كارثة الهيمالايا الجليدية ودور التغير المناخي
كارثة انهيار جليدي ضخم في الهيمالايا أودت بحياة آلاف وأظهرت تأثيرات تغيّر المناخ على ذوبان الجليد وتقلص التربة الصقيعية. تحذير من مزيد الكوارث إذا استمر تلوث الوقود الأحفوري خَبَرَيْن

أكثر من 1,300 قتيل، وخمسة آلاف مفقود، وقرى بأكملها ابتلعتها كتلة من الصخر والجليد في لحظة واحدة — هذا ما خلّفه الانهيار الجليدي الصخري الذي ضرب منطقة الحدود النيبالية الصينية في 26 أغسطس 2023، على جبل Langtang Lirung. لكنّ ما كشفه التحليل العلمي الدولي الصادر لاحقاً يتجاوز حجم الكارثة إلى جوهرها: هذه الكارثة لم تكن مجرّد حادثة جيولوجية، بل نتاج تراكمٍ من العوامل التي يُضخّمها تغيّر المناخ الذي صنعه الإنسان.
ما الذي جرى بالضبط؟
الأرقام وحدها تُعطي صورةً عن الهول: كتلة عرضها 2,000 قدم من الصخر والجليد انفصلت عن الجبل وهوت نحو 7,000 قدم إلى النهر في الأسفل. الطاقة المُحرَّرة من هذا الانهيار كانت تعادل زلزالاً بقوة 5.2 درجة. الدمار امتدّ على مسافة 20 ميلاً في اتجاه مجرى النهر، طالت فيه البلدات والطرق والجسور. وصف Walter Immerzeel، عالم الهيدرولوجيا الجبلية في جامعة Utrecht، ما جرى بأنّه "كارثة غير مسبوقة" في تاريخ جبال الهيمالايا من حيث الحجم والسرعة والتعقيد.
لم يكن الانهيار وليد لحظته. ففي أبريل 2015، ضرب زلزالٌ بقوة 7.8 درجة نيبال، ويرجّح العلماء أنّه أضعف منحدرات جبل Langtang Lirung. ثمّ جاء موسم 2022-2023 بثلوجٍ استثنائية في أكتوبر ونوفمبر 2022، قبل أن يسجّل يوليو وأغسطس 2023 أعلى درجات الحرارة محلياً في السجلات التاريخية، ما أدّى إلى تصاعد حاد في ذوبان الجليد وتراكم المياه داخل المنحدر.
التغيّر المناخي: ليس مجرّد خلفية
هنا يصبح التحليل العلمي الصادر عن شبكة World Weather Attribution (WWA) الدولية حاسماً. خطّ الصفر درجة مئوية — أي الارتفاع الذي يبدأ فوقه الجليد الدائم — يرتفع في الهيمالايا بمعدّل أكثر من 320 قدماً كلّ عقد. التربة الصقيعية الدائمة (permafrost) في نيبال تذوب بصورة متسارعة، وهو ما يُفسّره Immerzeel بقوله: "ذوبان التربة الصقيعية يُقلّل من متانة الصخر ويسمح بتسرّب كميات أكبر من المياه إلى داخل المنحدر". وقد تقلّص نهر Langtang-Lirung الجليدي وترقّق بصورة ملحوظة منذ عام 2010، ما يعني أنّ الدعم الجليدي الذي كان يُثبّت المنحدر قد تآكل تدريجياً على مدى سنوات.
الأرقام الحرارية تُضفي على المشهد بُعداً مناخياً لا يمكن تجاهله: درجات الحرارة الإقليمية في يوليو وأغسطس أعلى بـ 1.5 درجة مئوية مقارنةً بما كانت عليه قبل التصنيع، فيما ارتفعت درجات الحرارة السنوية في المنطقة بمقدار 2 درجة مئوية — وهو معدّل يفوق المتوسط العالمي. في المقابل، لم يتمكّن العلماء من إثبات رابط واضح بين الاحترار العالمي وزيادة الثلوج أو الأمطار في المنطقة تحديداً.
وأمام هذه المعطيات، كانت Friederike Otto، أستاذة علوم المناخ في Imperial College London، قاطعةً في تقييمها: "لا شكّ على الإطلاق في أنّ تغيّر المناخ الذي أحدثه الإنسان أدّى دوراً في التهيئة المسبقة لهذه الكارثة".
خارج نطاق التكيّف
ما يُقلق العلماء بالقدر ذاته هو ما لم يحدث: لم يكن ثمّة نظام إنذار مبكر قادر على التنبّؤ بهذا الحدث مع هامش زمني كافٍ للإنقاذ. الكارثة كانت، بكلّ معنى الكلمة، خارج نطاق ما يمكن رصده والتحضير له بالأدوات المتاحة.
وتذهب Otto إلى أبعد من ذلك في توصيف الأزمة البنيوية: "إنّه أحد أنواع الأحداث التي تقع خارج حدود ما يمكننا التكيّف معه بأيّ حال". وهو تشخيصٌ يُعيد طرح السؤال الجوهري: إذا كانت بعض الكوارث قد تجاوزت قدرتنا على التكيّف، فما الذي يتبقّى؟ تُجيب Otto بوضوح: "ما لم يُقلّل العالم بسرعة من تلوّث الوقود الأحفوري، فإنّنا سنشهد حتماً مزيداً من الكوارث بهذا الحجم".
جبال الهيمالايا ليست بعيدة عن المنطقة العربية بقدر ما تبدو على الخريطة؛ فهي تُغذّي أنظمة المياه التي تُحدّد أمن الغذاء والماء لمئات الملايين في آسيا، وما يجري فيها من تحوّلات مناخية يُمثّل نموذجاً مُكثَّفاً لما تواجهه المناطق الجبلية حول العالم. السؤال المفتوح الذي يتركه هذا التحليل ليس عن الكارثة التي وقعت، بل عن تلك التي لم تقع بعد — وعمّا إذا كانت قرارات خفض الانبعاثات اليوم ستُحدّد حجمها غداً.
أخبار ذات صلة

إعصار إسايياس المحتمل: سيناريوهات التهديد لساحل الخليج

إعصار نولو يقترب من هاواي وسط تكثيف سريع في المحيط الهادئ المُشبّع بالنينيو

هاواي تستعدّ لفيضاناتٍ مُهدّدة للحياة مع تصعيد النينيو موسم الأعاصير الهادئ
