حرائق إندونيسيا تلتهم الغابات وتهدد الملايين
حرائق ضخمة تلتهم أراضي الخث في إندونيسيا مع انبعاثات كربون هائلة تؤثر على صحة الملايين وتغطي جنوب شرق آسيا بالدخان. هل تكفي جهود الإطفاء لمواجهة كارثة بيئية وصحية متصاعدة؟ اكتشف التفاصيل مع خَبَرَيْن.

منذ أسابيع طويلة، تلتهم النيران جزر سومطرة وبورنيو الإندونيسية، وتتصاعد سحب الدخان الكثيف لتغطّي آلاف الكيلومترات المربّعة فوق جنوب شرق آسيا. ليست هذه مجرّد حرائق موسمية اعتيادية — فالأرقام تشير إلى أنّ موسم 2026 يسير بخطى متسارعة نحو مستويات الكارثة التي شهدها العالم عام 2015.
أرقام تُنذر بالأسوأ
بحلول سبتمبر 2026، احترق ما يزيد على 200,000 هكتار من الأراضي الإندونيسية، وكشف رصد الأقمار الاصطناعية الإندونيسية عن أكثر من 23,000 بؤرة نار خلال الأشهر الثمانية الماضية. والأشدّ دلالةً أنّ انبعاثات الحرائق في أغسطس 2026 كانت الأعلى المُسجَّلة في هذا الشهر منذ 24 عاماً، وفق بيانات خدمة Copernicus الأوروبية لرصد الغلاف الجوي.
بين 27 أغسطس و 7 سبتمبر 2026 وحدها، أطلقت الحرائق ما يقارب 49 مليون طنّ من الكربون في الغلاف الجوي — رقمٌ يعادل الانبعاثات السنوية لدول بأكملها. وتقول نيسا نوفيتا، الباحثة في مجال الأراضي الخثية لدى منظّمة YKAN الإندونيسية للحفاظ على الطبيعة: "حجم موسم حرائق 2026 يشبه كثيراً ما شهدناه عام 2015".
المقارنة مع 2015 ليست مجرّد تحذير بلاغي. في ذلك العام، التهمت النيران 2.6 مليون هكتار، وكلّفت الاقتصاد الإندونيسي ما يصل إلى 28 مليار دولار، وتسبّبت في 100,000 حالة وفاة مبكّرة. والموسم الحالي لم ينتهِ بعد — إذ يُتوقَّع أن تستمرّ الحرائق حتى أكتوبر ونوفمبر المقبلَين.
لماذا تحترق الأراضي الخثية بهذه الشراسة؟
تكمن المشكلة الجوهرية في طبيعة التربة التي تحترق. تحتضن إندونيسيا ما يقارب 40% من إجمالي الأراضي الخثية الاستوائية في العالم — وهي أراضٍ تراكمت فيها مواد عضوية على مدى آلاف السنين، وتختزن كميّات هائلة من الكربون في طبقاتها العميقة. تقول نوفيتا: "هذه النظم البيئية تخزّن في جوهرها كربوناً قديماً تحت أقدامنا".
المشكلة أنّ هذه الأراضي فقدت حمايتها الطبيعية. فبحسب بلجيس حبيبة، الناشطة في مجال الغابات لدى Greenpeace Indonesia: "بتصريف المياه منها، تتركها الشركات — بعد أن كانت مقاومةً للحريق — كقنبلة كربونية موقوتة". وهو ما يفسّر سلوك هذه الحرائق الغريب: فهي لا تحترق على السطح فحسب، بل تتوغّل في باطن الأرض وتستمرّ لأسابيع، وقد تعود إلى الاشتعال بعد أن يُظنّ أنّها أُخمدت. يوضح الأستاذ دومينيك سبراكلن من جامعة Leeds: "حرائق الخثّ يمكن أن تستمرّ لأسابيع أو أطول، وقد تشتعل من جديد إذا ظلّت الأحوال جافّة".
يُضاف إلى ذلك عامل El Niño الذي يُفاقم الأوضاع بصورة ملموسة. يشرح هيري بورنومو، مدير برنامج إندونيسيا في المركز الدولي لأبحاث الغابات: "El Niño لا يُنشئ كلّ حريق بالضرورة، لكنّه يُكثّف الحرائق القائمة ويُتيح انتشارها بسهولة أكبر". وفي السياق ذاته، يُحذّر بورنومو من حلقة مفرغة: "الانبعاثات تُفاقم الاحترار العالمي وتغيّر المناخ، وهذا بدوره يرفع وتيرة الجفاف وظروف الحرائق وشدّتها".
صحّة الملايين على المحكّ
الأثر الإنساني لا يقلّ خطورةً عن البيئي. سجّلت وزارة الصحة الإندونيسية أكثر من 50,000 إصابة بالجهاز التنفسي مرتبطة بالحرائق، فيما أفادت ماليزيا بارتفاع حالات الربو بنسبة 259% جرّاء الدخان المتصاعد. وامتدّت التداعيات لتشمل إغلاق مدارس، وتأخير رحلات جوية، وإغلاق متنزّهات طبيعية في إندونيسيا والدول المجاورة كالفلبين وسنغافورة.
يُلخّص مارك بارينغتون، كبير العلماء في Copernicus Atmosphere Monitoring Service، الأمر بوضوح: "هذه الحرائق تُثبت أنّ حرائق الغابات ليست تحدّياً محلّياً — فآثارها يمكن أن تمتدّ لمئات الأميال من مصدرها".
في مواجهة هذا الوضع، نشرت إندونيسيا أكثر من 50 طائرة لعمليات البذر السحابي وإلقاء المياه. ويُقرّ بورنومو بأنّ "إندونيسيا استخلصت دروساً مهمّة وعزّزت إجراءات الوقاية والرصد والاستجابة"، غير أنّ الأستاذ غيّرمو رين، أستاذ علم الحرائق في Imperial College London، يضع الأمر في منظوره الحقيقي: "الموسم المطير قد يكون السبيل الوحيد لإيقافها".
إندونيسيا دولة تضمّ أكثر من 17,000 جزيرة، وتحمل على أراضيها ثروةً بيئية لا تُعوَّض. غير أنّ الأرقام الصادرة عن الأقمار الاصطناعية ومراكز الأبحاث تطرح سؤالاً لا يمكن تأجيله: هل يكفي تعزيز الاستجابة الميدانية في مواجهة نظام مناخي آخذ في التطرّف، أم أنّ الحلّ الجذري يبدأ من وقف استنزاف الأراضي الخثية قبل أن تتحوّل كلّها إلى وقود جاهز للاشتعال؟
أخبار ذات صلة

إعصار إسايياس المحتمل: سيناريوهات التهديد لساحل الخليج

إعصار نولو يقترب من هاواي وسط تكثيف سريع في المحيط الهادئ المُشبّع بالنينيو

هاواي تستعدّ لفيضاناتٍ مُهدّدة للحياة مع تصعيد النينيو موسم الأعاصير الهادئ
