معاناة الإيرانيين بين ارتفاع الأسعار وانهيار الاقتصاد
في ظل تضخم قياسي وأسعار متصاعدة للغذاء والإيجار والدواء تواجه إيران أزمة معيشية حادة تؤثر على المواطنين وسط قسوة العقوبات وتداعيات الحرب وانقطاع الكهرباء والإنترنت ما يزيد من معاناة الناس. خَبَرَيْن

في كلّ رحلةٍ إلى السوبرماركت، تجد ليلى نفسها أمام مفاجأةٍ لا تسرّ؛ فهذه المتقاعدة التي تقطن في الجزء الغربي من طهران باتت تُقارن الأسعار بما كانت عليه قبل أسابيع أو أشهر قليلة.
تقول ليلى: "تجد نفسك تقارن الأسعار بما كانت عليه قبل أسابيع أو أشهر قليلة فحسب."
وأضافت أنّ علبة آيس كريم وزبادي وحدهما كلّفاها نحو 10 ملايين ريال (ما يزيد قليلاً على 5 دولارات)، وذلك في اليوم ذاته الذي استلمت فيه معاشها التقاعدي الشهري البالغ 180 مليون ريال (94 دولاراً).
وتابعت: "هذا المبلغ جاء بعد زيادةٍ حكومية بلغت 40 بالمئة هذا العام، لكنّه لا يكاد يغطّي الضروريات."
تتشابك في إيران عواملُ متعدّدة تُثقل كاهل المواطنين: اختلالاتٌ هيكلية في الاقتصاد تمتدّ لعقود، وقيودٌ تفرضها السلطات المحلية، فضلاً عن الأضرار المتراكمة جرّاء الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير، بعد أشهرٍ قليلة من نزاعٍ استمرّ 12 يوماً مع إسرائيل. ويواجه الإيرانيون في ظلّ العقوبات المفروضة على بلادهم تحدّياتٍ متصاعدة: تآكلٌ في القدرة الشرائية، وأسعارٌ لا تُطاق للغذاء والإيجار والدواء، إلى جانب فقدان الوظائف وانقطاع الإنترنت وتقطّع الكهرباء واضطرابات القطاع المصرفي وتدمير البنية التحتية.
يقول مسعود، شابٌّ يقطن في العاصمة، إنّه أجرى مفاوضاتٍ مطوّلة مع مالك شقّته قبل أن يقبل الأخير بزيادةٍ في الإيجار تقلّ قليلاً عن 50 بالمئة هذا العام. وأوضح لـ Al Jazeera: "الزيادة باهظة، لكنّ البديل إمّا دفع أكثر لشقّةٍ مماثلة في الحيّ ذاته، أو الانتقال إلى جنوب المدينة، ناهيك عن تكاليف الانتقال"، مُشيراً إلى أنّه يتوقّع أن يكون العام المقبل أشدّ وطأةً.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ الحكومة أصدرت مرسوماً يُحدّد سقف الزيادة في إيجارات طهران بـ27 بالمئة، و25 بالمئة في سائر المحافظات. غير أنّ هذه الأرقام باتت في الواقع تُشكّل الحدّ الأدنى لا الأقصى، فيما يضطرّ المستأجرون الرافضون لذلك إلى الإفضاء بشكاواهم إلى مجالس تسوية النزاعات التي تعاني من فوضى إدارية.
وتتكرّر الصورة ذاتها في قطاعاتٍ أخرى، إذ يبدو الدعم الحكومي إمّا غائباً أو شحيحاً في ظلّ ضائقةٍ مالية حادّة. فالحكومة تمنح مواطنيها دعماً نقدياً شهرياً وقسائم إلكترونية لشراء المواد الغذائية، لكنّ قيمتها لا تتجاوز بضعة دولارات. وقد رصدت وسائل الإعلام المحلية، نقلاً عن مستخدمين، رفضَ بعض المتاجر قبول هذه القسائم بسبب تأخّر الحكومة في تعويضها عنها.
وعلى صعيد الأرقام الاقتصادية، بلغ معدّل التضخّم الشهر الماضي نحو 90 بالمئة، فيما قفز تضخّم المواد الغذائية إلى 134 بالمئة مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، مع توقّعاتٍ بأن تكون أرقام الشهر المقبل أسوأ. وسجّلت العملة الإيرانية هذا الأسبوع مستوىً قياسياً منخفضاً جديداً، إذ تحوم حول 1.9 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي. كما رفعت الحكومة بموجب مرسومٍ رسمي أسعار جميع أنواع الخبز في طهران بما يقارب الضعف الشهر الماضي، فيما أشارت وسائل الإعلام المحلية إلى احتمال ارتفاع أسعار الوقود مجدّداً في المرحلة القريبة.
ويرى الخبراء أنّ قروض الأعمال تسير بوتيرةٍ بطيئة وبمبالغ غير كافية، وأنّ الأفراد والشركات لم يحصلوا إلّا على قدرٍ ضئيل من تسوية المتأخّرات رغم الاضطرابات المصرفية الناجمة عن هجماتٍ إلكترونية واسعة الشهر الماضي. كذلك يُشير الخبراء إلى أنّ منظومة تأمين البطالة، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في طلبات الاستفادة منها هذا العام، لا تشمل غالبية العمّال في القطاع غير الرسمي والاقتصاد الرقمي.
وتكابد إيران تداعيات متراكمة؛ فبعد احتجاجاتٍ واسعة اندلعت في يناير وأسفرت عن سقوط قتلى، خاضت البلاد حربَين في أقلّ من عام. وفي كلتا المحطّتَين خلال قمع الاحتجاجات وفي الحرب الجارية لجأت الجمهورية الإسلامية إلى قطع الإنترنت العالمي كلّياً، وامتدّ الانقطاع الثاني ثلاثة أشهر ليُسجَّل بوصفه الأطول في تاريخ أيّ دولة. وقد استُعيد بعض الاتصال في أواخر مايو، لكنّ بيئة الإنترنت في إيران لا تزال من الأبطأ والأكثر تقييداً على مستوى العالم.
وقد كشفت الحرب عن عمق المشكلات الهيكلية في الاقتصاد الإيراني المُثقَل أصلاً بسنواتٍ من العقوبات الغربية وسوء الإدارة المحلية. فقد استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحربَين منشآتٍ مدنية بصورةٍ ممنهجة، شملت الموانئ والمطارات والجسور والطرق، إضافةً إلى منشآت النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية وعمالقة الصلب ومحطّات الكهرباء ومرافق المياه. وتُقدَّر الأضرار بمئات المليارات من الدولارات، في حين لا تزال الضربات المكثّفة والحصار البحري المفروض على الموانئ الجنوبية الإيرانية مستمرَّين.
وعزت السلطات الإيرانية موجات انقطاع الكهرباء المتكرّرة التي تطال المواطنين والمنشآت في ظلّ درجات حرارةٍ تتجاوز 40 درجة مئوية في بعض المناطق إلى عمليات القصف. وقد أفضت هذه الانقطاعات إلى شحّ في المياه بمحافظاتٍ عدة، من بينها تلك التي تتعرّض للقصف الأمريكي في الجنوب، إذ توقّفت مضخّات المياه عن العمل.
ورغم هذا الثقل المتراكم، يحرص كثيرٌ من الإيرانيين على الإبقاء على إيقاع حياتهم اليومية؛ يخرجون إلى الشوارع ويستمتعون بالموسيقى الحيّة حيثما أُتيح لها الفضاء. بيد أنّ قرار السلطات هذا الأسبوع بإغلاق عددٍ كبير من المقاهي والمحلّات التجارية في وسط طهران التي كانت تستقبل يومياً آلاف الأشخاص بحثاً عن فضاءٍ للتواصل الاجتماعي أضاف عائقاً جديداً في وجه من يحاولون التمسّك بشيءٍ من الحياة الطبيعية.
وفي شارعَي صنايي وإيرانشهر اللذَين يتميّزان بطابعهما الثقافي، أُبلغ أصحاب المقاهي بإغلاق محلّاتهم لأسبابٍ متعدّدة، من عدم الالتزام بـ"المعايير الإسلامية" المتعلّقة بالحجاب إلى اتّهامات بإعاقة حركة المشاة. وهذه ليست المرّة الأولى؛ إذ تتكرّر موجات الإغلاق هذه بصورةٍ دوريّة.
وعبّر شابٌّ شهد إغلاق أحد المقاهي عن مرارته قائلاً: "أيّ أثرٍ للحيوية والحياة يُقتلع من جذوره. كم سنةً من الشباب والعمر تبقّت لنا ننتظر فيها أن تصبح هذه البلاد مكاناً طبيعياً للعيش؟"
وعلى الصعيد الآخر، انهار Adel Ferdosipour، أبرز المعلّقين الرياضيين في إيران، باكياً مساء الاثنين، بعد أن أقدمت السلطات على حذف موقع برنامجه الشهير Football 360 وتطبيقه، وذلك إثر انتقاده لأداء المنتخب الوطني ومدرّبه في كأس العالم. وفي نسخةٍ من البرنامج نشرها على منصّات التواصل الاجتماعي، توجّه إلى المسؤولين قائلاً: "لماذا لا تتركون الناس يعملون في هذا البلد؟ كيف يكون هذا ممكناً؟"
وأضاف في المقطع الذي انتشر بسرعةٍ واسعة يوم الثلاثاء: "سقفكم منخفضٌ جداً لدرجة أنّكم لا تتحمّلون شيئاً. تملكون كلّ وسائل الإعلام والموارد، لكنّكم صغارٌ جداً لدرجة أنّكم لا تتحمّلون حتى موقعاً إلكترونياً وتطبيقاً."
أخبار ذات صلة

ترامب وملفّ إيران: هل تكون هذه الخطوة طريقاً للانفراج؟

ترامب: أمريكا ستوجّه "ضربةً قاسيةً" لإيران بعد استهداف قواعدها مجدّداً

ترامب يعبّر عن إحباطه من نتنياهو قبل اللقاء بالبيت الأبيض
