أوروبا بين الريادة والغياب في سباق الذكاء الاصطناعي
أوروبا سبقت العالم بوضع قواعد للذكاء الاصطناعي لكنها غابت عن قيادة تطويره الآمن. هل تشكل القوانين الصارمة عائقاً أمام الابتكار وتؤخر القارة في المنافسة مع أمريكا والصين؟ اكتشف التحديات والفرص في مستقبل الذكاء الاصطناعي مع خَبَرَيْن.

ما الذي يعنيه أن تكون أوروبا أول من كتب قواعد الذكاء الاصطناعي، ثم تغيب عن الطاولات التي يُناقَش فيها كيفية جعله آمناً؟ هذا ما يحدث اليوم. فقد غابت القارة بوضوح عن المحادثات الرفيعة المستوى بشأن الذكاء الاصطناعي الآمن، رغم أن الاتحاد الأوروبي صاغ أول قواعد شاملة في العالم تحكم هذه التقنية. والسؤال الذي يشغل الأوساط الاقتصادية والسياسية هو: هل تحوّل السبق التنظيمي إلى عبء يؤخّر أوروبا عن الولايات المتحدة والصين؟
كم تبلغ الفجوة فعلاً؟
تملك أوروبا نماذج رائدة (Frontier Models) ومراكز بيانات وشركات تقنية كبرى أقل مما تملكه الولايات المتحدة والصين. وتدعم الأرقام هذا الانطباع:
بلغ الاستثمار الخاص الأوروبي في الذكاء الاصطناعي العام الماضي نحو 21 مليار دولار، مقابل 285.9 مليار دولار في الولايات المتحدة.
تستضيف الولايات المتحدة مراكز بيانات تفوق ما في أي دولة أخرى بعشرة أضعاف.
أنتجت الولايات المتحدة 59 نموذجاً بارزاً في 2025، وأنتجت الصين 35 نموذجاً، بحسب مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد ستانفورد. أما فرنسا والمملكة المتحدة فأنتجت كل منهما نموذجاً واحداً فقط.
وحذّر الاقتصادي الفرنسي الحائز جائزة نوبل فيليب أغيون من أن «أوروبا معرّضة لخطر حادّ بالتهميش على الساحة العالمية بسبب التطورات الاستثنائية في الذكاء الاصطناعي». وشارك أغيون في كتابة تقرير يدعو إلى تصحيح عاجل لمسار مستقبل الذكاء الاصطناعي في القارة، إذ تحتاج أوروبا إلى «تصحيح للمسار إن أرادت أن تزدهر في عصر الذكاء الاصطناعي».
وفي المقابل، التزم مديرون تنفيذيون في شركات ذكاء اصطناعي، معظمهم أمريكيون، مؤخراً بـ«الرقابة الذاتية» على النماذج الرائدة. أما الاستراتيجية الأوروبية للذكاء الاصطناعي الآمن فتقوم على غرامات باهظة.
وقد وصفت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، في خطاب الشهر الماضي، وضع أوروبا بأنه «محرج». وقالت إن أمام القارة خيارين: «إما أن تتريّث في التبنّي لأنها لا تستطيع حماية بياناتها، فتخسر النمو، وإما أن تتبنّى الذكاء الاصطناعي سريعاً فتصبح شديدة الاعتماد وتخاطر بفقدان حرية تنظيم اقتصادها وفق قيمها».
ماذا يفرض قانون الذكاء الاصطناعي، وكم يكلّف؟
يعالج قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act) المخاطر الناشئة عن أدوات الذكاء الاصطناعي، ويضع شروطاً تتعلق بجودة البيانات والرقابة البشرية والأمن السيبراني. وقد صاغه المشرّعون الأوروبيون قبل سنوات من تحوّل ضبط النماذج نفسها إلى نقاش رئيسي. وتُلزم المخالفةُ الشركةَ بتغيير أداتها، أو بدفع غرامة تصل إلى 3% من إيراداتها السنوية. وقد تبلغ هذه الغرامة مليارات الدولارات لأكبر شركات التقنية. ومع ذلك، لم تُنشئ دول عدة في الاتحاد بعدُ الجهات المكلّفة بإنفاذه.
وترى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في كلمة ألقتها الشهر الماضي، أن القانون «حلقة أساسية في وضع الضوابط، ويضع أوروبا في موقع يتيح لها صياغة الجهود العالمية بشأن كيفية التصدي».
لكن القانون، ومعه قانون الأسواق الرقمية واللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، أسهم في تأخير منتجات الذكاء الاصطناعي في أوروبا. فقد وصل مساعد Meta AI إلى القارة في مارس 2025، بعد نحو 18 شهراً من بدء طرحه في الولايات المتحدة. وقالت Meta في بيان إن إيصال تقنيتها إلى الأوروبيين «استغرق وقتاً أطول مما كنا نودّ، ونحن نواصل التعامل مع منظومة تنظيمية معقّدة».
ولا يقتصر الأمر على الشركات الكبرى. فقد ذكر نحو نصف الشركات المشمولة بـمسح شمل 157 ألف شركة العام الماضي أن عدم اليقين القانوني أو مخاوف حماية البيانات تقف حائلاً دون تبنّيها الذكاء الاصطناعي.
وتعبّر إلينور كريسبو، إحدى مؤسِّسي شركة Pigment الباريسية لبرمجيات الذكاء الاصطناعي، المقدَّرة قيمتها بأكثر من مليار دولار، عن قلق مماثل. فهي تتحدث عن تنظيم «يبطئنا» وعن «شركات مبتكرة»، وتحذّر: «إذا كان التنظيم يكبحنا فلن ينجح الأمر».
هل المشكلة في القانون أم في توقيته؟
يتفق خبراء على أن الوقت مبكر للحكم على القانون ما دامت قواعده تُطبَّق تدريجياً. ويقول أمير بنيفاطمي، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي المسؤول في مختبر Cognizant AI: «الحظر الوارد في القانون سليم في مجمله، ومتطلبات الشفافية مباشرة نسبياً». لكنه يضيف أن «نظام المخاطر العالية هو نقطة الضعف، ولم يبدأ سريانه بعد».
وتزيد الأدوات الجديدة الأمر تعقيداً. فوكلاء الذكاء الاصطناعي قد يجمعون أدوات من مزوّدين متعددين، ما يصعّب تحديد المسؤولية عند وقوع خلل، بحسب بنيفاطمي.
وقد خفّفت «الحزمة الشاملة للذكاء الاصطناعي» (AI Omnibus)، التي طُرحت العام الماضي، بعض متطلبات القانون. ومدّدت الجداول الزمنية لتطبيق قواعد المخاطر العالية حتى ديسمبر 2027. وتفصّل المفوضية الأوروبية دخول الحزمة حيّز التنفيذ.
ما الأوراق التي تملكها أوروبا؟
أعلنت شركة Mistral AI الباريسية الأسبوع الماضي نموذجاً تقول إنه يضاهي منافسين أمريكيين أشهر. غير أنه لم يثبت بعدُ أنه منافس جدّي لعمالقة القطاع.
وترى كريسبو أن في القارة مشاريع وشركات وأدوات ومواهب تقنية تبعث على التفاؤل. وتقول: «أنا إيجابية جداً بشأن الإمكانات لأنني أرى مشاريع رائعة». وتستعين في وصف المرحلة بتعبيري «العصور الوسطى» و«النهضة».
ويرى بنيفاطمي ميزة أخرى في التطبيقات الواقعية: «تمتلك أوروبا خبرة صناعية عميقة وبيانات متخصصة قيّمة في التصنيع والطاقة والتنقّل والرعاية الصحية». ويضيف أن «هناك قد تتشكّل القيمة الاقتصادية الكبرى للذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف».
يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع أوروبا أن تحوّل بياناتها الصناعية وقواعدها الصارمة إلى ميزة، قبل أن يتّسع الفارق في الاستثمار والبنية التحتية والنماذج أكثر مما هو عليه اليوم؟ ستكشف الأشهر المقبلة جزءاً من الجواب، مع انتظار بدء سريان نظام المخاطر العالية الذي لن يكتمل قبل ديسمبر 2027.
أخبار ذات صلة

هجمات إلكترونية تستهدف آلاف الثلاجات الذكية في فرنسا: ما مستوى القلق الحقيقي؟

Apple تكشف عن جهازٍ جديد قد يكون محوريّاً في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي

Meta تراهن على مستقبلها بنظّارات ذكية على وجهك
