الإفراط في وصف الأدوية النفسية وأثره على الصحة
تتطرق خطة وزير الصحة الأمريكي إلى أزمة الإفراط في وصف الأدوية النفسية، داعياً لدعم خيارات علاجية بديلة وتعزيز الصحة النفسية. هل ستحدث هذه الخطوة تغييراً حقيقياً في الرعاية النفسية؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

يُعدّ الجدل حول وصف الأدوية النفسية من أكثر النقاشات حساسيةً في الطبّ الحديث، إذ يتقاطع فيه السياسي مع الإكلينيكي والاجتماعي. وقد أعاد هذا الجدل إلى الواجهة مؤخّراً حين أعلن وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي Robert F. Kennedy Jr. عن خطّةٍ لمعالجة ما وصفه بـ"الإفراط في وصف" الأدوية النفسية، مع دعم خياراتٍ علاجية بديلة وإمكانية إيقاف الأدوية عند الحاجة.
قال Kennedy في كلمته يوم الاثنين أمام قمّة معهد MAHA المعنيّة بالصحة النفسية وظاهرة المبالغة في التطبيب: "نتّخذ اليوم إجراءاتٍ واضحة وحاسمة لمواجهة أزمة الصحة النفسية في بلادنا، وذلك بمعالجة الإفراط في استخدام الأدوية النفسية، خاصّةً بين الأطفال. سندعم استقلالية المريض، ونشترط الموافقة المستنيرة والمشاركة في القرار، ونحوّل معيار الرعاية نحو الوقاية والشفافية ونهجٍ أكثر شموليةً في الصحة النفسية."
السياق: ماذا يعني "الإفراط في الوصف"؟
قبل تقييم هذه الخطوة، من الضروري تحديد المفاهيم بدقّة. يُشير مصطلح الإفراط في وصف الأدوية إلى قيام الأطبّاء بوصف أدوية لمرضى لا يحتاجون إليها فعلاً، سواءٌ بسبب طبيعة أعراضهم أو شدّتها، أو لأنّهم لم يجرّبوا بعد تدخّلاتٍ غير دوائية قد تكون كافية. كما يشمل المفهوم حالات استمرار المريض في تناول دواءٍ لم يعد مفيداً له أو لفترةٍ أطول من اللازم.
أمّا "إيقاف الوصف" (Deprescribing)، فيُعرّفه الدكتور Joseph F. Goldberg، الأستاذ الإكلينيكي للطبّ النفسي في كلية الطبّ Icahn بمركز Mount Sinai في نيويورك، بأنّه "ببساطة يعني أنّه إذا لم يُثبت أيّ علاجٍ فائدته، أو إذا كانت مشكلات التحمّل تفوق الفعالية بشكلٍ ملحوظ، فمن المنطقي إيقاف ذلك العلاج واستبداله ببديلٍ أكثر فعاليةً وملاءمة."
ما الذي تتضمّنه الخطّة الفيدرالية؟
تعتزم وكالات وزارة الصحة والخدمات الإنسانية (HHS) التعاون لـ"تقييم أنماط وصف الأدوية النفسية وفوائدها وأضرارها المحتملة، وتعزيز دور العلاجات غير الدوائية والحلول المستندة إلى الأدلة وقابلة للتوسّع لتحسين الصحة النفسية"، وفق ما أفادت به نشرة رسمية للوزارة. وتشمل هذه العلاجات والحلول: الدعم الأسري، وتغيير النظام الغذائي، والعلاج النفسي، والنشاط البدني.
وأضافت الوزارة أنّ نهجها سيشمل كذلك التثقيف والتوعية، وإجراءاتٍ برامجيةً وسياساتية، وجهوداً لتعزيز قدرة البحث العلمي على التأثير في الممارسة الإكلينيكية.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإعلان يأتي في سياقٍ أشمل، إذ سبقته جهودٌ من المختصّين في الطبّ النفسي لدعم مزيدٍ من البحث والتدريب والتأمّل في متى يكون إيقاف الأدوية مناسباً، من بينها إرشادات الجمعية الأمريكية لعلم الأدوية النفسية الإكلينيكية التي نُشرت في فبراير الماضي.
موقف المختصّين: ترحيبٌ مشروط
أبدى عددٌ من خبراء الطبّ النفسي ترحيباً عاماً بالجهود الفيدرالية الجديدة الرامية إلى تحسين الرعاية النفسية، غير أنّهم أبدوا في الوقت ذاته مخاوف جدّية.
قالت الدكتورة Theresa Miskimen Rivera، رئيسة الجمعية الأمريكية للطبّ النفسي، إنّ الجمعية تدعم خطط الإدارة للاستثمار الإضافي والبحث والتدريب الإكلينيكي. لكنّها أضافت: "بيد أنّ لدينا تحفّظاً على توصيف الصحة النفسية بوصفها مشكلةً أوّليّة للمبالغة في التطبيب. هذا التوصيف يُبسّط بشكلٍ مُفرط مسألةً بالغة التعقيد."
وأكّد الدكتور Jonathan Alpert، رئيس قسم الطبّ النفسي وعلوم السلوك في مركز Montefiore الطبّي بنيويورك، أنّ "الأمر كما في سائر مجالات الطبّ، يستوجب القلق من الإفراط في الوصف ومن التقصير فيه على حدٍّ سواء. ففي بعض الحالات، تُوصف المضادّات الحيوية أو أدوية السكّري بشكلٍ مفرط فتُسبّب آثاراً جانبية غير ضرورية وتكاليف وأضراراً أخرى. وفي حالاتٍ كثيرة أخرى، قد تكون منقذةً للحياة. وكذلك الحال مع الأدوية النفسية كمضادّات الاكتئاب ومضادّات الذهان."
الفجوات القائمة في الرعاية: مشكلةٌ لا تقلّ خطورة
يُثير الخبراء قلقاً جوهرياً: هل يُعالج التركيز على الإفراط في الوصف المشكلةَ الصحيحة، في ظلّ شُحّ الوصول إلى الرعاية النفسية لدى شرائح واسعة من السكّان؟
يُذكّر الدكتور Goldberg الرئيس السابق للجمعية الأمريكية لعلم الأدوية النفسية الإكلينيكية بأنّ "الاكتئاب لا يزال السبب الأوّل للإعاقة في العالم." والأرقام تدعم هذا القلق: في السنوات الأخيرة، لم يتلقَّ سوى نحو 40% من البالغين والمراهقين المصابين بالاكتئاب في الولايات المتحدة إرشاداً أو علاجاً نفسياً، فيما تناول 11.4% فقط من البالغين أدويةً موصوفة للاكتئاب. وأشار Goldberg أيضاً إلى أنّ معدّلات الانتحار في الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 35% بين عامَي 2000 و 2018.
وأكّدت الدكتورة Rivera أنّ الرعاية النفسية بوجهٍ عام "لا تزال موزَّعةً بشكلٍ غير متكافئ"، مضيفةً: "هذا التبسيط المُفرط لواقع صحّتنا النفسية لا يأخذ في الحسبان أموراً كالنقص المزمن في الكوادر البشرية، ومحدودية الأسرّة النفسية، وقِصَر وقت الزيارة، والعقبات أمام العلاج النفسي والدعم الاجتماعي، وضعف دمج الخبرة النفسية في الرعاية الأوّلية."
وفي السياق ذاته، نبّه الدكتور Alpert إلى أنّه في خضمّ التأمّل في قرارات الوصف، لا بدّ من تجنّب وصم المرضى أو تقليص إمكانية الوصول إلى العلاجات لمن يحتاجونها فعلاً. ودعا إلى دعم البحث الذي يُحدّد بدقّة من يستفيد أكثر من الأدوية، وما يُقدّمه من بدائل علاجية مبتكرة لا سيّما أنّ نحو ثلث البالغين الأمريكيين المصابين بالاكتئاب لا يستجيبون للعلاجات التقليدية المعتمدة.
ملاحظةٌ حول مواقف Kennedy السابقة
تجدر الإشارة إلى أنّ الأدوية النفسية، وفي مقدّمتها مضادّات الاكتئاب، كانت إحدى المحاور الرئيسية لحملة Kennedy "جعل أمريكا صحيّةً من جديد" منذ توليه منصبه. وقد ادّعى الوزير أنّ هذه الأدوية تُستخدم بشكلٍ مفرط، وأنّها قد ترتبط بالعنف وحوادث إطلاق النار الجماعي، وبمخاطر جسيمة على الأجنّة حين تتناولها المرأة خلال الحمل، وبأعراض انسحابٍ أشدّ وطأةً من الهيروين، وبأضرارٍ على الأطفال.
غير أنّه تجدر هنا الدقّة في تصنيف الأدلّة: صحيحٌ أنّ بعض الدراسات رصدت مخاطر طفيفة في بعض هذه السياقات، إلّا أنّ إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) صنّفت هذه الأدوية بوجهٍ عام على أنّها آمنةٌ وفعّالة لعلاج الاضطرابات النفسية، بما فيها الاكتئاب، والقلق، واضطرابات الأكل، واضطراب تعاطي المواد، واضطراب الوسواس القهري.
ماذا يعني هذا للمريض؟
في ختام هذا النقاش، تُشدّد الدكتورة Rivera على أهمّية إجراء تقييمٍ إكلينيكي شامل حين يُبدي المرضى أعراض صحّةٍ نفسية، وأن تُوضع خطط الرعاية بالتشاور مع المريض.
وتوجّه تحذيراً صريحاً لكلّ من يُفكّر في التوقّف عن دوائه من تلقاء نفسه: إيقاف الأدوية النفسية دون إشراف طبّي أمرٌ غير آمن وقد تترتّب عليه عواقب وخيمة، كالأعراض الجانبية أو انتكاسة الحالة المرضية. "لا تفعل ذلك دون أن يكون الأطبّاء جزءاً من القرار"، تقول Rivera.
أخبار ذات صلة

إميليا كلارك تكشف عن إصابتها بنزيفين دماغيين في العشرينات من عمرها

تعافي مصابي إيبولا يحمل بشائر أمل في الكونغو الديمقراطية وسط ظهور حالات مشبوهة خارج أفريقيا

حبّة تجريبية تفتح آفاقاً جديدة في علاج سرطان البنكرياس
