أزمة تنظيم الأسرة في كينيا تهدد حياة النساء
تواجه النساء في كينيا وأفريقيا أزمة صحية خطيرة بعد تخفيضات تمويل تنظيم الأسرة من إدارة ترامب. الممرضة Kephine Ojung'a تحذر من تزايد حالات الحمل غير المرغوب فيه والمخاطر الصحية. تعرف على التفاصيل المأساوية في خَبَرَيْن.

في مقاطعة كيليفي على الساحل الكيني، تعمل الممرضة Kephine Ojung'a منذ ما يقارب ثلاثة عقود في مجال الرعاية الصحية الإنجابية. تقول إنها "رأت الكثير" خلال هذه السنوات الطويلة لكنّ الأشهر الأخيرة كانت الأشدّ قسوةً. فمنذ أن شرعت إدارة ترامب في تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وخفض تمويل تنظيم الأسرة، تغيّرت الصورة تغيّراً جذرياً.
في مناطق واسعة من أفريقيا، كان التمويل الأمريكي يوفّر وسائل منع الحمل مجاناً، وفحوصات الحمل والولادة، وخدمات الرعاية الصحية الإنجابية عبر عيادات طبية متنقّلة خدماتٌ اختفت فجأةً بعد أن قلّصت إدارة ترامب الدعم المالي وأوقفت برامج بأكملها.
تقول Ojung'a، التي تعمل لدى منظمة Reproductive Health Network Kenya غير الربحية: "كلّ يوم في كيليفي، نُحصي حالاتٍ متعدّدة من الحمل غير المرغوب فيه". وقد حذّرت المنظمة من نفاد وسائل منع الحمل في عياداتٍ على امتداد البلاد. وتضيف: "رأينا حالاتٍ أفضت إلى الموت… ولا يزال أمامنا المزيد إنتانٌ في الدم، ونزيفٌ حادّ، وصدمةٌ تهدد الحياة".
وصفت هذه الممرضة الميدانية ما شهدته بأمّ عينيها من آثارٍ صحية وخيمة، إذ تلجأ بعض النساء إلى إنهاء حملهنّ بأنفسهنّ عبر تناول جرعاتٍ مرتفعة من المسكّنات، أو الحصول على أدوية للإجهاض دون وصفةٍ طبية أو إشرافٍ سريري، أو استهلاك موادّ سامّة كالمنظّفات المنزلية.
على مدى الأشهر الستّة الماضية، تم الحديث إلى مقدّمي رعاية صحية ومنظماتٍ غير حكومية في ستّ دول، وصفوا فيها تسريح العمّال الصحيين، وشحّاً واسعاً في وسائل منع الحمل، وتحدّياتٍ متواصلة في سلاسل الإمداد لا سيّما في المناطق النائية التي تكاد تنعدم فيها خيارات المرأة. وتتشابك هذه العوامل لتُفاقم أزمةً حقيقية في طبّ تنظيم الأسرة، تتكشّف في أرجاء القارة الأفريقية في أعقاب تخفيضات المساعدات الأمريكية ومساهمات دولٍ مانحة أخرى.
يقدّر الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة (International Planned Parenthood Federation) أنّ تخفيضات التمويل أجبرت ما يقارب 1,400 عيادة طبية على الإغلاق حول العالم، ممّا حرم 9 ملايين شخص من الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية خلال عام 2025.
والآن، يقترح طلب الميزانية الذي قدّمته إدارة ترامب للسنة المالية 2027 تخفيضاتٍ إضافية لبرامج الصحة العالمية، تبلغ مليارات الدولارات، مع إلغاءٍ كامل لجميع برامج الصحة الإنجابية. وتنصّ وثيقة الميزانية على أنّ البيت الأبيض يسعى إلى ضمان عدم توجيه أيّ تمويلٍ لدعم "الوصول غير المقيّد إلى وسائل منع الحمل". وإن كان طلب الميزانية الرئاسي غير ملزمٍ قانوناً إذ يملك الكونغرس صلاحية إقرار الإنفاق فإنّه يكشف بوضوحٍ عن أولويات الإدارة.
قالت Nabeeha Kazi Hutchins، رئيسة منظمة PAI المعنية بحقوق الإنجاب ومقرّها واشنطن، إنّ صياغة المقترح "توضّح بجلاءٍ أنّ ما يُروَّج له هو أيديولوجيا سياسية لا أدلّة صحّة عامة"، مشيرةً إلى أنّه يعكس "تخلّياً مذهلاً" عن عقودٍ من الالتزام الأمريكي ثنائي الحزبية بتنظيم الأسرة على المستوى الدولي.
في عام 2024، موّلت الولايات المتحدة 43% من إجمالي المساعدات العالمية لتنظيم الأسرة، وفقاً لمنظمة KFF غير الربحية المعنية بسياسات الصحة. وكان هذا التمويل يتيح لـ 47.6 مليون امرأة وزوجَين الوصول إلى وسائل منع الحمل الحديثة، بحسب تحليلٍ أجراه معهد Guttmacher للأبحاث المعني بالصحة الجنسية والإنجابية. وتجدر الإشارة إلى أنّ السياسة الأمريكية تحظر على المنظمات غير الحكومية الدولية التي تُجري عمليات الإجهاض أو تُقدّم الاستشارات بشأنه أو تدعو إليه تلقّي أيّ تمويلٍ حكومي أمريكي.
غير أنّ إدارة ترامب جمّدت في مطلع العام الماضي منح تنظيم الأسرة التي كانت USAID تُشرف عليها، ثمّ ألغتها كلياً. وفي يوليو، أقدم الكونغرس على استرداد 500 مليون دولار كانت مخصّصة لبرامج تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية. كما أوقفت الإدارة الأمريكية جميع مساهماتها في صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، وأبقت على 9.7 ملايين دولار من موانع الحمل المشتراة أمريكياً محتجزةً في مستودعاتٍ ببلجيكا بدلاً من إيصالها إلى النساء في الخارج.
يُحذّر الخبراء من أنّ تداعيات المزيد من التخفيضات ستكون بالغة الأثر في حياة النساء في 41 دولةً كانت تتلقّى دعم USAID لتنظيم الأسرة، معظمها في أفريقيا.
في موزمبيق، رصد العاملون في مجال الإغاثة ارتفاعاً بنسبة 7% في حالات الحمل المسجّلة لدى المراهقات العام الماضي في المناطق التي تراجعت فيها الخدمات، بعد أن أعاقت تخفيضات التمويل الأمريكي لـ UNFPA والصندوق العالمي جهودَ الوصول إلى أكثر الفئات هشاشةً.
قال Santos Simione، مدير الجمعية الموزمبيقية لتنمية الأسرة (AMODEFA): "ثمّة ارتباطٌ مباشر بين انسحاب مساعداتنا وتزايد هشاشة الفتيات الصغيرات. كلّ نقطة مئوية في هذا الارتفاع تعني فتياتٍ يتركن مقاعد الدراسة، واستمراراً لدوّامة الفقر، وتصاعداً في معدّلات الإصابة بفيروس HIV، وتزايداً في زيجات الأطفال المبكّرة".
في ملاوي، إحدى أقلّ دول العالم نمواً، أطلقت المنظمة المحلية المنتسبة إلى الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة نداء إنذارٍ في أواخر العام الماضي بشأن تداعيات الأزمة على النساء اللواتي فقدن إمكانية الوصول إلى العيادات المتنقّلة ووسائل منع الحمل خلال عام 2025.
قالت Ulemu Kapile، البالغة من العمر 24 عاماً، لجمعية تنظيم الأسرة في ملاوي آنذاك: "انتظرت قدوم العيادة. كانوا يأتون كلّ شهر. لكن بعد تجميد المساعدات، لم يعودوا أبداً، وحين أدركت ما يجري، كنت قد حملت بالفعل".
يقول مقدّمو الرعاية الصحية والمنظمات غير الحكومية العاملة في أفريقيا إنّ تخفيضات التمويل الأمريكي لخدمات تنظيم الأسرة أفضت إلى وفياتٍ وعمليات إجهاضٍ غير آمنة ونزيفٍ حادّ وتردٍّ في جودة رعاية الأمومة.
حين تم الاستفسر من المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن هذه الادّعاءات، جاء الردّ: "يتوقّع الشعب الأمريكي أن تذهب أموال ضرائبه لدعم برامجٍ تنقذ الأرواح وتخدم المصالح الأمريكية وتعكس القيم الأمريكية، لا لتمويل أنشطةٍ مرتبطة بالإجهاض أو أجنداتٍ اجتماعية يسارية أو بيروقراطياتٍ مُسرفة في الخارج". وأضاف المتحدّث أنّ تركيز الإدارة ينصبّ على "تقديم رعايةٍ منقذةٍ للحياة في مجالات الصحة العالمية ذات الأولوية، بما فيها HIV/الإيدز والسلّ والملاريا وصحة الأمّ والطفل".
جودة الرعاية في تراجعٍ مستمرّ
بيد أنّ الأبحاث تُثبت أنّ إتاحة وسائل منع الحمل الحديثة والقدرة على تنظيم الحمل أو تباعده تُسهم في تحسين معدّلات وفيات الأمّهات ودخل الأسر وصحّة المواليد. علاوةً على ذلك، قال مقدّمو الرعاية الصحية في عدّة دول أنّ خدمات منع الحمل كثيراً ما تُدمج مع خدماتٍ طبية أخرى كالوقاية من HIV/الإيدز ورعاية أمراض النساء والتوليد، وهي خدماتٌ تأثّرت هي الأخرى بفعل التخفيضات.
قال Patrick Kinemo، مدير منظمة MSI Reproductive Choices في تنزانيا وهي منظمةٌ تعمل في عشراتٍ من الدول لتوفير الرعاية الصحية الإنجابية : "إن لم يُتَّخذ أيّ إجراء، فإنّنا مقبلون على عواقب وخيمة".
تواجه تنزانيا وحدها فجوةً تمويليةً تبلغ نحو 18.3 مليون دولار لتوفير وسائل منع الحمل كحبوب منع الحمل والغرسات تحت الجلد واللوالب الرحمية (IUDs) خلال العام الجاري، وفقاً لـ MSI. وتُشير المنظمة إلى أنّ هذه الوسائل ستؤثّر في حياة النساء لسنواتٍ تتجاوز عام 2026، وأنّها كانت ستحول دون 1,600 وفاةٍ للأمّهات في هذا العام وحده بحسب تحليلها الخاصّ.
ولفت Kinemo إلى أنّ تحسين تنظيم الأسرة كان وراء انخفاضٍ ملموس في معدّلات وفيات الأمّهات في البلاد، محذّراً: "بدون هذه المستلزمات، قد ينعكس هذا التقدّم".
كما أنّ التباعد الكافي بين فترات الحمل يُخفّض معدّلات وفيات الرضّع، إذ يُتيح للأمّهات الإرضاع لفتراتٍ أطول، ممّا ينعكس إيجاباً على صحّة الأطفال ومؤشّرات التغذية ويُقلّل من التقزّم، وفقاً لأبحاثٍ سابقة نشرتها USAID. ويُضيف Kinemo أنّ ذلك يُمكّن المرأة من العمل، فيرتفع دخل الأسرة ويتحسّن مستوى صحّتها.
ومع تضيّق الخيارات جرّاء تخفيضات المساعدات، قد تُضطرّ نساءٌ كثيرات إلى اتّخاذ إجراءاتٍ تُعرّض صحّتهنّ للخطر. قال الدكتور Bakari Omary، منسّق المشاريع في منظمة UMATI التنزانية غير الربحية المعنية بالصحة الإنجابية، العام الماضي: "نخشى الإجهاض غير الآمن، وقد تصاعدت أعداده بالفعل". وفي عددٍ من الدول التي تحدّث فيها عمّال الصحة إلى من بينها ملاوي ونيجيريا وتنزانيا يُقيَّد الإجهاض بصرامةٍ بالغة في القانون.
في زامبيا، أبدى العاملون في مجال الإغاثة مخاوفهم من أنّ التخفيضات الحادّة في الكوادر البشرية تُؤثّر سلباً على جودة الرعاية المقدّمة للنساء الشابّات والحوامل.
قال Amos Mwale، المدير التنفيذي لمركز الصحة الإنجابية والتعليم في زامبيا: "الجودة تراجعت بالتأكيد. لا يمكنك الحصول على نفس المستوى بشخصَين حين كنت تعمل بستّة". وأشار إلى أنّ أعداد القابلات في العيادات تقلّصت تقلّصاً كبيراً، ممّا يضطرّ النساء إلى الانتظار حتّى مراحل متقدّمة من المخاض قبل أن يتلقّين أيّ رعاية.
وأضاف Mwale أنّ النساء الحوامل "يقطعن مسافاتٍ طويلة سيراً على الأقدام، ثمّ يضطررن إلى الانتظار لساعاتٍ أطول من المعتاد للحصول على خدمات الرعاية السابقة للولادة".
وأفاد العاملون في مجال الإغاثة بأنّ الدول تكافح لسدّ الفجوات التي خلّفتها التخفيضات الحادّة في ظلّ ضغوطٍ مالية متراكمة. وأشارت ناطقةٌ باسم جمعية تنظيم الأسرة في ملاوي إلى أنّ وزارة الصحة الوطنية تدعم عمل المنظمة، غير أنّها عاجزةٌ عن توسيع الخدمات لتشمل المناطق الأكثر نأياً. وقد تلقّت المنظمة بعض التمويل الطارئ من الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة (IPPF) لمواصلة نشاطها. لكنّ في مناطق أخرى تفتقر إلى التمويل الكافي، "أوقف الشركاء المدعومون أمريكياً الخدمات كلياً… فأصبحت النساء في وضعٍ يائسٍ تماماً"، على حدّ قول الناطقة.
وفياتٌ كان يمكن تفاديها
في السنة المالية 2024 قبل عودة ترامب إلى السلطة يُقدَّر أنّ الاستثمار الأمريكي في تنظيم الأسرة على المستوى العالمي أسهم في منع 17.1 مليون حالة حملٍ غير مرغوب فيه و34,000 حالة وفاةٍ للأمّهات، وفقاً لمعهد Guttmacher. كما أسهم التمويل الأمريكي في تفادي ما يُقدَّر بـ 5.2 مليون عملية إجهاضٍ غير آمنة.
وعلى الرغم من أنّ الكونغرس أقرّ مؤخّراً تمويلاً إضافياً للمساعدات الصحية العالمية في السنة المالية 2026 يشمل تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، أفاد خبراء الميزانية بأنّ ثمّة تأخيراً يمتدّ لعامٍ كامل قبل أن تُصرف هذه الأموال فعلياً.
في غضون ذلك، يُحذّر المدافعون عن الصحة الإنجابية من أنّ هذا التمويل قد يُعاد توجيهه أو استرداده، كما جرى في عام 2025. وأفاد المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في مارس بأنّ الوزارة لا تزال تُقيَّم برامج تنظيم الأسرة وتمويلها للسنة المالية 2026.
في ظلّ هذا الضغط المتصاعد على قطاع تنظيم الأسرة عالمياً، تقول النساء إنّهنّ يخشين فقدان السيطرة على خياراتهنّ الإنجابية.
قالت Peace Adizue، طالبةٌ في أبوجا بنيجيريا كانت تعتمد على وسائل منع الحمل المدعومة: "الجميع يخافون من الحمل". وأضافت أنّ النساء يخشين أنّ غياب بعض وسائل منع الحمل سيضطرّهنّ إلى اللجوء إلى طرقٍ أقلّ موثوقية، فيما ارتفعت تكاليف وسائل منع الحمل ارتفاعاً حادّاً في ظلّ تخفيضات المساعدات وشحّ المخزون. وقالت Adizue: "أنا مصدومةٌ من الفارق في السعر".
أمّا بالنسبة لمقدّمي الخدمات، فإنّ المشهد يصعب احتماله. قالت الممرضة Ojung'a في كيليفي: "ما يحدث الآن… يجعلني أحياناً أذرف الدموع".
مراراً وتكراراً في الأشهر الأخيرة، اضطرّت عيادتها إلى ردّ نساءٍ قطعن أميالاً سيراً على الأقدام أملاً في الحصول على رعايةٍ طبية حديثة أو وسائل منع الحمل. وباتت تضطرّ إلى إخبارهنّ: "رفوفي فارغةٌ اليوم". وتختم بكلمةٍ سواحيلية باتت تلخّص الواقع المرير: "هاكونا هاكونا تعني: لا شيء".
أخبار ذات صلة

سائح يلقى مصرعه بعد عضة ثعبان في عرض سياحي بمصر

مسلحون يقتلون 29 شخصاً على الأقل في ولاية آدمـاوا بشمال شرق نيجيريا

سفينة شحن تحت سيطرة قراصنة مشبوهين متجهة نحو الصومال
