أزمة وقود الطائرات وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
تداعيات الحرب مع إيران تزعزع سوق النفط العالمي، مما يؤدي إلى شح وقود الطائرات في أوروبا وارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة. اكتشف كيف تؤثر هذه الأزمات على الاقتصاد العالمي والرحلات الجوية عبر خَبَرَيْن.

سوق النفط العالمي منظومةٌ بالغة التعقيد، تضمّ آلاف الأجزاء المترابطة التي تعمل في تناسقٍ تامّ للإبقاء على عجلة الاقتصاد العالمي دائرة. في معظم الأوقات، لا يلحظ أحدٌ هذا التناسق.
حتى تتصدّع المنظومة.
مضى على اندلاع الحرب مع إيران وما خلّفته من اضطرابٍ حادّ في سوق الخام نحو شهرين ونصف، وبدأت التداعيات تظهر في أماكن لم يتوقّعها كثيرون. ومن أبرز المفارقات اللافتة: شحٌّ في وقود الطائرات يعصف بأوروبا، فيما يدفع الأمريكيون ثمنه عند محطّات الوقود.
بين 23 فبراير و 27 أبريل، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بوتيرةٍ أسرع ممّا شهدته تقريباً كلّ دول العالم، باستثناء ميانمار وماليزيا وباكستان والفلبين، وفق تحليلات JPMorgan. احتلّت الولايات المتحدة المرتبة الخامسة، متقدّمةً بفارقٍ ضئيل على كمبوديا. ويدفع الأمريكيون اليوم 4.48 دولار لكلّ غالون من البنزين العادي أي ما يزيد على 50% عن السعر الذي كان سائداً قبل اندلاع الحرب.
خلطةٌ مختلفة
قبل أربعة أسابيع، حذّرت وكالة الطاقة الدولية (IEA) من أنّ مخزون أوروبا من وقود الطائرات لن يكفي إلّا لستّة أسابيع تقريباً. وأشارت إلى أنّه إن لم يُعَد فتح مضيق هرمز، فستضطرّ شركات الطيران إلى تقليص رحلاتها بصورةٍ حادّة وإلغاء كثيرٍ منها.
ولم تنتظر شركات الطيران طويلاً. ألغت Lufthansa 20,000 رحلة، وأوقفت Turkish Airlines رحلاتها إلى 23 مدينة، وبدأت شركات الطيران الأمريكية تسير على المنوال ذاته، إذ خفّضت United 5% من جدولها الصيفي.
وتعويضاً عن شحّ الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط مصدر الجزء الأكبر من وقود الطائرات لأوروبا رفعت مصافي التكرير الأمريكية إنتاجها من هذا الوقود بشكلٍ ملحوظ لبيعه لشركات الطيران العالمية: بزيادةٍ بلغت 26,000 برميل يومياً في الأسبوع الأخير من أبريل مقارنةً بالأسبوع الذي سبقه، وفق ما أفادت به إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA).
المشكلة أنّ الطاقة التكريرية الفائضة في الولايات المتحدة تكاد تكون معدومة. فالمصافي تسجّل مستوياتٍ قياسية في الإنتاج الشهري لم تشهدها منذ عقود. وهذا يعني أنّ زيادة إنتاج منتجٍ ما تستلزم بالضرورة تقليص إنتاج منتجٍ آخر.
والمنتج الذي جرى تقليصه هو البنزين بنحو 53,000 برميل يومياً. وللتعويض عن ذلك، لجأت الولايات المتحدة إلى احتياطياتها من البنزين، فسحبت 6.1 مليون برميل في الأسبوع الأخير من أبريل وحده، ممّا أبقى مستوى المخزون أدنى بنحو 2% من متوسّطه على مدى خمس سنوات.
أمّا الديزل فالوضع أشدّ وطأة، إذ تراجع مخزونه إلى مستوىً أدنى بـ 11% من متوسّطه الخمسي.
وقد أدّى ذلك إلى تفعيل آليات العرض والطلب: ارتفعت أسعار البنزين بالجملة بمقدار 74 سنتاً منذ أن أطلقت وكالة الطاقة الدولية تحذيرها من أزمة وقود الطائرات في منتصف أبريل. وقفزت أسعار التجزئة بدورها بأكثر من 30 سنتاً للغالون خلال الأسبوع الماضي وحده وهي أسرع وتيرة ارتفاع منذ بدء الحرب.
في غضون ذلك، لا يفصل الديزل عن تسجيل مستوىً غير مسبوق سوى 16 سنتاً.
فوارق الخام
يبدأ كلّ شيءٍ بالنفط الخام. ارتفعت أسعار النفط خلال الأسبوعين الماضيين في ظلّ مخاوف المتداولين من أنّ التوصّل إلى حلٍّ تفاوضي لإنهاء الحرب مع إيران لا يزال بعيد المنال.
غير أنّ النفط ليس كتلةً متجانسة. فعلى الرغم من أنّنا نميل إلى التعامل معه باعتباره مادّةً واحدة، فإنّ مناطق العالم المختلفة تُنتج أنواعاً متباينة تبايناً واضحاً من الخام، كلٌّ منها مثاليٌّ لإنتاج مجموعةٍ معيّنة من المشتقّات.
النفط القادم من فنزويلا والشرق الأوسط يتّسم بثقله ولزوجته، ويُعرف بالخام الثقيل الحامض (Heavy Sour Crude). وهو مثاليٌّ لإنتاج الإسفلت ومشتقّاتٍ كالديزل ووقود الطائرات.
{{MEDIA}}
في المقابل، النفط الأمريكي أخفّ وزناً وأقلّ لزوجةً، ويُعرف بالخام الخفيف الحلو (Light Sweet Crude)، وهو الأنسب لإنتاج البنزين.
وإن كان بالإمكان استخلاص وقود الطائرات والديزل من الخام الخفيف الحلو، إلّا أنّ مصافي التكرير الأمريكية صُمِّمت أصلاً لمعالجة النفط الفنزويلي تحديداً، وتكرير الخام الخفيف الحلو يُقلّل من كفاءتها.
والسبب في ذلك أنّ آخر مصفاةٍ تكرير أُنشئت في الولايات المتحدة افتُتحت عام 1977، حين كانت البلاد تستمدّ معظم نفطها من الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ومنذ ثورة التكسير الهيدروليكي (Fracking) التي اجتاحت القطاع خلال العقدين الماضيين، باتت الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للنفط لكنّها لا تزال تستورد نحو ثلث احتياجاتها من الخام.
ومع بقاء الخام الثقيل الحامض الأعلى كفاءةً حبيسَ منطقة الشرق الأوسط، رفع المنتجون الأمريكيون إنتاجهم إلى مستوياتٍ قياسية. وتستطيع مصافي التكرير الأمريكية تشغيل هذا الخام لإنتاج الديزل ووقود الطائرات، لكن بكفاءةٍ أدنى وتكلفةٍ أعلى.
خلاصة القول: يدفع الأمريكيون ثمناً أغلى عند محطّات الوقود جرّاء أزمةٍ تبعد عنهم آلاف الأميال.
أخبار ذات صلة

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران
