالية. والجيل ذاته يُبدي تأييداً أوسع للاشتراكية، إذ يرى 53% من أبناء الجيل Z أنّها ذات صورةٍ إيجابية.
ومع ذلك، يرى المستشار الجمهوري John Feehery أنّ Trump يراهن في الانتخابات النصفية على قدرة خطاب "الشيوعية" في استنهاض الناخبين الأكبر سنّاً: "هو يريد أن يُحرّك كبار السن ليصوّتوا."
هل ينقلب السلاح على صاحبه؟
أجرى الباحث Dalton Bouzek دراسةً على خطاب "المطاردة الحمراء" في حملات الكونغرس عام 2020، فوجد أنّ هذا الخطاب لم يرتبط بالضرورة بفوز مستخدميه في الانتخابات، وإن كان يُفضي إلى تفاعلٍ أوسع على الفضاء الرقمي.
يقول Bouzek، المدرّس في SUNY Brockport: "تُستخدم هذه المصطلحات لأنّه لا يزال ثمّة غموضٌ واسع حول معانيها. وإن كان بالإمكان توظيفها بسهولة، وكانت مصطلحاتٍ مألوفةً تستثير ردود فعلٍ مسبقة، فسيستخدمها الساسة لصالحهم."
غير أنّ التاريخ الأمريكي يُثبت أنّ هذا التكتيك لا يُجدي دائماً. حين اتّهم Barry Goldwater الرئيسَ Lyndon B. Johnson بالتساهل مع الشيوعية، انقلب الأمر عليه؛ إذ ردّ فريق LBJ بإعلانٍ انتخابيٍّ شهير عُرف بـ"Daisy"، يصوّر طفلةً تقطف بتلات زهرة في عدٍّ تنازلي ينتهي بانفجارٍ نووي، في إيحاءٍ بأنّ التصويت للمرشّح الجمهوري المحافظ يعني كارثةً نووية.
ومع إطلاق Trump مصطلحَي "الشيوعية" و"الشيوعي" على خصومه بمعزلٍ عن معانيهما الحقيقية، يتساءل Bouzek إن كان هذا السلاح قد ينقلب على صاحبه أيضاً، فيُحوّل الكلمتَين في أذهان الشباب إلى رمزٍ للهوية المناهضة لـTrump.
يقول: "أستطيع أن أتخيّل عالماً تنعكس فيه هذه الاستراتيجية على Trump، ويصبح الناس أكثر انفتاحاً على أفكار اليسار."
اقرأ أيضاً في هذه السلسلة
لماذا يبدو "التعادل" أحياناً كالانتصار؟.
هل يُعدّ تفاهم Trump مع إيران "صفقةً" حقيقية؟.
من يحقّ له أن يُسمّي نفسه "نيويوركياً"؟.
موقع Trump الجديد "Aliens" يوظّف الفضول بالكائنات الفضائية للنيل من المهاجرين.
لماذا يبني Trump "قفصاً" في حديقة البيت الأبيض؟.
أخبار ذات صلة

انتقادات جمهوريون لادعاءات ترامب حول تهديدات انتخابية جديدة

نظام ترامب يُشدّد قيود الهجرة على المستفيدين من المساعدات الاجتماعية

جون إسبوزيتو: رائد دراسات الإسلام في أميركا يرحل عن 86 عاماً
