خَبَرَيْن logo

الميكروبيوم ثورة جديدة في علاج السرطان

اكتشف كيف يمكن أن يغير الميكروبيوم مستقبل علاج السرطان! من زراعة الخلايا إلى التجارب السريرية للبروبيوتيك، يتناول المقال أحدث الأبحاث التي تربط بين صحة الأمعاء وفعالية العلاج المناعي. تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

دكتور في معطف أبيض يقف مبتسمًا في مركز City of Hope، مع سماعة طبية حول عنقه، يعكس التقدم في أبحاث علاج السرطان.
يقول الدكتور سومانتا بال إنه أصبح مهتمًا بإمكانات الميكروبيوم بعد أن تعلم كيف لاحظ مشغلو الدواجن وجود علاقة بين بكتيريا الأمعاء وصحة حيواناتهم.
عالم أبحاث يرتدي معطف مختبر، يركز على شاشة حاسوب تعرض صوراً دقيقة، في مختبر طبي مخصص لدراسات الميكروبيوم وعلاج السرطان.
يقول الدكتور مارسيل فان دن برينك إنه وزملاءه أدركوا أن بعض العلاجات العدوانية للسرطان كانت "تسبب الكثير من الأضرار الجانبية".
وزير الصحة الأمريكي Robert F. Kennedy Jr. يتحدث في مركز City of Hope للسرطان، محاطًا بباحثين، خلال ندوة حول الميكروبيوم وعلاجات السرطان.
قام وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي روبرت ف. كينيدي جونيور، على اليسار، بجولة في مختبر الميكروبيوم في مدينة الأمل برفقة الدكتور مارسيل فان دن برينك والدكتور روبرت جينك، على اليمين، في الثالث عشر من مايو في دورتي، كاليفورنيا.
كبسولات بروبيوتيك باللون البني في راحة يد، تمثل خطوة جديدة في أبحاث علاج السرطان وتعزيز المناعة.
على مدار العقد الماضي، تم استخدام زراعة ميكروبات البراز - غالبًا في شكل حبوب - بشكل متزايد لعلاج الالتهابات الشديدة والمهددة للحياة في القولون.
عالمة في مختبر City of Hope، ترتدي معطفًا أبيض وتبتسم أمام ميكروسكوب، تعكس الأبحاث حول الميكروبيوم وتأثيره على علاج السرطان.
تطلق الدكتورة جيني باريديس تجربة ستتابع ما يتناوله مرضى زراعة خلايا الدم خلال فترة يكونون فيها معرضين بشكل كبير للمضاعفات.
مجموعة من النساء يجتمعن في مناسبة اجتماعية، مع التركيز على امرأة ذات شعر قصير ومظهر صحي، تعكس روح الدعم والتضامن.
تقول كيمبرلي شيبمان، في المنتصف، إن خيارات التغذية في مدينة الأمل كانت "جيدة جداً جداً".
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان الدكتور Marcel van den Brink يشقّ طريقه في تخصّص السرطانات الدموية كاللوكيميا، حين وجد نفسه أمام واحدة من أكثر العمليات الطبية دقّةً وتعقيداً: إعادة بناء جهاز المناعة من الصفر. في هذا الإجراء المعروف بزراعة الخلايا المكوّنة للدم من متبرّع (Allogenic Hematopoietic Cell Transplant) يُقضى على جهاز المناعة الأصلي للمريض بجرعاتٍ قاسية من العلاج الكيميائي، تمهيداً لزرع خلايا المتبرّع مكانه. وفي المرحلة الفاصلة بين إزالة المناعة القديمة وترسّخ الجديدة، يغدو المريض في غاية الهشاشة.

كان المرضى يُعزلون في غرفٍ ذات تهوية مضبوطة بعناية، يقضون فيها أشهراً متواصلة. "كانت الممرضات وأفراد العائلة يتعاملون مع المرضى عبر قفّازاتٍ مثبّتة في جدارٍ بلاستيكي"، يتذكّر van den Brink. وللحفاظ على بيئةٍ خالية من الجراثيم، كان المرضى يتلقّون جرعاتٍ عالية من المضادّات الحيوية واسعة الطيف. ورغم كلّ هذه الاحتياطات، كان نحو ربع المرضى يلقون حتفهم في تلك الحقبة جرّاء الالتهابات والمضاعفات، من بينها مرض الطعم ضدّ العائل (Graft-versus-Host Disease)، حين تهاجم الخلايا المناعية المزروعة أنسجة الجسم المضيف.

يقول van den Brink إنّه وزملاءه أدركوا أنّ جزءاً من هذه الخسائر كان من صنع أيديهم: "كنّا نُحدث ضرراً جانبياً هائلاً بعلاجنا العدواني". وكان هذا الإدراك بذرةً أطلقت حقلاً بحثياً جديداً: العلاقة بين ميكروبات الأمعاء وجهاز المناعة.

الميكروبيوم في مواجهة السرطان

اكتسب هذا الحقل زخماً بارزاً مؤخّراً، حين توجّه وزير الصحة الأمريكي Robert F. Kennedy Jr. إلى كاليفورنيا للمشاركة في ندوةٍ بحثية في مركز City of Hope للسرطان في مدينة Duarte حيث تولّى van den Brink رئاسة المركز عام 2023. وفي كلمته أمام الحضور، وصف مدير المعاهد الوطنية للصحة الدكتور Jay Bhattacharya النتائج البحثية الأخيرة بأنّها "مذهلة للعقل". وحمل المؤتمر عنواناً طموحاً، إذ وصف الميكروبيوم بأنّه "الحدود المقبلة في الوقاية من السرطان وعلاجه".

والواقع أنّ المجتمع الأمريكي لعلم الأورام السريري نشر مؤخّراً قائمةً تضمّ ما يقارب 100 دراسةٍ جارية أو حديثة تختبر طرقاً مختلفة للتأثير في الميكروبيوم المعوي بهدف تحسين نتائج علاج السرطان.

يبدو الميكروبيوم بالغ الأهمية تحديداً في سياق العلاج المناعي (Immunotherapy)، الذي يعتمد على أدويةٍ تُحرّك جهاز مناعة الجسم ليهاجم الخلايا السرطانية بصورةٍ أكثر فاعلية.

أوّل تجربة سريرية موسّعة للبروبيوتيك

في الأيام القادمة، سيصبح مريضٌ بسرطان الكلى في مركز University Hospitals Seidman Cancer Center في Cleveland أوّل مشاركٍ في أوّل تجربةٍ سريرية موسّعة (Late-Phase Trial) تختبر البروبيوتيك بوصفه وسيلةً لتعزيز فاعلية علاج السرطان. تختبر هذه الدراسة متعدّدة المراكز بكتيريا CBM588، وهي سلالةٌ من Clostridium butyricum تُباع بوصفها مكمّلاً غذائياً شائعاً في اليابان دون وصفةٍ طبية لمعالجة الاضطرابات الهضمية.

على مدى السنوات القادمة، سيتناول قرابة 700 شخصٍ مصابٍ بسرطان الخلايا الكلوية المتقدّم (Advanced Renal Cell Carcinoma) كبسولاتٍ من CBM588 إلى جانب علاجهم المناعي المعتاد. والدكتور Pedro Barata، أحد المحقّقين الرئيسيين الثلاثة في الدراسة، لا يُخفي طموحه حين يقول: "نأمل في تغيير المعيار العلاجي المعتمد".

تموّل هذه الدراسة المعهدُ الوطني للسرطان، وتأتي في أعقاب عددٍ من الدراسات الصغيرة على سرطاني الكلى والرئة، من بينها دراسةٌ أجرتها City of Hope في لوس أنجلوس أظهرت أنّ CBM588 حسّنت النتائج لدى مرضى سرطان الخلايا الكلوية الذين تلقّوا علاجاً مناعياً.

الإلهام من الدواجن

يقول الدكتور Sumanta Pal، الذي قاد بحوث City of Hope وهو محقّقٌ مشارك في التجربة الجديدة، إنّ اهتمامه بالميكروبيوم انطلق منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، حين بدأ حواراً مع الدكتور Paul Frankel، المتخصّص في الإحصاء الحيوي في City of Hope، الذي أطلعه على ما لاحظه منتجو الدواجن والثروة الحيوانية من ارتباطٍ وثيق بين بكتيريا الأمعاء وصحّة الحيوانات.

يشرح Frankel: "إذا كانت دجاجاتهم في حالةٍ صحية جيّدة، فإنّهم يُقلّلون من تنظيف الفرشة عند إدخال دجاجٍ جديد". بل إنّ كثيراً من الحيوانات تُعطى البروبيوتيك (Prebiotics) للحفاظ على ازدهار ميكروبيوتها. فالخنازير مثلاً تُغذَّى بالإينولين (Inulin)، وهو منتجٌ ليفي يعمل بريبيوتيكاً لتعزيز نموّ بكتيريا Bifidobacteria. "كانوا يعرفون تماماً ما يفعلون".

لا تنشر عمليات الزراعة التجارية أبحاثاً عن هذه الممارسات في الغالب، غير أنّ التوسّع في استخدام البروبيوتيك والبريبيوتيك تزامن مع لوائح فيدرالية جديدة تهدف إلى تقييد الاستخدام غير المقيّد للمضادّات الحيوية في تربية الماشية، بهدف الحدّ من مقاومة الأدوية.

وقد طوّر باحثو السرطان تقديراً مماثلاً للدور الكبير الذي تؤدّيه المضادّات الحيوية في تشكيل البكتيريا المقيمة داخلنا. يقول Pal: "بات الناس أكثر اهتماماً بالاستخدام الرشيد للمضادّات الحيوية. لن نثنّي أحداً عن استخدامها حين تكون ضرورية، لكنّنا نتعامل معها بتحفّظٍ أكبر، وقد أصبح الأطباء يتساءلون: هل هذا فعلاً ما يحتاجه مريضي في هذه الحالة بالذات؟"

وتؤكّد الدكتورة Arielle Elkrief، المديرة المشاركة لمركز CHUM للميكروبيوم في معهد Montreal للسرطان، أهمية الالتزام بمبدأ "أوّلاً لا تُلحق الأذى"، مدفوعةً ليس فقط بمخاوف مقاومة الأدوية، بل بـدراساتٍ تُظهر أنّ الاستخدام المفرط للمضادّات الحيوية يرتبط بشكلٍ مستقلّ بنتائج أسوأ.

في مركز CHUM، لا تُصرف المضادّات الحيوية إلّا عند تأكيد وجود عدوى بكتيرية، وتُخصَّص لنوع العدوى المحدّد بدلاً من اللجوء إلى المضادّات واسعة الطيف التي تُبيد الأنواع النافعة أيضاً. وبعد حملةٍ تثقيفية مكثّفة انطلقت عام 2019، انخفضت نسبة مرضى سرطان الرئة الذين يتلقّون مضاداتٍ حيوية في الـ30 يوماً السابقة لبدء العلاج المناعي من 20% إلى 5% فحسب.

وتبنّت مراكز سرطانٍ رائدة عديدة نهجاً مماثلاً في الحذر، من بينها City of Hope. يقول van den Brink: "ما وجدناه في الفأر والإنسان على حدٍّ سواء هو أنّك كلّما أقللت من الضرر الذي تُلحقه بالبكتيريا النافعة، كانت النتائج أفضل".

وفي مجاله المتعلّق بزراعة نخاع العظم، حلّل van den Brink وزملاؤه عيّناتٍ برازية من أكثر من 1,300 شخصٍ تلقّوا زراعة خلايا من متبرّعين، ونُشرت النتائج في مجلة New England Journal of Medicine. وجدوا أنّ خلل الميكروبيوم (Dysbiosis) وهو اختلالٌ في التوازن يتراجع فيه عدد الأنواع النافعة ارتبط ارتباطاً مباشراً بخطر الوفاة. كما يرتبط هذا الخلل بانخفاض معدّلات البقاء لدى مرضى زراعة الخلايا الذاتية.

الأسباب الكامنة وراء هذه النتائج معقّدة ولا تزال قيد الدراسة. تقول Elkrief: "ثمّة أسئلةٌ كثيرة لم تُجَب بعد". ففي بعض الحالات، يُفسح غياب البكتيريا النافعة المجال للأنواع الضارة لتتكاثر دون رادع. والأمعاء الصحية تحتوي على بضع مئاتٍ من السلالات البكتيرية، في حين وثّق van den Brink حالاتٍ متطرّفة اختفى فيها كلّ شيءٍ تقريباً ولم يبقَ سوى نوعٍ واحد.

يصف van den Brink هذا المشهد بقوله: "مثيرٌ للدهشة حقاً. أن تنتقل من غابةٍ استوائية خصبة تضمّ 300 أو 400 نوعٍ من البكتيريا في نظامٍ بيئي دقيق، إلى كائنٍ واحدٍ فقط الأمر لا يُصدَّق!"

وتربط أبحاثٌ أخرى خلل الميكروبيوم بالالتهاب، ممّا قد يُفضي إلى إسهالٍ ومشكلاتٍ أخرى، بما فيها تسرّب بكتيريا خطرة من الأمعاء إلى مجرى الدم وسائر أعضاء الجسم.

الغذاء والمناعة

يُشكّل دور الغذاء محوراً بحثياً بالغ الأهمية. ففي عام 2021، نشر باحثو مركز MD Anderson للسرطان في جامعة Texas دراسةً مرجعية أظهرت أنّ مرضى سرطان الجلد (Melanoma) الذين يتّبعون نظاماً غذائياً غنياً بالألياف يستجيبون بصورةٍ أفضل للعلاج: إذ ازداد احتمال تراجع السرطان أو انخفاض خطر الوفاة بنسبة 30% مع كلّ زيادةٍ مقدارها 5 غرامات في تناول الألياف.

وثمّة أساسٌ تشريحي يدعم هذا الارتباط: تبلغ المساحة السطحية للأمعاء البشرية نحو 20 ضعف مساحة الجلد. ووفقاً لـvan den Brink، يحتضن هذا الفضاء الشاسع نحو ثلث خلايا T وخلايا B في الجسم وهي خلايا مناعيةٌ محورية. ولأنّها تعيش في بيئةٍ تعجّ بالبكتيريا، تُشكّل الأمعاء ميداناً تتعلّم فيه المناعة كيف تواجه الغزاة والخلايا الشاذة كتلك الموجودة في الأورام، وهذا يستلزم توازناً بكتيرياً صحياً.

في السنوات الأخيرة، طوّرت City of Hope قائمةً طعامٍ مختلفة جذرياً. في يومٍ ثلاثاء أخير، كانت Kimberly Shipman، البالغة من العمر 60 عاماً والمتعافية من زراعةٍ لعلاج اللوكيميا اللمفاوية الحادّة، تستمتع بسلطة شمندر عضوية مع الدجاج. قالت من سريرها في المستشفى بعد أربعة أسابيع من الإجراء: "أكلت بشهيّةٍ كبيرة، والطعام هنا جيّدٌ جداً. هذه السلطة هي المفضّلة لديّ، لكنّ الشوربات رائعة أيضاً، ولديهم طبقٌ خاصّ كلّ يوم".

وبحسب سياسة المستشفى، يلتقي المرضى الجدد بأخصّائي تغذية خلال ثلاثة أيام من الدخول. وتوضح Adern Yu، مديرة خدمات التغذية السريرية في City of Hope، أنّ المرضى يُشجَّعون على تناول الطعام "الحقيقي" فور قدرتهم على ذلك: "هؤلاء المرضى يعانون ضعفاً مناعياً، لذا لا نوصي بأشياء كالبراعم أو الجبن الأزرق أو السوشي لاحتمالية تلوّثها. لكنّنا نقول لهم إنّ الفواكه والخضروات مناسبة، طالما غسلتموها جيّداً".

وتُظهر دراساتٌ أنّ الغذاء الصحّي، ولا سيّما الغني بالألياف، يُحسّن الاستجابة للعلاج المناعي ويرتبط بـنتائج أفضل.

يشرح الدكتور Robert Jenq، مدير برنامج الميكروبيوم في City of Hope، أنّ بعض بكتيريا الأمعاء تُحوّل الألياف إلى أحماضٍ دهنية قصيرة السلسلة، وهذه الأحماض تبدو وإن ظلّت الآلية الدقيقة غير مفهومة تماماً قادرةً على تحسين بقاء خلايا T ووظيفتها، فضلاً عن أنّها "تمنع البكتيريا الضارة، وتُغذّي بطانة القولون، وتبدو قادرةً على كبح الالتهاب".

وتُعدّ الدكتورة Jenny Paredes، عالمة الأحياء الدقيقة في مختبر van den Brink، لإطلاق تجربةٍ سريرية تُقدّم فيها إرشاداتٍ غذائية ووجباتٍ غنية بالألياف، مع تتبّع كلّ ما يأكله مرضى زراعة الخلايا المكوّنة للدم خلال فترة الـ40 يوماً التي يقضونها في المستشفى، وإضافة 60 يوماً في المنزل بعدها حين يبقى الخطر مرتفعاً. تقول Paredes: "هل يمكنني التنبّؤ بكيفية استجابة هذا المريض للغذاء الذي نقدّمه في المستشفى؟ هل يمكنني التنبّؤ بأثره على ميكروبيومه وعمليات التمثيل الغذائي لديه؟"

بيد أنّ هذا الطموح يصطدم بعقباتٍ جسيمة، في مقدّمتها التعقيد المدهش للمشهد الميكروبي. فإلى جانب مئات الأنواع البكتيرية الشائعة في الأمعاء، ثمّة فيروساتٌ وعاثياتٌ (Phages) أيضاً. ويقول الدكتور Armin Rashidi، أخصّائي أمراض الدم وأستاذٌ مشارك في مركز Fred Hutchinson للسرطان: "حتى لو فهمت ما يفعله كلّ كائنٍ دقيق وكيف يتفاعل أيٌّ منهما مع الآخر، فلن تستطيع التنبّؤ بما سيحدث حين تجمع ثلاثةً منهم فما بالك بمليون".

يُضاف إلى ذلك أنّ البكتيريا تتصرّف بصورةٍ مختلفة وتُنتج مستقلباتٍ متباينة تبعاً للبكتيريا المحيطة بها وحالة الأمعاء وعواملٍ أخرى، بما فيها الوقت من اليوم. يقول Frankel: "التعقيد مُذهلٌ ومُحطٌّ للغرور. لكنّ المُطمئن أنّنا أحرزنا تقدّماً ملحوظاً دون معرفةٍ كاملة".

الاستعانة بالبراز في علاج السرطان

إن كان ثمّة نهجٌ يجسّد هذا التعقيد والحالة المعرفية النسبية في آنٍ واحد، فهو زراعة الميكروبيوم البرازي (Fecal Microbiota Transplant)، التي تقوم على نقل برازٍ مُنقّى من متبرّعٍ صحيٍّ أو من مريضٍ استجاب استجابةً قوية للعلاج المناعي، وإعطائه في الغالب على شكل كبسولة لمريضٍ آخر.

يُحلّل Rashidi بياناتٍ من دراسةٍ أجرى فيها مرضى زراعة الخلايا المكوّنة للدم زراعةً برازية تمهيديّة. جُمعت عيّنات البراز من متبرّعين أصحّاء في Minnesota، وخُضعت لفحصٍ دقيق للكشف عن مسبّبات الأمراض الخطرة والجينات المرتبطة بمقاومة المضادّات الحيوية، ثمّ رُشِّحت ونُقِّيت وعُبِّئت في كبسولات. وتلقّى 157 مريضاً إمّا هذا الخليط الميكروبي أو دواءً وهمياً.

وفي دراسةٍ سابقة، وجد فريق Rashidi أنّ الزراعة البرازية صحّحت خلل الميكروبيوم لكنّها لم تُغيّر خطر الإصابة بالعدوى. يقول: "رغم إعجابي بكون الزراعة البرازية تُصلح الميكروبيوم، يُزعجني أنّني لا أفهم كيف يحدث ذلك".

وقد أُفيد باستخدام زراعاتٍ برازية أوليّة في الصين منذ القرن الرابع الميلادي، وباتت خلال العقد الماضي تُستخدم لعلاج الالتهاب الشديد للقولون الناجم عن عدوى بكتيريا C. difficile، التي تجتاح القولون حين تُبيد المضادّات الحيوية الأنواع المنافسة لها.

في السنوات الأخيرة وحدها، انطلق ما لا يقلّ عن 40 تجربةً سريرية في مجال السرطان تختبر أشكالاً مختلفة من الزراعة البرازية. تقول Elkrief: "نعلم أنّ المرضى الذين يُصابون بسمّيةٍ مرتبطة بالعلاج المناعي لديهم تركيبةٌ مختلفة للميكروبيوم. الفكرة هي أنّه إذا استطعنا استبدال ميكروبيومهم بآخر يُشبه ميكروبيوم متبرّعٍ صحيّ، فقد نتمكّن من معالجة مصدر المشكلة وإعادتهم إلى مسار علاجهم المناعي".

وقد أسفر هذا المسعى عن نتائج لافتة. فحين جمع فريق Elkrief في مركز CHUM بين العلاج المناعي والزراعة البرازية من متبرّعين أصحّاء، تضاعف عدد مرضى سرطان الرئة المستجيبين للعلاج، وجاءت النتائج مشابهة في سرطان الجلد. ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Medicine.

غير أنّ استخدام المتبرّعين الأصحّاء يتحاشى قيداً محتملاً جدّياً. إذ كشفت تجاربٌ بارزة أخرى عن فوائد مبهرة، لكن فقط حين يُستخدم مادّةٌ من متبرّعٍ "خارق" واحد: ناجٍ من السرطان أبدى استجابةً قوية للعلاج. وبصرف النظر عن صعوبة توسيع نطاق هذا النهج، ثمّة حالاتٌ ارتبطت فيها أحداثٌ جانبية بعينها ببكتيريا محدّدة مصدرها متبرّعٌ واحد.

إلى جانب الأبحاث الأكاديمية، تعمل شركاتٌ تجارية عدّة على تطوير أشكال من الزراعة البرازية. وكان أوّل منتجٍ يحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) هو Rebyota من شركة Ferring Pharma لعلاج عدوى C. diff. كما حصلت شركة Seres Pharmaceuticals التي يملك فيها van den Brink حصّةً مالية على تصنيف المسار السريع من FDA لتطوير منتجٍ يهدف إلى تقليل الالتهابات ومرض الطعم ضدّ العائل لدى مرضى زراعة الخلايا المكوّنة للدم.

وفي شركةٍ ثالثة هي Kanvas Biosciences، يصف الرئيس التنفيذي والمؤسّس المشارك الدكتور Matthew Cheng أبرز منتجَين لديها بأنّهما "زراعتان برازيتان اصطناعيتان"، لكنّهما مختلفتان اختلافاً جوهرياً: الأولى تُحاكي عيّنةً برازية من متبرّعٍ "خارق"، وهو مريضٌ سابق في MD Anderson شُفي تماماً من سرطانٍ متقدّم بفضل العلاج المناعي، وتحتوي على 145 نوعاً بكتيرياً؛ أمّا الثانية فتعتمد على خليطٍ مستوحى من متبرّعين أصحّاء لم يُصابوا بالسرطان قطّ، وتضمّ "نحو 50" نوعاً وفق Cheng. والأمر اللافت كما يقول أنّه "لا توجد سلالةٌ واحدة مشتركة بين المنتجَين".

يرى Pal أنّ الزراعة البرازية ليست حلاً نهائياً بقدر ما هي أداةٌ لمساعدة الأطباء على فهم أيّ عناصر الميكروبيوم هي الأكثر قيمة. "ما نحتاج فعلاً إلى معرفته هو: ما العنصر المحدّد في تركيبة الزراعة البرازية الذي يقود الاستجابة؟"

وتجدر الإشارة إلى أنّ بحوثاً أخرى تختبر تدخّلاتٍ أحادية المكوّن لتوظيف الميكروبيوم في مكافحة السرطان، من بينها حليب الماعز ونشا البطاطا وتوت الكامو-كامو (Camu-Camu)، وهو توتٌ جنوب أمريكي. وقد أسهم مستخلصٌ من هذا الأخير مع العلاج المناعي في تحسين نتائج مرضى سرطان الجلد وسرطان الرئة في دراسةٍ صغيرة أجرتها مجموعة Elkrief في Montreal.

تحذيرٌ ضروري: لا تسبق الدليل

رغم حماسه الواضح، يُحذّر Pal من الإسراع أمام الدليل العلمي. يقول: "منذ أن بدأنا نشر النتائج، أعلم أنّ كثيراً من المرضى باتوا يتناولون هذه المكمّلات"، في إشارةٍ إلى CBM588 وغيرها من البروبيوتيك. "لكنّني أحثّهم فعلاً على انتظار نتائج التجارب السريرية. أعلم أنّ ذلك صعبٌ جداً، لكنّني أتعامل مع CBM588 وسائر الأدوية في هذه الفئة بالصرامة ذاتها التي أتعامل بها مع الأدوية المتقدّمة".

في غضون ذلك، لم تنتظر City of Hope اكتمال الأدلّة لتُعيد تصميم قائمة طعامها للمرضى الداخليين، وتُقيم مخزناً فصلياً للطعام، وتزرع حديقةً يستطيع المرضى والعاملون قطف الخضروات الطازجة منها.

يختم van den Brink بنظرةٍ فلسفية: "نسعى إلى تحويل الغذاء إلى دواء. لكنّنا بدأنا للتوّ نتعلّم كيف نُحكم السيطرة عليه".

أخبار ذات صلة

Loading...
أفراد يرتدون ملابس واقية يجهزون دفن ضحية فيروس إيبولا في منطقة إيتوري بالكونغو الديمقراطية، وسط قلق من تفشي الفيروس والجماعات المسلحة.

وفيات الإيبولا في الكونغو الديمقراطية تتجاوز المئة

تعيش جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمة خطيرة مع تفشي فيروس إيبولا، حيث سُجلت 101 حالة وفاة و550 إصابة. تواصل الجماعات المسلحة عرقلة جهود الاستجابة. تابعوا التفاصيل المهمة حول هذا التفشي المقلق وتأثيراته على المنطقة.
صحة
Loading...
تظهر الصورة مجموعة من العاملين في مجال الصحة يرتدون ملابس واقية، وهم يقومون بدفن جثة ضحية الإيبولا في منطقة أوغندية، مما يعكس تأثير الوباء على المجتمعات المحلية.

رئيس الصحة العالمية يشيد بجهود أوغندا في مكافحة الإيبولا

في خضم أزمة الإيبولا التي تهدد حياة الملايين، تبرز أوغندا كنموذج للاستجابة السريعة. هل ستتمكن من تجاوز التحديات الاقتصادية والصحية؟ تابعوا معنا لتكتشفوا المزيد عن هذه الأزمة المعقدة.
صحة
Loading...
مقدم الرعاية الصحية يقف في مركز علاج الإيبولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يُظهر تجهيزات الوقاية والبيئة المحيطة.

تفشي الإيبولا: 5 حقائق أساسية تحتاج معرفتها

تُثير موجة تفشّي فيروس الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية قلقاً عالمياً، مع تسجيل مئات الحالات. هل نحن أمام أزمة صحية تتجاوز ما شهدناه من قبل؟ تابعوا التفاصيل لتعرفوا كيف يمكننا مواجهة هذا التحدي.
صحة
Loading...
امرأة ترتدي ملابس تقليدية وتغسل يديها في محطة صحية، بينما يراقبها أفراد يرتدون زيًا طبيًا، في سياق جهود مكافحة الإيبولا.

منظمة الصحة العالمية وأفريقيا CDC تكشفان خطة بـ 518 مليون دولار لمكافحة إيبولا وسط ارتفاع الوفيات في أوغندا

في قلب الأزمات الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أُعلنت خطة طارئة لمكافحة فيروس الإيبولا بقيمة 518 مليون دولار. انضموا إلينا لاكتشاف كيف تسعى منظمة الصحة العالمية لاحتواء هذا التفشي الخطير وحماية المجتمعات المجاورة!
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية