كارثة انهيار جليدي تهدد قرى النيبال والصين
زلزال وانهيار جليدي في جبال الهملايا تسبب في سيول مدمرة ابتلعت قرى وطرق في النيبال والتبت. كارثة تكشف مخاطر ذوبان الأنهار الجليدية وتغير المناخ الذي يهدد ملايين السكان. التفاصيل في خَبَرَيْن.

في الساعة 8:37 من صباح يومٍ صيفي، سجّل المسح الجيولوجي الأمريكي زلزالاً بقوّة 4.4 درجةٍ على مقياس ريختر على طول الحدود بين النيبال والصين، شمالَ كاتماندو. في الوقت ذاته تقريباً، انهارت كتلةٌ ضخمة من الجليد والصخور من أحد المنحدرات الجبلية واندفعت نحو نهر Lhende Khola، أحد روافد نهر Bhote Koshi الذي يتدفّق من الصين إلى النيبال عبر أودية عميقة. النتيجة: سيولٌ مدمّرة ابتلعت قرى وطرقاً وجسوراً في النيبال والتبت.
السبب الدقيق لهذه الكارثة لا يزال موضع تحقيق، لكنّ ثمّة معطياتٍ علمية بدأت تتضّح، وأخرى لا تزال في دائرة الغموض.
الأرجح: انهيارٌ أرضي أطلق موجة فيضان
يرى فريقٌ من العلماء الذين درسوا صور الأقمار الاصطناعية أنّ الزلزال المُسجَّل لم يكن على الأرجح ما أشعل فتيل الكارثة، بل إنّ العكس هو الصحيح. قال دانيال شوغار، الجيولوجي في جامعة كاليفورنيا والمشارك في هذا الفريق، إنّ الهزّة المُرصودة "كانت على الأرجح طاقةً زلزالية أطلقها الانهيار الأرضي نفسه"، لا العكس.
ويعتقد الفريق أنّ كتلةً ضخمة من الجليد انفصلت وسقطت في الوادي، وأنّ انهياراً صخرياً مصاحباً أفرز خليطاً سريع الحركة من الجليد والصخور والرواسب. وقد أدّى ذلك كلّه، وفق ما أوضح ساسواتا سانيال من المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال في كاتماندو، إلى "إطلاق موجة اندفاع مفاجئة باتجاه المناطق الأدنى". وأضاف سانيال: "هذه مخاطر متسلسلة"، إذ يمكن لما يجري في القمم الجليدية أن يُحوّل بلداتٍ بعيدة إلى مستنقعاتٍ في غضون ساعات.
والانهيارات الأرضية في هذه المنطقة ليست أحداثاً عشوائية منفصلة عن المناخ؛ فالنيبال تقع في قلب منطقة الهيمالايا التي تشهد ارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة، وتحتضن آلاف الأنهار الجليدية التي تتآكل وتفقد تماسكها مع كلّ موسمٍ دافئ.
محتمل لكن غير مرجّح: انفجار بحيرةٍ جليدية
النيبال من أكثر دول العالم عُرضةً لما يُعرف بـ"انفجار البحيرات الجليدية" (Glacial Lake Outburst Floods)، وهي ظاهرةٌ تحدث حين تتراكم مياه الجليد المذاب في بحيراتٍ ضخمة عند ارتفاعاتٍ عالية، ثمّ تنكسر الحواجز الطبيعية التي تحبسها فجأةً، فتنهمر المياه والحطام على المنحدرات الشديدة الانحدار.
شبّه توم روبنسون، المحاضر الأول في جامعة كانتربري بنيوزيلندا، هذه البحيرات الجليدية بالسدود الاصطناعية قائلاً: "لا يختلف هذا النوع من السدود الجليدية عن السدود المشيّدة. تخيّل سدّ Hoover Dam — وراءه بحيرةٌ هائلة — فإذا أُزيل السدّ فجأةً، فلا بدّ لتلك المياه من مخرج، وستندفع في موجاتٍ عاتية عبر الوادي".
وتشير أبحاث حديثة إلى أنّ معدّلات فقدان الجليد في منطقة هندوكوش الهيمالايا — التي تشمل النيبال — تضاعفت منذ عام 2000، ممّا يُشكّل خطراً داهماً على قرابة 2 مليون شخص يعيشون في المناطق المنخفضة المحيطة بهذه الأنهار.
غير أنّ خبراء عديدين يستبعدون هذا السيناريو في الكارثة الراهنة. قال فولفغانغ شفانغهارت، أستاذ الجيومورفولوجيا في جامعة Freie Universität Berlin الألمانية: "حتى الآن، تُشير صور الأقمار الاصطناعية إلى أنّه لا توجد بحيراتٌ كبيرة في المناطق العليا من مسار الفيضان، ممّا يعني أنّ انفجار بحيرةٍ جليدية يمكن استبعاده". وتجدر الإشارة إلى أنّ فيضاناً مماثلاً ضرب المنطقة ذاتها العام الماضي وكان سببه انفجار بحيرةٍ جليدية في التبت المجاورة.
الأقلّ احتمالاً: الأمطار الغزيرة
لا تبدو الأمطار الموسمية المتهّمَ الرئيسي هذه المرّة. فوفق تحليلٍ للبيانات المستقاة من الأقمار الاصطناعية ومحطّات الرصد الجوي، لم تُسجَّل أمطارٌ غزيرة واسعة النطاق في المنطقة خلال الأسبوع الماضي. صحيحٌ أنّ الصيف هو موسم الأمطار في هذه المنطقة بفعل العواصف الموسمية، وأنّ بعض هذه الأمطار سقطت في الأيام الأخيرة، إلّا أنّ دورها في إشعال هذه الكارثة بالذات يبدو هامشياً. ومع ذلك، فإنّ اجتماع أمطار الموسم مع مياه الثلوج الذائبة يجعل الأنهار أكثر امتلاءً وأسرع استجابةً لأيّ اضطرابٍ إضافي.
ما تكشفه هذه الكارثة في مجملها يتجاوز الحدث الفردي: النيبال ليست مجرّد بقعةٍ جغرافية سيئة الحظ، بل هي نقطة تقاطعٍ لمخاطر مناخية متراكمة — جليدٌ يذوب، وتربةٌ تفقد تماسكها، وأمطارٌ موسمية تزداد حدّةً مع الاحترار العالمي. التمييز بين الحدث الطقسي الفردي والإشارة المناخية الممتدّة ضروريٌّ هنا: ما جرى قد يكون انهياراً أرضياً واحداً، لكنّ تكرار هذه الانهيارات وتصاعد حدّتها هو الإشارة التي تستوجب استجابةً هيكلية، لا مجرّد إغاثةٍ طارئة.
أخبار ذات صلة

إعصار إسايياس المحتمل: سيناريوهات التهديد لساحل الخليج

إعصار نولو يقترب من هاواي وسط تكثيف سريع في المحيط الهادئ المُشبّع بالنينيو

هاواي تستعدّ لفيضاناتٍ مُهدّدة للحياة مع تصعيد النينيو موسم الأعاصير الهادئ
