ناجون من كهف لاوس يروون قصة البقاء العجيبة
في كهف لاوس، عاش خمسة رجال تجربة مرعبة استمرت 11 يوماً تحت الأرض. بعد انتظار طويل وصلاة، تمكنوا من الخروج بمفردهم. قصة نجاتهم تكشف عن الشجاعة والأمل في مواجهة الفقر والمخاطر. اكتشف تفاصيل هذه الرحلة المدهشة على خَبَرَيْن.

في مستشفى Long Tieng، يرقد مي سينغفامالاي الحلاق البالغ من العمر 23 عاماً محموماً، يحدّق في سقف الغرفة البيضاء بعيون لا تزال تحمل أثر الظلام الذي أحاط به أحد عشر يوماً تحت الأرض. حين يتكلّم، يتكلّم بصوت هادئ ومتأمّل، كمن يحاول أن يصدّق هو نفسه أنّه خرج حياً.
ناجون من كهف لاوس: خرجوا وحدهم من تحت الأرض بعد 11 يوماً
في أعماق كهفٍ يقع في تلال مشروع تعدين قرب قرية Long Tieng، في منطقة نائية تبعد ساعاتٍ عن أقرب المدن وتفصلها عن العالم طرقٌ وعرة تجرفها مياه الأمطار، كان خمسة رجال من القرية يبحثون عن الذهب حين داهمتهم الأمطار الغزيرة وسدّت المياه المتراكمة منفذ العودة. لم يكن أيٌّ منهم يعلم أنّه سيمضي أحد عشر يوماً في الظلام قبل أن يرى الضوء مجدّداً.
حين لاحظوا أخيراً أنّ منسوب المياه بدأ يتراجع، جمعوا ما تبقّى لديهم من قوّة وقرّروا المغامرة بالخروج دون أيّ مساعدة فاجئوا فريق الإنقاذ المنتظر فوق الأرض حين ظهروا فجأةً عند مدخل الكهف يوم السبت.
قال مي في مقابلة حصرية أجراها من المستشفى عبر مكالمة مرئية: "كنت خائفاً لأنّنا كنّا هناك وحدنا. مكثنا وقتاً طويلاً، وحين جفّت المياه قرّرنا الزحف للخروج. كان البرد شديداً في الداخل."
260 متراً من الظلام والضيق
اخترق الرجال الأربعة ما مجموعه 260 متراً ما يعادل ارتفاع مبنى من 78 طابقاً عبر ممرّاتٍ ضيّقة وخطرة، بعضها غارقٌ في المياه الباردة بما يستوجب ارتداء بدلات الغطس، وبعضها الآخر ضيّقٌ لدرجة شحّت فيه الأكسجين.
"أحياناً كنّا نغطس، وأحياناً نزحف. كنّا نزحف ببطء. الممرّ كان بالكاد بحجم جسد إنسان." وكان الماء يبلغ متراً على الأقل في بعض أقسام الكهف.
كان الرجال الخمسة قد دخلوا الكهف بحثاً عن الذهب، وهو ما يكشف عن واقعٍ اجتماعي واسع في لاوس: اقتصادٌ تعديني غير رسمي يمتدّ عبر مناطق الأحجار الكلسية والأحواض النهرية النائية، حيث تشحّ سبل الرزق الرسمية وتغيب الرقابة. سبق لمي أن عثر على ذهب في مكانٍ آخر، فقرّر هو وأصدقاؤه تجربة حظّهم في هذا الكهف.
"نحن أهل قرية. نصعد الجبال لنكسب رزقنا. سمعنا أنّ هناك ذهباً فدخلنا نبحث عنه. ثمّ فاض الكهف وعجزنا عن الخروج."
أحد عشر يوماً من الصلاة والانتظار
وصل فريق الإنقاذ إلى المجموعة يوم الأربعاء، أي بعد أسبوعٍ كامل من دخولهم الكهف. في تلك الأيام، كان الرجال يعيشون على الماء فقط، وينامون متعانقين للدفء في غياب أيّ أغطية.
"كنّا ننام متعانقين. أربعةٌ أو خمسة منّا. كان ذلك يساعد كثيراً. لم يكن معنا أيّ غطاء." وكان الخوف يتقاسم المكان مع الأمل: أمل العودة إلى الأهل والأحبّاء.
"كنت دائماً أؤمن بأنّني سأنجو. كان عليّ أن أخرج لأرى أختَيّ وأمّي. حين خطونا للخارج و رأينا الناس يهتفون لنا، شعرت كأنّني وُلدت من جديد. كان الأمر مُربكاً. فجأةً عاد الأمل."
كان عضوٌ خامس في المجموعة قد أُخرج قبل يومٍ واحد بمساعدة فريق متعدّد الجنسيات من خبراء الكهوف المجهّزين بمعدّات الغطس. أمّا الأربعة الآخرون فقد انتظروا حتى تتحسّن الأوضاع ثمّ قرّروا أن لا ينتظروا أكثر.
ناجٍ آخر يُدعى لام، خرج هو الآخر سيراً على قدمَيه، كتب في منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي: "الفقر مرعب. لهذا قاتلنا بهذه الشدّة لنبقى أحياء ونمضي قُدُماً." وقال إنّ الخروج من الكهف كان "كمنحةٍ بحياةٍ ثانية."
بعد خروجه مباشرةً، كان أوّل ما أكله مي هو العصيدة الأرزّية (الكونجي)، وهو طبقٌ آسيوي خفيف مطهوٌّ بالماء. لا يزال حتى الآن قادراً على تناول الأطعمة اللّيّنة فقط. وأشار إلى أنّ اثنَين من رفاقه أُصيبا بآلامٍ والتهاباتٍ في الجانب الأيمن من الجسم، وإن كانت حالتهما تحسّنت بعد تلقّي الدواء.
حين سُئل مي إن كان سيعود يوماً ما إلى الكهف، كان ردّه حاسماً: "أبداً. ستضطرّ لإرسالي إلى الموت إن أردت إجباري على الدخول."
عملية الإنقاذ لم تنتهِ بعد
على بُعد أمتارٍ من مدخل الكهف، لا تزال عائلتان تنتظران. رجلان آخران من القرية، يُعتقد أنّهما دخلا منظومة الكهف قبل مجموعة الخمسة، لا يزالان في عداد المفقودين. لم يلتقِ بهما مي ورفاقه، ويرجّح أنّهما دخلا عبر ممرٍّ مختلف.
طُلب من فريق الغطس الذي يضمّ غوّاصين يحملون خبرةً ثمينة من عملية الإنقاذ الدرامية التي جرت في تايلاند عام 2018 العودة إلى موقع الكهف صباح الأحد للاستعداد لمهمّةٍ محتملة تستهدف التعمّق أكثر في شبكة الكهوف بحثاً عن الرجلَين.
وقد وفّرت خريطةٌ رسمها الناجون معلوماتٍ بالغة الأهمية عن تضاريس الكهف، كشفت عن قاعةٍ إضافية قد يكون الرجلان لجآ إليها.
قال الغوّاص الأسترالي Josh Richards : "بناءً على ما نعرفه، ثمّة جيبٌ هوائي كبير يقع على بُعد 100 متر إضافية تقريباً، عبر ممرٍّ شديد الخطورة." وأضاف أنّ هذا الممرّ "الأضيق والأكثر قسوة" يقع خارج نطاق ما اجتازه الغوّاصون حتى الآن، وهو "المكان الوحيد الذي يمكن أن يكونا فيه."
لم تُؤكَّد خطط الغوّاصين للعودة إلى الكهف بعد، في ظلّ مخاوف جدّية: فالأمطار التي هطلت ليلاً أعادت رفع منسوب المياه داخل الكهف من جديد.
"قد ندفع للأمام... ونرى إن كان بإمكاننا تفتيش النفق المتبقّي،" قال Richards.
عملية الإنقاذ الكبرى التي جُنّدت لها فِرَق غطسٍ من شتّى أنحاء العالم، وضخّاتٌ عملاقة لتصريف المياه، وآلياتٌ ثقيلة لفتح طرق وصول في تضاريس وعرة أثبتت أنّ الوصول إلى هذه القرى النائية في لاوس ليس مسألةً لوجستية فحسب، بل مسألةٌ تعكس هشاشةً بنيوية أعمق: مجتمعاتٌ تخاطر بحياتها في أعماق الجبال لأنّ الخيارات الأخرى ببساطة لا تكفي.
أخبار ذات صلة

الخدمات الطبية الأمريكية في كينيا: لماذا تثير مختبرات الإيبولا غضباً محلياً؟

إيران والأزمة المائية: كيف فاقمت الحرب الجفاف

موزمبيق: مقتل 5 مواطنين في هجمات عنصرية بجنوب أفريقيا
