تذبذب مواقف ترامب حول اليورانيوم الإيراني
تتعمق المفاوضات بين واشنطن وطهران حول المخزون النووي الإيراني، حيث تتباين مواقف ترامب حول ضرورة استرداد اليورانيوم. هل سيؤدي التذبذب في الخطاب إلى اتفاق ينهي حالة الحرب؟ اكتشف التفاصيل على خَبَرَيْن.

-تتصدّر قضية المخزون النووي الإيراني قائمة أعقد الملفّات في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، إذ يسعى الطرفان إلى التوصّل لتسوية تُنهي حالة الحرب القائمة بينهما. فهذا الملف ليس نقطة خلافٍ جوهرية فحسب في ظلّ إشارات إيرانية واضحة برفض التخلّي عن اليورانيوم عالي التخصيب بل إنّ عملية استخراج هذه المواد تنطوي على تعقيداتٍ ميدانية بالغة. والأهمّ من ذلك أنّ مصير هذه المواد سيحدّد إلى حدٍّ بعيد مدى صحّة ادّعاء الرئيس Donald Trump بأنّ حربه قد «دمّرت» التهديد النووي الإيراني فعلاً.
غير أنّ إدارة Trump أبدت تذبذباً لافتاً في مواقفها من هذا الملف، شأنه شأن كثيرٍ من ملفّات هذه الحرب.
تصريحات متضاربة داخل الإدارة الواحدة
في إطلالةٍ على البيت الأبيض الخميس الماضي، أكّد وزير الخزانة Scott Bessent أنّ تسليم إيران لليورانيوم يمثّل «خطاً أحمر» بالنسبة للرئيس Trump.
وقال Bessent صراحةً: «على إيران أن تسلّم يورانيومها عالي التخصيب».
وفي السياق ذاته، نشر Trump على منصّة Truth Social الجمعة أنّ اليورانيوم «سيُستخرج من قِبَل الولايات المتحدة... بالتنسيق الوثيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وسيُدمَّر».
وفي الاتجاه نفسه، أكّد وزير الخارجية Marco Rubio في وقتٍ سابق من الأسبوع الماضي أنّ على طهران «تسليم يورانيومها عالي التخصيب»، مضيفاً: «هذه هي نقاط الرئيس بشكلٍ ثابت».
بيد أنّ ثبات هذه النقطة لدى الرئيس نفسه موضع شكّ. فبينما يبدو Trump حريصاً على إبرام اتفاقٍ ما لإنهاء الحرب، فإنّه طرح مراراً وبصورةٍ لافتة حلولاً لا ترقى إلى مستوى انتزاع كامل اليورانيوم الإيراني. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ الاتفاق النهائي سيسير في هذا الاتجاه، إذ لا يُبدي Trump جهداً يُذكر في الحفاظ على اتّساق خطابه. لكن يمكن القول بمعقوليةٍ إنّ هذه النقطة تبدو قابلةً للتفاوض في ذهنه.
1 أبريل:
بدأت ملامح هذا التذبذب تتّضح في مطلع أبريل، حين أجرى Trump مقابلةً مع وكالة Reuters، وذلك بعد ثلاثة أيامٍ فحسب من تأكيده أنّ إيران ستسلّم ما وصفه بـ«الغبار النووي».
فجأةً، غيّر Trump لهجته، مُلمّحاً إلى أنّ المواد النووية مدفونةٌ في أعماق الأرض جرّاء الضربات الأمريكية العام الماضي، وأنّها باتت في حكم المنعدمة الأثر.
وقال: «إنّها في أعماق الأرض، ولا يعنيني أمرها».
واقترح Trump الاكتفاء بمراقبة المواقع عبر الأقمار الاصطناعية، معتبراً أنّ إيران باتت «عاجزة» عن امتلاك سلاحٍ نووي.
لكنّه سرعان ما تراجع عن هذا الموقف؛ ففي مقابلةٍ ثانية مع Reuters في 17 أبريل، عاد Trump إلى التأكيد على ضرورة استرداد اليورانيوم، قائلاً: «سندخل مع إيران، بخطىً هادئة ومتأنّية، وننزل لنبدأ الحفر بالمعدّات الثقيلة، وسنعود به إلى الولايات المتحدة».
وفي 26 أبريل، جدّد Trump هذا الموقف بوضوح: «يجب أن نأخذ ذلك الغبار النووي، سنأخذه».
منتصف مايو: مقابلات Fox News
بحلول منتصف مايو، عاد Trump مجدّداً إلى التشكيك في ضرورة استرداد اليورانيوم.
في مقابلةٍ مع Sean Hannity على قناة Fox News بتاريخ 14 مايو، نقل Trump ما أبلغته إيّاه طهران من أنّ اليورانيوم مدفونٌ في أعماقٍ يتعذّر عليها هي نفسها الوصول إليه، مُشيراً إلى أنّ أيّ عملية استخراجٍ ستستلزم وجوداً ميدانياً مطوّلاً على الأراضي الإيرانية.
وحين اقترح Hannity إمكانية «طمر» اليورانيوم بدلاً من استخراجه، أبدى Trump انفتاحاً على هذا الخيار، وإن صوّر الاسترداد على أنّه مهمٌّ من الناحية الرمزية لا أكثر.
وقال Trump: «لا، لا أظنّه ضرورياً إلا من منظور العلاقات العامة. أعتقد أنّه مهمٌّ للإعلام الكاذب أن نحصل عليه».
وأضاف: «أفضّل الحصول عليه، لكنّنا نراقب المناطق».
وكرّر Trump هذه التصريحات في اليوم التالي في مقابلةٍ مع Bret Baier على Fox، قائلاً: «طمر اليورانيوم كافٍ، لكنّه غير كافٍ من ناحية العلاقات العامة. إنّه مهمّ، لكنّه ربّما يكفي لأسبابٍ أخرى».
في المقابل، وفي اليوم ذاته، صرّح Trump للصحفيين على متن طائرة Air Force One بأنّه لا يزال مُصرّاً على استرداد اليورانيوم فعلياً.
وقال: «مع ذلك، أريد الحصول عليه. وقد وافقوا على ذلك، ثمّ تراجعوا، لكنّهم سيوافقون في نهاية المطاف».
تجدر الإشارة إلى أنّه لا يوجد أيّ دليلٍ على موافقة إيران على هذا الأمر. وقد اعتاد Trump على توصيف طهران بأنّها وافقت على أمورٍ لم تتحقّق قطّ.
تناقضٌ يتجاوز ملف اليورانيوم
حين يُقدّم Rubio وBessent استخراج اليورانيوم باعتباره هدفاً راسخاً للإدارة، فإنّهما يتجاوزان كثيراً من تصريحات Trump ذاته. وقد يكون الرئيس بحاجةٍ إلى استرداد هذه المواد ليُسوّق الحرب باعتبارها نجاحاً، وليتجنّب استفزاز التيّار المتشدّد إزاء إيران داخل الحزب الجمهوري. غير أنّ تذبذبه يُوحي بأنّه ليس ملتزماً تماماً بهذه النقطة بوصفها خطاً أحمر حقيقياً في المفاوضات.
وهذا الملف ليس إلا نموذجاً مصغّراً لإشكاليةٍ أعمق تعتري مقاربة Trump للحرب برمّتها. فمنذ البداية، ظلّت الأهداف ضبابيةً ومتحوّلة. تُعلن الإدارة عن أربعة أهداف، لكنّها في الغالب تختلف من مسؤولٍ إلى آخر ومن مناسبةٍ إلى أخرى.
يبدو المشهد وكأنّ Trump دخل الحرب دون رؤيةٍ واضحة لما يريد الخروج به منها، وهو الآن يرتجل المواقف ارتجالاً.
لكنّ حين يتعلّق الأمر بإنهاء هذه الحرب فعلاً، فإنّ الحسم في هذا الملف بالذات يغدو أمراً بالغ الأهمية. وهذا ما يجعل من الضروري أن تحسم الإدارة موقفها في مرحلةٍ ما قبل أن تجد نفسها أمام طاولة تفاوضٍ لا تعرف ماذا تطلب منها.
أخبار ذات صلة

ترامب يعيد نصّ الاتفاق النووي الإيراني بتعديلات

إيران والولايات المتحدة تقتربان من اتفاق: آخر التطورات في اليوم الحادي والتسعين

الولايات المتحدة تقصف بندر عباس مجدداً: لماذا يُعتبر الميناء حيوياً لإيران؟
