كيف تغير الدعم الأسري مستقبل الشباب الاقتصادي
في أمريكا اليوم النجاح الاقتصادي يعتمد بشكل كبير على دعم الأسرة المالي، خاصة للشباب الذين يواجهون تحديات في سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. كيف تغيرت قواعد اللعبة؟ اكتشف القصة كاملة على خَبَرَيْن.

-في أمريكا، كانت الوصفة التقليدية للنجاح الاقتصادي واضحةً لأجيالٍ متعاقبة: اذهب إلى الجامعة، اعمل بجدّ، ادّخر ما تستطيع، اشترِ منزلاً، وتسلّق سلّم الثروة. أمّا اليوم، فقد باتت هذه الوصفة تعتمد بشكلٍ متزايد على عاملٍ لا يملك كثيرٌ من الأمريكيين التحكّم فيه: هل تمتلك الأسرة الموارد المالية الكافية للمساعدة على طول الطريق؟ فمن يفتقر إلى هذا الدعم، يجد نفسه أمام ديونٍ متراكمة ومسارٍ نحو تملّك المسكن وبناء الثروة بات أصعب ممّا مضى، بل يكاد يكون مستحيلاً في بعض الحالات.
يتجلّى هذا الواقع بوضوحٍ خاصّ في صفوف الشباب، الذين يدخلون سوقاً اقتصادياً أقلّ تسامحاً ممّا كان عليه قبل سنواتٍ قليلة. فالنفاذ إلى سوق العمل أصعب، والنفقات اليومية تلتهم حصّةً أكبر من الرواتب، وديون القروض الطلابية تُثقل كاهل المقترضين، فيما يجد الراغبون في شراء منزلٍ أنفسهم خارج المعادلة حين تصطدم الأسعار المرتفعة بمعدّلات الرهن العقاري المتشدّدة.
هذا الواقع أعاد رسم دور الدعم الأسري. فوفق أحدث مسح أجراه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حول اقتصاديات الأسرة وآليات اتّخاذ القرار، تلقّى ما يقارب نصف البالغين بين سنّ 18 و29 عاماً مساعدةً ماليةً من أشخاصٍ لا يقيمون معهم، لتغطية نفقاتٍ دوريةٍ كالسكن والمواصلات والفواتير الطبية خلال العام الماضي. وكشف المسح ذاته، الذي أُجري في أكتوبر، أنّ نسبةً مماثلة تقريباً (49%) من هذه الفئة العمرية تعيش مع والديها بارتفاعٍ قدره 6 نقاطٍ مئوية عن عام 2022، و12 نقطةً مئوية عن عام 2019.
يقول Nate Kinzinger، المستشار المالي في شركة Small World Wealth Management التابعة لـ Northwestern Mutual: "أرى بوضوحٍ أنّ الأبناء باتوا مرتبطين بآبائهم لفتراتٍ أطول." ويُرجع ذلك جزئياً إلى عدم كفاية الدخل لتغطية تكاليف المعيشة، لكنّه يُلاحظ في الوقت ذاته أنّ الأبناء لا يُعدّلون أنماط حياتهم لتوفير المال، بل "يطلبون من آبائهم المزيد". ويُشير إلى أنّ الأسر التي يصفها بـ"المتوسّطة الثراء" من بين عملائه كثيراً ما تستجيب لهذه الطلبات وهو ترفٌ لا تملكه جميع الأسر.
العطاء في الحياة لا بعد الممات
بالنسبة للآباء القادرين على تقديم الدعم، أصبح تحويل المساعدة المالية للأبناء البالغين وسيلةً لتلبية احتياجاتهم الآنية، بدلاً من انتظار الميراث بعد الوفاة. هذا ما تقوله Emily Irwin، المديرة التنفيذية لتخطيط الثروات الخاصة في Wells Fargo: "يُراجع الآباء أهدافهم، ويجدون متعةً ومعنىً أكبر حين يرون بأمّ أعيُنهم الأثرَ الذي يتركه عطاؤهم."
هذه الفلسفة كانت وراء قرار David، المعالج الفيزيائي المتقاعد البالغ من العمر 68 عاماً، الذي ورث ما يزيد على نصف مليون دولار من والديه حين كان في الحادية والستين. وقد طلب David عدم الكشف عن اسم عائلته حفاظاً على خصوصيّتها. كان مستشاره الماليّ قد أكّد له أنّ ما يمتلكه من مدّخراتٍ تقاعديةٍ يبلغ نحو 750,000 دولار، إضافةً إلى الميراث البالغ 566,000 دولار، يكفي لتغطية احتياجاته بيُسر. فقرّر منح كلٍّ من ولديه مبلغ 50,000 دولار، رغم أنّ مستشاره نصحه بإبقاء المال لنفسه. كان تفكيره بسيطاً: بأسلوب حياته المتقشّف، إن لم يستطع الاستغناء عن هذه المئة ألف دولار، فثمّة خطأٌ ما في طريقة إدارته لأموره.
سلّم David الأبناءَ هذه المبالغ يوم عيد الميلاد 2019، داخل بطاقاتٍ رفقة رسالةٍ وإيصالات إيداعٍ بنكية. كتب فيها: "عملا بجدٍّ وعاشا بتقشّف. عاشا الحلم الأمريكي"، مُشيراً إلى أنّ والديه رغم كونهما من أسرٍ عمّالية بسيطة كانا أوّل من أورث أبناءه ميراثاً يتجاوز المليون دولار. ثمّ أضاف بدهشة: "نعم، كانا مليونيرين دون أن يُعلنا ذلك."
ابنه Phillip، البالغ من العمر 37 عاماً، رأى في البداية أنّ الهبة جاءت من شعورٍ بالذنب تجاه ثقل الديون الدراسية التي تحمّلها، غير أنّ David رفض هذا التفسير، مؤكّداً أنّ قراره نابعٌ من استقراره المالي وقناعته بأنّ المال سيكون أكثر أثراً في حياة أبنائه إذا وصلهم مبكّراً. استخدم Phillip المبلغ لسداد قروضه الطلابية الخاصة، وضخّ الباقي في الدفعة الأولى لشراء منزلٍ مع زوجته.
"أنا ممتنٌّ بالطبع لجدَّيَّ ووالديَّ على هذه الهبة، لكنّني أشعر بنوعٍ من الذنب الاجتماعي تجاهها"، قال Phillip. "زوجتي وأنا نعيش بشكلٍ مريح، لكن دون هذا المال، ما كنّا لنتمكّن على الأرجح من توفير دفعةٍ أولى لمنزلٍ في المنطقة التي نعيش فيها."
المنزل الذي اشتراه في يوليو 2020 بـ359,000 دولار قُدِّرت قيمته بـ553,000 دولار بعد عامين فحسب وهو مثالٌ صارخ على كيف يتحوّل الوصول المبكّر إلى تملّك المسكن إلى ثروةٍ متراكمة. وعلى المستوى الوطني، ارتفع متوسّط أسعار المنازل الجديدة بنسبة 32% ليتجاوز 430,000 دولار خلال الفترة ذاتها، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي (Census Bureau). يُعلّق Phillip: "منزلنا هو النموذج المصغّر الأمثل لتفسير سبب أصبح فيه الميراث شبه ضرورةٍ لتملّك المسكن اليوم."
أمّا شقيقته Chelsea، البالغة 40 عاماً، فقد وظّفت الهبة بشكلٍ مختلف: سدّدت جميع قروضها الطلابية، وضخّت الباقي في حساباتٍ استثمارية للتقاعد. "لقد أتاح لي ذلك بناء شبكةٍ أمانٍ متينة لنفسي"، قالت. "أنا ممتنّةٌ حقاً لهذا الموروث الذي انتقل عبر الأجيال."
حين يقول الآباء لا
Nick، البالغ من العمر 36 عاماً والعامل في مجال الامتثال البيئي، يعيش تجربةً مغايرةً تماماً و قد طلب هو الآخر عدم الكشف عن اسمه الكامل حفاظاً على خصوصية أسرته. في عام 2012، أخذ والداه قرضاً بقيمة 85,000 دولار لشراء منزلٍ كاملٍ لأخته غير المتزوّجة آنذاك. وحين جاء دوره بعد أربع سنوات ليشتري منزلاً، كانت الأسعار قد قفزت، فأخبره والداه أنّهما لم يعودا قادرَين على تكرار ما فعلاه مع أخته، دون أن يُقدّما له أيّ مبلغٍ كدعمٍ جزئي.
يعيش Nick حالياً مع والديه في بلدةٍ صغيرة شمال Nashville، ويُسهم في نفقات المعيشة. ورغم ادّخاره ووظيفته التي تدرّ عليه أكثر من 80,000 دولار سنوياً، فإنّه لم يقترب بعد من المبلغ الذي يحتاجه للدفعة الأولى وتكاليف الشراء الأخرى، مُثقلاً بما وصفه بـ"كمٍّ هائل من القروض الطلابية". يُفكّر Nick جدّياً في الانتقال للعيش في الخارج، في دولةٍ كإسبانيا، حيث يرى أنّ فرصه في تملّك مسكنٍ بمفرده أكبر بكثير.
"أخيراً حصلت على وظيفةٍ جيّدة ودخلٍ محترم، ثمّ جاء التضخّم وارتفعت أسعار المساكن أكثر وأكثر"، قال Nick. "يبدو أنّ تملّك المسكن في أمريكا لم يُكتب لي.".
أخبار ذات صلة

النمو الاقتصادي الأمريكي في الربع الثاني أقلّ من التوقّعات

أسعار الفائدة الأمريكية على حالها وسط مخاوف من استمرار التضخّم

بيانات متضاربة تحيّر الاحتياطي الفيدرالي
