موجة حر أوروبا تهدد الاقتصاد والطاقة والبيئة
موجة حر شديدة تضرب أوروبا وتوقف مفاعلات نووية بسبب الجفاف وتؤثر على الزراعة والنقل والسياحة. خسائر اقتصادية محتملة تصل لمئات المليارات. تعرف على تفاصيل الأزمة وتحديات الطاقة المقبلة على خَبَرَيْن.





موجة حرٍّ خامسة تضرب أوروبا هذا الأسبوع، وهي الأشدّ في سلسلة متتالية من الموجات التي تُلقي بظلالها على اقتصاد القارة من كلّ اتجاه. مفاعلات نووية تُوقَف عن العمل، ومحاصيل تُحصَد في الثالثة فجراً، ومعالم سياحية تُغلق أبوابها مبكراً هذه ليست مبالغة، بل وقائع موثّقة تتراكم في صيفٍ استثنائي بكلّ المقاييس.
مفاعلات نووية تتوقّف بسبب الجفاف
بدأت شركة Nuclearelectrica الرومانية المملوكة للدولة، يوم الخميس، بفصل مفاعلها النووي الوحيد المشتغل عن شبكة الكهرباء، بعد أن انخفض منسوب نهر الدانوب إلى مستوياتٍ قياسية متدنّية. هذا النهر ضروري لتبريد معدّات المحطّة، وانحسار مياهه يعني مباشرةً تعطّل القدرة على التشغيل الآمن. وقد أعلنت رومانيا حالة طوارئ طاقوية طوال شهر أغسطس، وطلبت من المؤسسات والأسر تخفيض استهلاكها طوعاً.
الوضع ذاته يتكرّر في فرنسا والمجر، حيث اضطرّت محطّات نووية إلى تقليص إنتاجها بسبب ارتفاع درجات حرارة مياه الأنهار وانخفاض منسوبها. والمعادلة الفيزيائية هنا بسيطة: المفاعل النووي يحتاج إلى كميّات ضخمة من المياه الباردة لتبريد قلبه الحراري، وحين يرتفع منسوب الحرارة وينخفض منسوب النهر في آنٍ واحد، يصبح التشغيل الكامل مستحيلاً أو خطيراً.
180 مليار يورو كلفةً محتملة
تُقدّر Triodos Bank، ومقرّها هولندا، أنّ الصيف الحارق قد يُكلّف الاقتصاد الأوروبي ما يصل إلى 180 مليار يورو (208 مليارات دولار) هذا العام، أي ما يعادل 1% من الناتج المحلّي الإجمالي للقارة وهو تقريباً النموّ الاقتصادي الكامل المتوقّع للاتحاد الأوروبي برمّته. وقالت المصرف في تقريرٍ صدر هذا الشهر: "من المرجّح أن يكون انخفاض إنتاجية العمل أكبر الأثر الاقتصادي، إلى جانب الاضطرابات في قطاعات الزراعة والطاقة والنقل."
سجّلت أجزاء من غرب أوروبا أعلى درجات حرارة في يونيو ويوليو منذ بدء التسجيل، وفق خدمة Copernicus للمناخ التابعة للاتحاد الأوروبي. في باريس، أُغلق برج Eiffel ومتحف Louvre مبكراً في أيامٍ عدّة بسبب الحرارة الشديدة.
ثمّة محلّلون يشكّكون في حجم الأثر الاقتصادي الفعلي لهذا الصيف، مستندين إلى تحسّن ثقة الأعمال في يوليو ونموّ الناتج المحلّي في النصف الأوّل من العام. غير أنّ الحرارة ليست التهديد الوحيد؛ فأوروبا تواجه أيضاً ارتفاعاً متوقّعاً في فواتير الطاقة خلال الشتاء المقبل، مع تصاعد أسعار الغاز الطبيعي إلى مستوياتٍ لم تُسجَّل منذ اندلاع الحرب في إيران.
أنهار تجفّ وحقول تُحصَد ليلاً
لا يقتصر الجفاف على الدانوب. في ألمانيا، أكبر اقتصادات أوروبا، انخفض منسوب نهر الراين إلى مستوياتٍ قياسية متدنّية. هذا النهر شريانٌ نقلي حيوي للبضائع الصناعية كالصلب والمواد الكيميائية، وتُقدّر خبراء بنك ING أنّ انخفاض منسوبه قد يُقلّص نموّ الناتج المحلّي الألماني بمقدار 0.3 نقطة مئوية هذا العام ضربةٌ موجعة لاقتصادٍ لا ينمو أصلاً بأكثر من 1% سنوياً.
أعلنت BASF، العملاق الكيميائي الألماني، أنّها قد تعجز عن الوفاء ببعض طلبيات المواد الكيميائية بسبب انخفاض منسوب الراين الذي قيّد إمدادات مواد خام أساسية. وقالت الشركة: "نعمل على تحويل الكميّات إلى وسائل نقل بديلة كالشاحنات والسكك الحديدية"، مشيرةً إلى استخدام سفنٍ مصمّمة خصيصاً للإبحار في المياه الضحلة. وعلّقت عدّة ولايات ألمانية مؤقّتاً حظر قيادة الشاحنات يوم الأحد في إجراءٍ طارئ للحدّ من اضطرابات سلاسل الإمداد.
أعلنت المفوّضية الأوروبية في وقتٍ سابق من هذا العام أنّ الدول الأعضاء ينبغي أن تستثمر نحو 70 مليار يورو (81 مليار دولار) سنوياً حتى عام 2050 في التكيّف المناخي استثمارٌ قد يُعزّز الاقتصادات لكنّه سيُثقل كاهل الموازنات الحكومية المتعثّرة أصلاً.
في إنجلترا، البلد الذي اشتُهر تاريخياً بأمطاره الغزيرة، باتت مزرعة Rookery Farm العائلية تحصد محاصيلها في الثالثة فجراً للحفاظ على محتواها الرطوبي. قالت المزارعة Eleanor Gilbert في مقطع فيديو نشرته على Instagram: "لم تعد الحصاد مجرّد تجنّب المطر نحن الآن نتكيّف مع محاصيل قد تصبح جافّةً جداً، ما يعني الحصاد الليلي للوفاء بمعايير الجودة التي يتطلّبها عملاؤنا."
شتاءٌ بأسعار طاقةٍ مرتفعة
بينما تتصارع أوروبا مع موجات الحرّ المتتالية، يلوح في الأفق أزمةٌ طاقوية شتوية. بلغت مستويات تخزين الغاز في دول الاتحاد الأوروبي 59% من طاقتها يوم الثلاثاء، وفق بيانات Gas Infrastructure Europe وهو مستوى أدنى بكثير من المتوسّط المعتاد لهذا الوقت من العام، ويُضاهي مستويات صيف 2021 حين بدأت روسيا تقليص صادراتها من الغاز إلى القارة.
قالت Anne-Sophie Corbeau، الباحثة في مركز Columbia University للسياسة العالمية للطاقة: "أنا قلقةٌ فعلاً" إزاء قدرة الاتحاد الأوروبي على تعبئة مخزوناته المتراجعة، مضيفةً :"كانت هناك شحناتٌ قليلة جداً تخرج من مضيق هرمز، وكلّها تتّجه نحو آسيا."
الصيف هو الموسم الذهبي في أوروبا لتخزين الغاز قبل أشهر الشتاء الباردة. غير أنّ مضيق هرمز لا يزال مغلقاً فعلياً، ممّا يُعيق خُمس إمدادات العالم من الغاز الطبيعي المسال (LNG) وهو الغاز المُسيَّل المنقول بالناقلات.
يرى المحلّلون أنّ الشحنات المتبقّية، كتلك القادمة من الولايات المتحدة، ستتّجه في الغالب نحو آسيا حيث الطلب مرتفع والمشترون يدفعون أسعاراً أعلى. بيد أنّ Christoph Halser، كبير محلّلي أبحاث الغاز والغاز المسال في Rystad Energy، يُميّز بين الوضع الراهن وأزمة 2022 التاريخية التي أعقبت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وقال :"الطلب على الغاز في أوروبا اليوم أقلّ بنحو 20% ممّا كان عليه في 2021 مثلاً."
يتّفق Massimo Di Odoardo، نائب رئيس أبحاث الغاز والغاز المسال في Wood Mackenzie، على أنّ أوروبا ستتجنّب سيناريو انقطاع الكهرباء وشحّ الطاقة، مؤكّداً أنّ مخاطر النقص "مبالَغٌ فيها" وأنّ المنطقة تمتلك الوسائل للخروج من أيّ أزمة محتملة. لكنّه حذّر في الوقت ذاته: "ينبغي على أوروبا أن تقلق فعلاً من سيناريو يبقى فيه مضيق هرمز مغلقاً خلال الشتاء، لأنّ ذلك قد يُفضي بالتأكيد إلى أسعارٍ مرتفعة للغاية."
وصل سعر عقد الغاز القياسي الأوروبي إلى 61 يورو (70 دولاراً) لكلّ ميغاواط ساعي يوم الأربعاء، وهو مستوى يتجاوز بأكثر من الضعف السعر المسجَّل في اليوم ذاته من عام 2025 والبالغ 32 يورو (37 دولاراً)، وفق بيانات Intercontinental Exchange.
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة تخفّض حصة نيفادا المائية.. والولاية ترفع دعوى قضائية

الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو في بنما قد يرفع أسعار الأدوية والوقود

أكبر أزمة مائية في أميركا: بحيرة ميد تهبط إلى مستويات تاريخية
