استخدام داعش كأداة ضد إيران في الحرب العالمية
في حديثه عن استخدام الغرب لمقاتلي داعش ضد إيران، يثير مدير FSB تساؤلات حول مصداقية ادعاءاته. هل هي محاولة للتأثير أم حقيقة؟ اكتشف المزيد عن غموض التصريحات الروسية وتأثيرها على الأمن الإقليمي في خَبَرَيْن.

في أواخر مايو الماضي، أدلى ألكسندر بورتنيكوف، مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، بتصريحاتٍ قال فيها أنّ الغرب يسعى إلى توظيف مقاتلين سابقين من تنظيم داعش في مواجهة إيران.
وقال بورتنيكوف في اجتماعٍ ضمّ مسؤولي أجهزة الاستخبارات في ثماني دول من الفضاء السوفيتي السابق، في 26 مايو، وفق ما نقلته وكالة RIA Novosti الحكومية الروسية: "لا تتخلّى أجهزة الاستخبارات الغربية عن محاولاتها لاستخدام مسلّحين إرهابيين من سوريا بوصفهم قوّةً بالوكالة في الحرب ضدّ إيران."
وفي فبراير الماضي، شرعت الولايات المتحدة في نقل آلاف المقاتلين المعتقلين المرتبطين بتنظيم داعش من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى العراق. وجاء هذا الإجراء في أعقاب قرار الرئيس السوري أحمد الشرع الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش واستعادة السيطرة على المناطق الشمالية الشرقية التي كانت تخضع لقوّاتٍ يقودها الأكراد، وكانت تحتجز ما يصل إلى 9,000 مقاتل من التنظيم، وفق ما أفاد به الجيش الأمريكي.
غير أنّ بورتنيكوف لم يُحدّد أيّ جهاز استخباراتٍ غربي يسعى إلى "توظيف" هؤلاء المقاتلين، ولم يُقدّم أيّ دليلٍ داعم لادّعاءاته، كمحادثاتٍ مسرَّبة أو صور.
فهل كشف مدير الاستخبارات الروسية وأحد أقرب حلفاء الرئيس فلاديمير بوتين عن عمليةٍ غربية سرّية موجَّهة ضدّ إيران؟ أم أنّ تصريحاته لم تكن سوى محاولةٍ للتأثير في الدول التي كانت تدور في فلك موسكو؟
جهاز FSB، المعروف بهذا الاختصار الروسي، هو الخلف الرئيسي للـ KGB السوفيتي، الذي عمل فيه بورتنيكوف إلى جانب بوتين في ثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب ما أفاد به البيت الأبيض وتسريباتٌ عدّة وتقارير صحفية متعدّدة، فإنّ جهاز FSB يمتلك سجلاً من تضليل بوتين، لا سيّما فيما يخصّ مجريات الأحداث في أوكرانيا.
وقال غينادي غودكوف، الضابط السابق في KGB والنائب البرلماني الذي تحوّل إلى منتقدٍ لبوتين، إنّ ادّعاءات بورتنيكوف تكشف عن غيابٍ تامّ للرقابة على الأجهزة الأمنية في روسيا اليوم.
وأضاف غودكوف: "هذه مجرّد كلام، دون أيّ دليل، ودون حتّى محاولةٍ لتدعيمها بتفاصيل أو وقائع." وكان غودكوف قد خدم في KGB في الثمانينيات، قبل أن يُجرَّد من عضويّته البرلمانية عام 2012 إثر مشاركته في تظاهراتٍ احتجاجية وانتقاده الصريح للفساد الحكومي.
وفي حديثه ، أوضح غودكوف أنّه حين كان عضواً في اللجان البرلمانية المعنية بالأمن في العقد الأوّل من الألفية الثالثة، كان بمقدور المشرّعين والمدّعين العامّين والمحاكم ممارسة رقابةٍ نظرية على الأقلّ على ما تقوله الأجهزة الأمنية وما تفعله.
وقال: "حين اختفت كلّ أشكال الرقابة عليهم، أدركوا أنّهم يستطيعون الكذب في أيّ شيء، ولا أحد قادرٌ على محاسبتهم." وغودكوف فرّ من روسيا عام 2019، وهو مطلوبٌ فيها بتهمة "الإرهاب والتطرّف".
وفي تصريحاته بشأن داعش، أعاد بورتنيكوف تكرار ادّعاءاتٍ سابقة لجهاز FSB مفادها أنّ الاستخبارات الغربية "أنشأت" التنظيم و"درّبت" مقاتليه.
وقال بورتنيكوف، وفق ما نُقل عنه: "بدأت قصّة داعش في السجون العراقية التي أشرفت عليها الأجهزة الخاصة للتحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة" في العراق، مضيفاً: "في تلك الحقبة، رصدنا نموّاً ملحوظاً في أعداد المنتسبين للأيديولوجية الجهادية."
ادّعاء بورتنيكوف "مبالَغٌ فيه بعض الشيء"
قبل أكثر من عقد من الزمن، انضمّ آلاف السكّان من منطقة شمال القوقاز ذات الغالبية المسلمة في روسيا إلى صفوف تنظيم داعش، وكثيرٌ منهم أخذوا عائلاتهم معهم، وبعضهم تدرّج في مناصب قيادية داخل التنظيم.
ويرى المراقبون أنّ الاستخبارات الروسية تركت عمداً آلاف "المتطرّفين" من شمال القوقاز يغادرون إلى المناطق التي يسيطر عليها داعش في سوريا والعراق، وجنّدت بينهم عملاءً أو مخبرين، غالباً عبر ابتزاز ذويهم داخل روسيا.
وبحسب نيكولاي ميتروخين، الباحث في جامعة بريمن الألمانية، فإنّ بعض هؤلاء العملاء المعتقلين نُقلوا إلى العراق وتواصلوا مع رؤسائهم في روسيا.
وأوضح ميتروخين أنّ محلّلي بورتنيكوف فسّروا رسائل هؤلاء العملاء، مضيفين إليها "بناءً سياسياً حول ما لا يتشاركونه بالضرورة، لكنّه يحتوي على ما يريد بوتين سماعه."
وقال ميتروخين: "تصريحات الأجهزة الخاصة الروسية دائماً غامضة ومبنيّة على مقدّماتٍ مجهولة، لكنّ فكّ رموزها أمرٌ يسير."
وفي السياق ذاته، وصف رسلان سليمانوف، الباحث المشارك في مركز الاستراتيجيات الأوراسية الجديدة، وهو مركز أبحاث أمريكي-بريطاني، ادّعاء بورتنيكوف بأنّه "مبالَغٌ فيه بعض الشيء"، مؤكّداً أنّ "هذه المعلومات حتّى الآن لا تعدو كونها شائعات في معظمها."
بيد أنّه أشار إلى أنّ بعض العناصر السابقة في هيئة تحرير الشام، الفصيل الذي كان يقوده الرئيس الشرع، وحلفاءه، غادروا سوريا نحو أفغانستان الشرقية والجنوبية الشرقية، حيث لا يزال فرع التنظيم المعروف بـ "ولاية خراسان" (ISKP) يمارس نشاطه، وهي مناطق تتاخم الحدود الباكستانية.
وقال سليمانوف: "هناك يشعرون براحةٍ أكبر بكثير مقارنةً بسوريا، حيث تبرّأت السلطات الجديدة التي يجسّدها أحمد الشرع كليّاً من تنظيم داعش وانضمّت إلى التحالف الدولي لمحاربته بقيادة واشنطن."
أمّا نيكيتا سماغين، الخبير في العلاقات الروسية-الإيرانية، فيرى أنّ معلومات بورتنيكوف بشأن اتصالات الاستخبارات الغربية بمقاتلين سابقين في داعش "تبدو محتملة إلى حدٍّ ما"، غير أنّه أضاف : "لكنّ بناء علاقاتٍ لا يعني بالضرورة أنّ هذه القوى ستتحرّك في نهاية المطاف ضدّ إيران."
وقد تكون ادّعاءات بورتنيكوف أيضاً محاولةً من الكرملين لاستعادة نفوذه المتراجع في الدول السوفيتية السابقة. وقال سماغين: "خطاب الترهيب، وإظهار أنّ الولايات المتحدة أشدّ خطورةً لأنّها تفعل كذا وكذا، وأنّنا نستطيع مساعدتكم هذا الخطاب يعمل وفق هذا المنطق."
وحين خاطب بورتنيكوف مسؤولي الاستخبارات في الدول السوفيتية السابقة، زعم أنّ المساعي الغربية لـ"توظيف" داعش تُشكّل تهديداً أمنياً لدول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز التي تحدّ إيران أو جيرانها، والتي كان ممثّلو أجهزتها الاستخباراتية حاضرين في الاجتماع.
وتحدّ كلٌّ من أذربيجان وأرمينيا إيرانَ، وكانتا في وقتٍ من الأوقات ولايتَين تابعتَين لها. كما تربط دول آسيا الوسطى أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان صلاتٌ تاريخية وثيقة بإيران، وقد انضمّ آلاف الشباب من هذه الدول إلى صفوف داعش.
وقال بورتنيكوف أنّه في حال "تجنيد" هؤلاء الأشخاص من قِبَل الاستخبارات الغربية، فإنّهم قد يتحوّلون إلى قنواتٍ لنشر نفوذٍ "تقويضي". وقال: "يسعى الغرب إلى عرقلة مسيرة التكامل، وزعزعة استقرار الدول السوفيتية السابقة من الداخل، وإجبار شعوبها على نسيان تاريخها المشترك، وتأجيج الخلافات فيما بينها، بهدف فرض هيمنته على هذه المنطقة."
وقال إميل مصطفاييف، رئيس تحرير مجلّة Minval Politika المتّخذة من باكو عاصمةً لأذربيجان مقرّاً لها، إنّ كلام بورتنيكوف "لا يستحقّ أن يُؤخذ بحرفيّته"، مضيفاً أنّه يبدو "أشبه بعنصرٍ من عناصر الخطاب السياسي-الإعلامي منه انعكاساً لصورة الواقع الفعلي."
والجدير بالذكر أنّ بوتين، الذي رعى علاقاتٍ مع طهران على مدى عقود ودعمها في مواجهة العقوبات الغربية، لم يُكرّر هذه الادّعاءات. كما أنّ أيّاً من مسؤولي الاستخبارات في الدول السوفيتية السابقة الذين حضروا القمّة لم يُبدِ دعمه لها علناً. فضلاً عن ذلك، اقتصر تغطية خطاب بورتنيكوف في روسيا على تقاريرٍ محدودة في وسائل الإعلام الموالية للكرملين، ولم يتناوله أيٌّ من المحلّلين السياسيين الموالين للكرملين بالتعليق في مقالاتٍ رأيية أو على شاشات التلفزيون.
وفي أكتوبر 2025، استخدم بورتنيكوف اجتماعاً مماثلاً لرؤساء أجهزة الاستخبارات في الدول السوفيتية السابقة، عُقد في سمرقند بأوزبكستان، ليتّهم الاستخبارات البريطانية بالعمل على إفشال محادثات السلام بشأن أوكرانيا، وتنظيم هجماتٍ في دول الفضاء السوفيتي السابق، ومحاولة تفجير خطّ أنابيب الغاز الطبيعي الروسي المتّجه نحو تركيا. وقد وصف المملكة المتحدة تلك الاتهامات بأنّها "هراءٌ تامّ".
أخبار ذات صلة

الأحزاب السياسية الرئيسية في لبنان: دليل شامل

ستّ دول تفرض عقوبات على ممولي العنف الاستيطاني بالضفة الغربية

ترامب يعلن عن "مراحل أخيرة" لاتفاق سلام بينما يتجاوز عدد الشهداء في لبنان الثمانية
