خَبَرَيْن logo

صراع السيطرة على مضيق هرمز ومستقبل الطاقة العالمي

الصراع مع إيران حول مضيق هرمز يتحول لمعركة تحكم في أهم ممر عالمي للطاقة. إيران تضغط عبر هجمات مسيّرة بينما دول المنطقة والولايات المتحدة تبني بدائل لتقليل نفوذها. خَبَرَيْن يكشف تفاصيل هذا التحول الاستراتيجي.

سفن تجارية وصيادون في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية وسط توترات الصراع مع إيران.
سفينة في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم في عمان، بتاريخ 16 يوليو. تصوير سترينجر/رويترز

تبدأ الحروب في مكانٍ وتنتهي في مكانٍ آخر في الغالب. وهذا بالضبط ما يجري اليوم مع الصراع الدائر مع إيران، الذي راحت أهدافه تتبدّل وتتشكّل من جديد منذ اندلاعه؛ فمن أحلام تغيير النظام، إلى السعي لتدمير قدراته النووية والعسكرية، وصولاً إلى ما بات يمثّله اليوم: معركةٌ على من يتحكّم في مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي تمرّ عبره نسبةٌ ضخمة من طاقة العالم.

بعد نحو ستة أشهر من الصراع، أثبتت إيران أنّها قادرةٌ على استهداف السفن التجارية العابرة للمضيق، ومستعدّةٌ لذلك ما لم تُدَر الملاحة وفق الشروط التي تمليها طهران. وقد رفضت الولايات المتحدة هذا الواقع رفضاً قاطعاً، وكذلك فعل معظم دول العالم، بما فيها دول الخليج المطلّة على المضيق.

السؤال الاستراتيجي المحوري بات اليوم واضحاً: هل يظلّ مضيق هرمز ممرّاً دولياً مفتوحاً، أم تنجح إيران في انتزاع صلاحية تحديد من يعبره وتحت أيّ شروط؟ فإذا ما أُسقط هذا الملف في يد طهران، فستجني عشرات المليارات من الدولارات سنوياً في شكل رسوم عبور، فضلاً عن قدرتها على التحكّم في تدفّق الطاقة إلى بقية العالم. ستمسك إيران عملياً بيدها مفتاح الاقتصاد العالمي.

على المدى القريب: الأفضلية لإيران

لا تعمد إيران إلى إغلاق المضيق بالقوة المباشرة، بل تُطلق طائراتها المسيّرة وصواريخها الجوّالة على السفن المدنية. وهذا وحده كافٍ لشلّ حركة التجارة، وتقويض افتراضٍ راسخ ظلّ قائماً طويلاً، وهو أنّ مضيق هرمز سيبقى ممرّاً دولياً حتى في أوقات النزاع. فخلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، التي شملت الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، ظلّ هرمز بعيداً عن دائرة التأثر.

لكنّ هذا الافتراض تهاوى اليوم، وبات يُلقي بتحدٍّ هائل على عاتق الولايات المتحدة والعالم.

في السياق ذاته، عملت في البيت الأبيض حين لجأ الحوثيون، بوصفهم ذراعاً إيرانية بالوكالة، إلى صواريخ إيران ومسيّراتها لإغلاق البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب بالأساليب ذاتها. شكّلت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً وشنّت حملةً جوية لتدمير قدرات الحوثيين، غير أنّها لم تستطع وقف كل إطلاق، ولا استعادة ثقة شركات الشحن التجاري بسلامة العبور. ولم يتوقّف الحوثيون عن إطلاق النار إلا بعد أن توصّلوا إلى اتفاقٍ مع واشنطن.

اليوم، تواجه الولايات المتحدة المشكلة ذاتها: مهمّةٌ مُضنية ومكلفة وبالغة الصعوبة، تتمثّل في تعطيل قدرة إيران على شنّ هجمات بمسيّرات وصواريخ جوّالة يمكن إطلاقها من مسافة تتجاوز 1,000 كيلومتر. إنّها مهمّة البحث عن الإبرة في كومة القشّ.

والأمر هنا أشدّ تعقيداً. فمضيق باب المندب يستوعب نحو 10% من حجم الشحن العالمي، ما يكفي لرفع معدلات التضخّم قليلاً. أمّا هرمز فيمرّ عبره 20% من تجارة الطاقة العالمية، وهو ما وصفه الرئيس Donald Trump، قبيل إعلانه اتفاقاً قصير العمر مع إيران، بأنّه كافٍ لإشعال «كارثة اقتصادية».

على المدى البعيد: الأفضلية للولايات المتحدة

تراهن إيران على رفع أسعار الطاقة عالمياً لتضغط على البيت الأبيض كي يتخلّى عن السيطرة على المضيق. بيد أنّ تكتيكاتها، المتمثّلة في استهداف السفن المدنية وشنّ هجمات عبر الخليج، تُفرز ردود فعلٍ طويلة الأمد ستنقلب عليها في نهاية المطاف.

بقعة مضيئة داخل دائرة حمراء على صورة ليلية تظهر هجومًا إيرانيًا بصاروخ أو طائرة مسيرة على سفينة في مضيق هرمز الحيوي لتجارة الطاقة.
Loading image...
تُظهر صور الأقمار الصناعية، التي توفرها ناسا وورلد فيو، ما يبدو أنه ناقلة النفط السعودية إنسيليا مشتعلة بعد تعرضها لهجوم في البحر الأحمر.

تُسرّع حكومات المنطقة وشركات الطاقة فيها خطواتها نحو إنشاء خطوط أنابيب وموانئ وممرّات نقل مصمّمة لتحريك النفط والغاز والبضائع حول هرمز لا عبره. وتدعم الولايات المتحدة هذه المبادرات مباشرةً.

سيظلّ المضيق مهمّاً، لكنّ المنطقة تستثمر للمرة الأولى منذ عقود في مستقبلٍ قد لا يكون فيه هرمز عنصراً لا غنى عنه. تُعاد رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط تحديداً لتقليص نفوذ إيران على هذه النقطة الحيوية.

الخريطة الجديدة

لنتأمّل المشهد عن كثب. قبل الحرب، كان نحو 23 مليون برميل من منتجات الطاقة يعبر مضيق هرمز يومياً. كان المضيق نقطة الاختناق الوحيدة لصادرات العراق والكويت وقطر والبحرين، والمسار الرئيسي لصادرات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

اليوم، تخطّط الحكومات لمستقبلٍ قد يُغلق فيه هرمز بصورة دورية أو يفقد موثوقيّته التجارية. هذا يُغيّر المعادلة برمّتها؛ فبدلاً من نقطة اختناقٍ واحدة لا بديل عنها، تستثمر الدول في منظومة متعدّدة مسالك التصدير، تُقلّص تدريجياً النفوذ الإيراني.

لن تعوّض هذه المشاريع كامل الكميات التي كانت تعبر هرمز قبل الحرب، لكنّها ستُقلّص أهميّته تقليصاً ملموساً. وقد قدّر بنك Goldman Sachs مؤخّراً أنّ مسارات الالتفاف القائمة والجديدة قادرةٌ بحلول نهاية 2028 على استيعاب نحو 60% من النفط الذي كان يُشحن عبر المضيق. وفيما يلي أبرز المشاريع التي انطلقت بفعل الحرب:

  • المملكة العربية السعودية (9 ملايين برميل يومياً): آخر مرّة طعنت فيها إيران في حرية الملاحة في مضيق هرمز كانت قبل أربعة عقود، إبّان حرب الخليج الأولى. حينها قرّرت المملكة ضخّ مليارات الدولارات في خطّ أنابيب «شرق-غرب» يعبر أراضيها من المناطق المنتجة للنفط إلى البحر الأحمر. وخلال الأزمة الراهنة، وفّر هذا الخطّ متنفّساً للأسواق العالمية بنحو 7 ملايين برميل يومياً. وأعلنت المملكة منذ ذلك الحين عن توسعة هذه المنظومة لإضافة مليون إلى مليوني برميل يومياً بحلول نهاية 2029، لترتفع الطاقة الكلية للالتفاف حول هرمز إلى 9 ملايين برميل يومياً.

  • الإمارات العربية المتحدة (3.6 مليون برميل يومياً): تمتلك الإمارات بدورها ميناءً وخطّ أنابيب جنوب هرمز، يُوصل حالياً نحو 1.8 مليون برميل يومياً إلى الأسواق العالمية. وأعلنت الدولة عن برنامج توسعة ضخم يستهدف مضاعفة هذه الطاقة بحلول نهاية 2027، لتبلغ 3.6 مليون برميل يومياً.

  • العراق وسوريا (2-3 ملايين برميل يومياً): الأسبوع الماضي، زار رئيس الوزراء العراقي الجديد البيت الأبيض وأعلن عن عشرات المليارات من الدولارات في استثمارات جديدة من شركات النفط الأمريكية، بالتنسيق مع سوريا، لتأهيل خطوط أنابيب متوقّفة وربطها بخطوط جديدة لتصدير النفط العراقي والكويتي إلى البحر المتوسط. وقال Tom Barrack، مبعوث Trump إلى العراق وسوريا، إنّ هذه المشاريع تهدف إلى جعل هرمز «شأناً هامشياً»، مع آجال إنجازٍ تمتدّ حتى نحو 2030. وهو توصيفٌ قد يكون مبالغاً فيه، لكنّ تحويل مسار الثروة النفطية العراقية الهائلة غرباً بدلاً من جنوباً عبر هرمز سيكون بلا شكّ تحوّلاً جذرياً.

  • العراق وتركيا (مليون برميل يومياً): تشمل المشاريع العراقية تأهيل خطّ الأنابيب القائم المتوقّف في أحيانٍ كثيرة، الممتدّ من كركوك في العراق إلى جيهان على الساحل التركي المتوسطي. وقد عانى هذا الخطّ سنواتٍ من الخلافات السياسية بين أنقرة وبغداد، غير أنّ الطلب العالمي المتصاعد يُعيده اليوم إلى الواجهة بوصفه مساراً تصديرياً ضرورياً ومربحاً.

  • العراق والأردن (1-2.5 مليون برميل يومياً): يُسرّع العراق أيضاً خططه لمدّ خطّ أنابيب نفطي إلى الأردن، يربط البصرة بالحديثة غرب العراق مع فرعٍ يمتدّ إلى ميناء العقبة الأردني للتصدير عبر البحر الأحمر. وعلى الرغم من أنّ هذا المشروع ظلّ حبيس النقاشات طويلاً، أعلنت الحكومتان الأردنية والعراقية في وقتٍ سابق من هذا الشهر عزمهما تسريع تطويره في ضوء الأزمة في مضيق هرمز.

هذه مجرّد البداية، إذ تتشكّل مشاريع أخرى للالتفاف حول هرمز. كما تبحث المملكة العربية السعودية عن مسارٍ شمالي لشحناتها نحو العقبة أو أبعد شمالاً عبر تركيا للتغذية في البحر المتوسط.

سابقةٌ تاريخية

عمال يرتدون خوذات وسترات أمان أثناء تركيب أنبوب نفط ضخم في موقع بناء، يعكس جهود دول الخليج لتطوير بدائل نقل الطاقة حول مضيق هرمز.
Loading image...
يعمل العمال على تركيب جزء من خط أنابيب النفط باكو-تبليسي-جيهان بالقرب من محطة سانغاتشال قرب باكو، في 11 أغسطس 2003. ريزا أوزيل/وكالة فرانس برس/صور غيتي/الأرشيف

ثمّة سابقةٌ تاريخية جديرة بالاستحضار هنا. في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، اقترحت الولايات المتحدة إنشاء خطّ أنابيب طموح يعبر أذربيجان وجورجيا وتركيا إلى البحر المتوسط، عُرف بمشروع باكو-تبليسي-جيهان (BTC). استلزم المشروع مليارات الدولارات من الاستثمار وسنواتٍ من الدبلوماسية الأمريكية المتواصلة عبر إدارات متعاقبة. وفي البداية، رأى كثيرٌ من الخبراء أنّه طموحٌ مفرط، إذ يمتدّ لأكثر من 1,600 كيلومتر، وبالغ التكلفة، ومستحيلٌ سياسياً. لكنّ التاريخ أثبت عكس ذلك.

حين اكتمل عام 2006، أسهم BTC في تقليص الاعتماد على مسارات التصدير الخاضعة للسيطرة الروسية تقليصاً دائماً، وأثبت أنّ البنية التحتية للطاقة قادرةٌ على إعادة رسم خريطة السياسة العالمية بالقدر ذاته الذي تفعله التحالفات العسكرية.

في المقابل، انتهجت أوروبا الخيار الاستراتيجي المعاكس، فظلّت رهينة الاعتماد الثقيل على الطاقة والأنابيب الروسية. ثمّ حوّلت موسكو هذا الاعتماد إلى ورقة ضغط، وهو درسٌ يبدو أنّ دول الخليج اليوم مصمّمةٌ على ألّا تكرّره مع إيران.

التوجّه الاستراتيجي

ستواجه هذه الشبكات الجديدة من الشراكات وخطوط الأنابيب تحدياتٍ وعقبات. قد تستهدف إيران الخطوط الثابتة وتُعرقل أعمال الإنشاء. وقد تعترض المشاريعَ تأخيراتٌ في التنفيذ أو عقباتٌ بيروقراطية أو إشكالياتٌ في التمويل. لكنّها مجتمعةً تكشف عن توجّهٍ استراتيجي يصعب أن ينعكس.

العواصم التي افترضت يوماً أنّ هرمز سيبقى مفتوحاً بصورة موثوقة باتت تخطّط اليوم لاحتمال أن يكون غير ذلك. وقد غدت مسارات التصدير المرنة والمتعدّدة ضرورةً أمنيةً قومية، تحظى بدعم القيادات والصناديق السيادية والمساندة الأمريكية.

الوجهة الجديدة: التنويع والتعدّد

تقوم الاستراتيجية الإيرانية في جوهرها على افتراض أنّ العالم لا يملك بديلاً عملياً لمضيق هرمز. لكنّ إيران قد تكتشف في نهاية المطاف أنّها بتحويل هذا الممرّ إلى سلاحٍ في يدها، أقنعت جيرانها ببناء منطقةٍ لم تعد بحاجةٍ إليها.

وهذا بالضبط هو المآل الذي ينبغي لواشنطن وحلفائها أن يعملوا بنشاطٍ على تحقيقه.

أخبار ذات صلة

Loading...
جنود أمريكيون يحملون تابوت مغطى بعلم الولايات المتحدة في مراسم تأبين، تعبيرًا عن خسائر الحرب وتأثيرها على السياسة الأمريكية تجاه إيران.

ترامب وملفّ إيران: هل تكون هذه الخطوة طريقاً للانفراج؟

تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يهدد استقرار مضيق هرمز ويؤثر على أسعار النفط العالمية. اكتشف كيف يمكن للدبلوماسية أن تفتح بوابة السلام وتجنب أزمة اقتصادية عالمية. تابع التفاصيل الآن!
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوح بيده أثناء سيره في حقل عشبي، في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران وتهديدات بضربات عسكرية ضد إيران.

ترامب: أمريكا ستوجّه "ضربةً قاسيةً" لإيران بعد استهداف قواعدها مجدّداً

تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران مع تهديدات ترامب بشن ضربات موسعة بعد هجمات إيرانية على قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، مما يعيد رسم المشهد العسكري والسياسي في المنطقة. اكتشف تفاصيل التصعيد وآفاق الصراع المستمر الآن.
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتبادلان حديثاً حاداً أمام علم إسرائيل خلال لقاء في البيت الأبيض مرتبط بالتوترات حول إيران.

ترامب يعبّر عن إحباطه من نتنياهو قبل اللقاء بالبيت الأبيض

تصاعد التوتر بين ترامب ونتنياهو قبيل لقائهما في البيت الأبيض وسط خلافات حول الملف الإيراني وبرنامج Pickaxe النووي. اكتشف المزيد عن تفاصيل اللقاء وتأثيره على السياسة الأمريكية الإسرائيلية. اقرأ الآن!
Loading...
رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الأمريكي ترامب في لقاء رسمي بواشنطن لمناقشة الحرب على إيران والملفات الإقليمية.

نتنياهو في البيت الأبيض: ملفّات الضغط والمسارات المقبلة

زيارة نتنياهو إلى واشنطن تضع الحرب على إيران في صدارة النقاشات وسط تصاعد العنف في الضفة الغربية. اكتشف تفاصيل اللقاءات والتوترات السياسية وتأثيرها على المنطقة. تابع المزيد الآن!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية