كارثة نيبال التي قلبت موازين الاقتصاد والطاقة
في 13 دقيقة اختفت مدينة بأكملها في نيبال بسبب انهيار جليدي هائل تسبب في فيضان مدمر دمر آلاف المباني وأوقف مشاريع الطاقة والتجارة مع الصين. كارثة تهدد اقتصاد نيبال الهش ومستقبلها التنموي تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

في 13 دقيقةً فقط، اختفت مدينةٌ بأكملها. هذا ليس مجازاً أدبياً، بل وصفٌ تقني دقيق لما جرى فجر يوم 26 أغسطس 2026 على ضفاف نهر Trishuli في نيبال، حين انهار جليدٌ قرب الحدود الصينية النيبالية عند الساعة 8:37 صباحاً، فأطلق موجةً مائية ارتفعت 80 متراً فوق مجرى النهر، وابتلعت بلدة Syabru Besi الصغيرة قبل أن يُدرك سكّانها ما يحدث — وهو ما أكّده توقيت تدمير محطّة القياس الهيدرولوجية في البلدة، التي اختفت خلال 13 دقيقةً من لحظة الانهيار التي رصدها مسح الجيولوجيا الأمريكي (US Geological Survey).
الكارثة التي يصفها الاقتصاديون بـ"اختبار الضغط القسري" لاقتصاد نيبال الهشّ، تجاوزت في حجمها كلّ الفيضانات التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة. فعلى امتداد 72 كيلومتراً من ممرّ نهر Trishuli، دمر الفيضان 7,570 مبنى في خمس مقاطعات، وأودى بحياة ما لا يقلّ عن 1,300 شخص، فيما لا يزال الآلاف في عداد المفقودين — بعض جثثهم جرفتها المياه 150 كيلومتراً جنوباً حتى الأراضي الهندية. وقدّر وزير المالية النيبالي تكاليف إعادة الإعمار بما يصل إلى 5 مليارات دولار.
Syabru Besi: مدينةٌ كانت تعِد بمستقبلٍ أفضل
كانت Syabru Besi بلدةً صغيرة تقع على مدخل وادي Langtang، أحد أشهر مسارات التنزّه في نيبال، وكانت تنمو بهدوء مع تدفّق السيّاح. يقول أحد أصحاب الفنادق فيها واصفاً ما كانت عليه: "تغيّرت Syabru الآن، ثمّة مقهى في أعلى الطريق. قهوةٌ أفضل من أيّ شيء ستجده في أرقى زوايا Kathmandu". اليوم، لم يبقَ من ذلك المقهى ولا من كثيرٍ غيره شيء.
وادي Langtang نفسه بات معزولاً تماماً؛ إذ لا يمكن الوصول إلى 450 شخصاً من سكّانه إلّا بالمروحية أو بمسيرةٍ تمتدّ يومين كاملين. وكان فيضانٌ سابق في يوليو 2025 على نهر Lhende قد أودى بحياة تسعة أشخاص على الأقلّ ودمّر جسر Miteri للصداقة، في إشارةٍ مبكّرة إلى أنّ المنطقة تسير نحو حافّة الخطر.
ضربةٌ مزدوجة: الطاقة والتجارة
لا يمكن فهم حجم الكارثة الاقتصادية دون النظر إلى قطاعَين يُشكّلان العمود الفقري للاقتصاد النيبالي: الكهرباء المائية والتجارة مع الصين.
على صعيد الطاقة، دمّر الفيضان أو ألحق أضراراً جسيمة بـ13 محطّةً كهرومائية على نهرَي Bhotekoshi وTrishuli، ما أسفر عن خسارة 12% من الطاقة الكهربائية المُركَّبة في نيبال. وتتراوح الطاقة المُركَّبة الإجمالية للبلاد بين 3,400 و3,900 ميغاواط، وتعتمد في مجملها على الطاقة الكهرومائية. والأشدّ إيلاماً أنّ نيبال كانت في خضمّ مشروع توسّع طموح: أكثر من 4,000 ميغاواط من الطاقة الكهرومائية قيد الإنشاء، مع توقّعات بمضاعفة الطاقة الإجمالية ثلاث مرّات لتبلغ نحو 12,000 ميغاواط بحلول عام 2029. الفيضان لم يضرب فقط ما هو قائم، بل أربك مسار ما هو قادم.
أمّا على صعيد التجارة، فقد غرق جزءٌ من طريق Prithvi السريع عند Krishnabhir، وهو الشريان الرئيسي الذي يربط Kathmandu بباقي البلاد، ممّا قطع الاتصال البرّي في أحرج لحظاته. والأخطر من ذلك أنّ معبر Rasuwagadhi–Kerung الجمركي، الذي يُعدّ أكبر نقاط التبادل التجاري بين نيبال والصين، بات مهدَّداً بشكلٍ مباشر. هذا المعبر وحده يستقبل واردات بقيمة 563 مليون دولار سنوياً، تُمثّل نحو 19% من إجمالي واردات نيبال من الصين. وتجدر الإشارة إلى أنّه حتى قبل فيضان أغسطس 2026، كانت نقاط التجارة الثلاث الرئيسية مع الصين تعاني من خللٍ جزئي بسبب الانهيارات الأرضية والفيضانات المتكرّرة.
الفقر الذي لا يُكمل شفاءه
ما يجعل هذه الكارثة مختلفةً عن مجرّد حادثٍ طبيعي مدمّر هو السياق التاريخي الذي تقع فيه. نيبال دولةٌ نجحت فعلاً في تقليص الفقر: انخفض معدّله من 41.8% عام 1995 إلى نحو 20% عام 2023. لكنّ هذا المسار لم يكن خطّاً مستقيماً. في أواخر التسعينيات، كان معدّل التحسّن يبلغ 1.36 نقطة مئوية سنوياً؛ أمّا في السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة، فتراجع إلى 0.41 نقطة فقط — وهو تراجعٌ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتكرار الكوارث.
زلزال 2015 وحده دفع ما يصل إلى 982,000 شخص إلى ما دون خطّ الفقر. وفيضان Melamchi عام 2021 رفع مؤشّرات الفقر متعدّد الأبعاد في المناطق الأشدّ تضرّراً. بين عامَي 2018 و2024، سجّلت نيبال أكثر من 32,000 حادثة كارثية، بمعدّل 5,400 حادثة سنوياً — رقمٌ يجعل من الكوارث ليس استثناءً بل نمطاً متكرّراً.
يتساءل أحد الاقتصاديين بمرارةٍ واضحة: "إذا كان انهيار جليدي واحد قادراً على محو ممرٍّ يمتدّ 45 ميلاً في 13 دقيقةً، فماذا نبني إذن، وأين؟" السؤال ليس بلاغياً؛ إنّه يطعن في صميم منطق التخطيط الإنمائي في بلدٍ يبني محطّاته الكهرومائية على أنهارٍ تتغذّى من أنهارٍ جليدية آخذة في الذوبان.
مناخٌ يُعيد رسم الخرائط
في 31 أغسطس 2026، أي بعد خمسة أيّام من الكارثة، أصدرت الصين تحذيراً رسمياً من استمرار خطر انهيار الأنهار الجليدية على طول الحدود المشتركة مع نيبال. التحذير يكشف أنّ ما جرى ليس حادثةً معزولة، بل يندرج ضمن نمطٍ مناخي متصاعد تتسارع فيه ظاهرة فيضانات البحيرات الجليدية (Glacial Lake Outburst Floods) في منطقة جبال الهيمالايا مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
ويُلاحَظ أنّ الكارثة وقعت في سياقٍ بالغ الحساسية: نيبال لم تُكمل بعد استيعاب تداعيات الفيضان السابق في يوليو 2025، ومعابرها التجارية مع الصين كانت أصلاً متعثّرة. يقول الاقتصادي ذاته: "لقد اجتزنا زلزال 2015، وسنوات كوفيد، وانتفاضة جيل Z، وبعد كلّ ضربةٍ نهضت هذه البلاد بطريقةٍ ما أقوى ممّا كانت..." — لكنّ الجملة تنتهي معلّقةً، كأنّ الكاتب نفسه يتساءل إن كانت هذه الضربة تختلف عن سابقاتها.
السؤال الذي يواجه Kathmandu الآن ليس فقط كيف تُعيد بناء 7,570 مبنى وتُصلح طريقاً وتُعيد تشغيل 13 محطّةً كهرومائية بتكلفةٍ تبلغ 5 مليارات دولار. السؤال الأعمق هو: هل يمكن بناء اقتصادٍ يعتمد على أنهارٍ جليدية في عالمٍ يسخن بوتيرةٍ لا تتوقّف؟ وإذا كانت الصين قد حذّرت من انهياراتٍ جليدية إضافية على الحدود، فإنّ نيبال تعلم أنّ ساعة العدّ العكسي للكارثة التالية ربّما بدأت فعلاً.
أخبار ذات صلة

إعصار إسايياس المحتمل: سيناريوهات التهديد لساحل الخليج

إعصار نولو يقترب من هاواي وسط تكثيف سريع في المحيط الهادئ المُشبّع بالنينيو

هاواي تستعدّ لفيضاناتٍ مُهدّدة للحياة مع تصعيد النينيو موسم الأعاصير الهادئ
