التدفّقات السرّية تهدئ أسواق النفط وسط الأزمة
تستمر أسواق النفط في هدوئها رغم الحرب في مضيق هرمز، مع تدفقات سرية تخفف من حدة الأزمة. لكن تراجع المخزونات والطلب الصيني قد يرفع الأسعار قريباً. اكتشف كيف تؤثر هذه العوامل على السوق في خَبَرَيْن.

لا تزال أسواق النفط تُبدي هدوءاً لافتاً رغم مرور ثلاثة أشهر على شلل مضيق هرمز جراء الحرب، في ظاهرةٍ تُحيّر المحلّلين وتطرح تساؤلات جدّية عن مدى دقّة التسعير الحالي.
حركة الناقلات عبر المضيق لا تزال شبه متوقّفة، إذ تُشير تقديرات JPMorgan إلى أنّها لا تتجاوز 15% من مستوياتها قبل اندلاع الحرب مع إيران. ومع ذلك، لم تقفز أسعار العقود الآجلة للنفط إلى المستويات الخطرة التي كان المحلّلون يتخوّفون منها على الأقلّ حتى الآن.
التدفّقات السرّية: نظرية تكسب أرضاً
تتصاعد قناعة بعض الخبراء بأنّ كمّيات كبيرة بشكل مفاجئ من النفط الخام لا تزال تشقّ طريقها عبر الحصار المزدوج المفروض على مضيق هرمز، وهو ما يُسهم في امتصاص الصدمة التاريخية التي يتعرّض لها قطاع الطاقة العالمي. وبحسب ما أفاد خبراء، فإنّ ناقلات تحمل ما يُعرف بـ"التدفّقات السرّية" (clandestine flows) تتحايل على الحصار عبر إيقاف أجهزة تتبّع مواقعها لتفادي الرصد.
وقدّرت JPMorgan أنّ هذه التدفّقات السرّية بلغت نحو 2.1 مليون برميل يومياً خلال الأسبوعين الأخيرين من مايو، وهو ما يمثّل شريحةً صغيرة لكن ذات دلالة من إجمالي 15.6 مليون برميل كانت تعبر المضيق يومياً قبل الحرب.
وكتبت Natasha Kaneva، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في JPMorgan، في مذكّرة موجّهة للعملاء الأسبوع الماضي: "على الرغم من الحصار البحري المستمرّ والتراجع الحادّ في حركة الملاحة التجارية، يبدو أنّ كمّيات مفاجئة من النفط الخام والمنتجات النفطية لا تزال تعبر المضيق."
ناقلات "الأشباح"
أكّد Bob McNally، مؤسّس ورئيس Rapidan Energy Group، أنّه يتّفق مع فرضية أنّ التدفّقات السرّية ربّما أخّرت حدّة الأزمة أو خفّفت منها بعض الشيء.
وقال McNally: "نفترض أنّ حركة هرمز تراوحت بين 0% و10% من مستويات ما قبل الحرب، لكن مع هذا التسرّب قد تكون أعلى قليلاً. هذا لا يكفي البتّة لتفادي عمليات سحب كبيرة وصعودية من المخزونات، لكنّه يُخفّف من حدّة الأزمة."
في المقابل، قدّر Jan Stuart، كبير الاقتصاديين والاستراتيجيين في مجال الطاقة العالمية لدى بنك الاستثمار Piper Sandler، أنّ نحو 2.9 مليون برميل يومياً من النفط الخام خرجت من مضيق هرمز خلال مايو، يشمل ذلك نحو 2.1 مليون برميل على متن ناقلات يبدو أنّها دفعت رسوماً لجهات إيرانية.
أمّا الفارق المتبقّي، أي نحو 900,000 برميل، فيُمثّل عمليات عبور "الأشباح"؛ ناقلات اجتازت الممرّ المائي في الظلام مع إيقاف أجهزة التتبّع.
وقال Stuart : "الأشباح، أو التدفّقات السرّية، تُسهم في الحدّ من الأزمة. لقد جرى احتواء الأزمة بصورة أفضل بكثير ممّا كنت أعتقده ممكناً."
الصين تُقلّص وارداتها
سجّل خام برنت، المعيار الدولي لأسعار النفط، 93 دولاراً للبرميل يوم الجمعة. هذا المستوى يفوق بوضوح سعر ما قبل الحرب البالغ نحو 70 دولاراً، لكنّه يظلّ دون ذروته الأخيرة عند 114 دولاراً.
غير أنّ التدفّقات السرّية ليست العامل الأبرز وراء هذا الهدوء النسبي في السوق.
تُقدّر Piper Sandler أنّ نحو 4.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام غادرت منطقة الخليج عبر مسارات بديلة، في مقدّمتها خطّ الأنابيب الشرق-الغرب الذي يربط حقول النفط السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر.
والأكثر أهمّية من ذلك أنّ الصين خفّضت وارداتها من النفط الخام بشكل ملحوظ، مستعيضةً عن ذلك بالاعتماد على مخزوناتها الضخمة. وقد أسهم تراجع الطلب الصيني وهي من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم في تخفيف حدّة أزمة الإمداد.
وأشارت Kaneva من JPMorgan إلى عوامل إضافية، من بينها خسائر في الطلب أعمق ممّا هو معترَف به، ومخزونات أكبر ممّا هو مُعلَن.
وكتبت: "مجتمعةً، تُساعد هذه التعديلات على تفسير سبب عدم دلالة الأسعار القريبة من 100 دولار على أنّ الاضطراب صغير الحجم. بل إنّها تُشير إلى أنّ السوق وجد طرقاً وإن كانت مكلفة لاستيعابه."
"الأمور ستزداد سوءاً"
يُبدي بعض المخضرمين في قطاع النفط قلقهم من أنّ السوق، وقد استأنس بهذه الحلول المؤقّتة، يُقلّل من تقدير الأثر الفعلي للأزمة.
فقد تراجعت المخزونات التجارية من النفط تراجعاً حادّاً منذ اندلاع الحرب، فيما يتّجه الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي (Strategic Petroleum Reserve) بسرعة نحو أدنى مستوياته منذ مطلع الثمانينيات.
وقال Stuart من Piper Sandler صراحةً: "الأمور ستزداد سوءاً."
ويتوقّع Stuart أن يبلغ متوسّط سعر برنت 130 دولاراً للبرميل خلال يوليو وأغسطس. وإن صحّ هذا التوقّع، فإنّه يعني أنّ أسعار البنزين ستتجاوز 5 دولارات للغالون خلال فصل الصيف، مقارنةً بنحو 4.20 دولار في الوقت الراهن.
ويرى Stuart أنّ الأسعار ستحتاج إلى الارتفاع بوتيرة سريعة لتحفيز المزيد من إطلاق الاحتياطيات الطارئة وتشجيع العالم على تقليص استهلاكه.
وختم بالقول: "ستحتاج إلى إقناع الناس. وهذا أيسر بكثير حين تكون الأسعار مرتفعة.".
أخبار ذات صلة

تضخّم فوق 4% للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات بفعل صدمة أسعار حرب إيران

الاقتصاد الأمريكي يضيف 172 ألف وظيفة فاقت التوقّعات

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار
