أزمة الأسمدة في أوروبا وتأثيرات الحرب على إيران
يجتمع وزراء الزراعة في الاتحاد الأوروبي لمناقشة أزمة الأسمدة نتيجة الحرب على إيران. خطة جديدة تهدف لدعم المزارعين وتعزيز الإنتاج المحلي. هل ستنجح أوروبا في تقليل الاعتماد على الاستيراد وسط ارتفاع الأسعار؟ تابعوا التفاصيل مع خَبَرَيْن.

يجتمع وزراء الزراعة في الاتحاد الأوروبي هذه الأيام في بروكسل لبحث مسألة توافر الأسمدة في ظل الاضطرابات التي أحدثتها الحرب على إيران في سلاسل الإمداد العالمية.
تأتي هذه المباحثات في سياق دفع المفوضية الأوروبية بخطة عمل جديدة للأسمدة، تهدف إلى دعم المزارعين الذين يواجهون ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الإنتاج. ويُؤمَل أن تُسهم هذه الإجراءات في تعزيز الإنتاج الزراعي وتقليص اعتماد أوروبا على استيراد الغذاء.
وتتضمّن الخطة إنشاء احتياطيات من الأسمدة، وتقديم دعم طارئ للمزارعين، فضلاً عن إجراءات لتنويع مصادر الاستيراد بعيداً عن روسيا وبيلاروسيا المتورّطتين في الحرب على أوكرانيا.
ويأتي كل هذا في خضمّ الاضطرابات التي تشهدها منطقة مضيق هرمز جرّاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فهذا الممرّ الحيوي يستوعب في الأحوال الاعتيادية نحو ثلث حجم التجارة البحرية العالمية من الأسمدة، مما يُثير مخاوف جدية من أن ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة سيُلقي بأعباء إضافية على كاهل مزارعين يرزحون أصلاً تحت ضغوط مالية متراكمة.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي أقل تضرّراً من بعض مناطق العالم الأخرى، فإن هذه الاضطرابات كشفت عن خلافات داخل الكتلة حول كيفية حماية إمدادات الغذاء ووقاية المزارعين من موجة ارتفاع الأسعار.
إلى أي حدٍّ تبدو أوروبا مكشوفة؟
تستورد أوروبا كميات ضخمة من الأسمدة؛ إذ بلغت وارداتها عام 2024 نحو 2 مليون طن من الأمونيا، و5.8 مليون طن من اليوريا، و6.7 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية والخلطات المشتقة منها، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي.
يُنتج الاتحاد أيضاً أسمدةً نيتروجينية محلياً، لكن هذا الإنتاج يعتمد اعتماداً كبيراً على الغاز المستورد. وحين تدفع النزاعات في منطقة الخليج أسعار الغاز نحو الأعلى، يرتفع معها تلقائياً سعر الأسمدة المُنتَجة داخل أوروبا.
ولا تمثّل واردات الاتحاد من منطقة الشرق الأوسط سوى نحو 3 بالمئة من وارداته من الأمونيا، وما بين 1 و2 بالمئة من وارداته من الأسمدة النيتروجينية، مما يعني أن إغلاق مضيق هرمز لم يُؤثّر بشكل مباشر وكبير على الإمدادات الأوروبية. بيد أن الكتلة لا تزال تتأثّر من خلال ارتفاع الأسعار العالمية وتصاعد تكاليف الطاقة، في حين تبقى بعض الدول أكثر هشاشةً بسبب شُحّ احتياطياتها.
وقد قفزت أسعار الأسمدة النيتروجينية في أوروبا بنحو 70 بالمئة فوق متوسّطها لعام 2024، وفق ما أوردته وثائق خطة المفوضية. وقد تجلّت هذه الهشاشة بوضوح إبّان الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، حين اضطرّت عدة مصانع أوروبية للأسمدة إلى تقليص إنتاجها أو إيقافه مؤقتاً بسبب الارتفاع الحادّ في أسعار الغاز الذي جعل الإنتاج غير مجدٍ اقتصادياً.
وتقول المفوضية إن خطتها الجديدة تجمع بين إجراءات فورية لتحسين القدرة على تحمّل التكاليف وضمان أمن الإمداد، وخطوات بعيدة المدى لتعزيز الإنتاج المحلي والحدّ من الاعتماد على الاستيراد.
ما الذي يقترحه الاتحاد الأوروبي؟
تتضمّن الخطة دعماً مالياً طارئاً للمزارعين عبر الميزانية الزراعية للاتحاد، وبرامج سيولة، وصرف دفعات مسبقة بمرونة أكبر في إطار السياسة الزراعية المشتركة.
كما تدرس المفوضية سُبُلاً لدعم المزارعين الراغبين في تقليص اعتمادهم على الأسمدة الاصطناعية، من بينها تعزيز البدائل الحيوية وترشيد استخدام الأسمدة.
وفي خطوة ثانية، أقدم الاتحاد على تعليق الرسوم الجمركية على بعض الأسمدة النيتروجينية كاليوريا والأمونيا المستوردة من دول غير روسيا وبيلاروسيا. وأفادت وكالة Reuters بأن هذا التعليق قد يوفّر على المستوردين نحو 60 مليون يورو (68 مليون دولار)، علماً بأن بعض هذه الواردات كانت تخضع لتعريفات تتراوح بين 5.5 و6.5 بالمئة.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية Ursula von der Leyen إن الخطة تهدف إلى بناء "صناعة أسمدة أوروبية أكثر قوة"، مع دعم المزارعين وتسريع "حلول مستدامة محلية الصنع".
في المقابل، حذّر وزير الزراعة الإيرلندي Martin Heydon من أن ارتفاع أسعار الأسمدة جرّاء أزمة الشرق الأوسط سيُلقي بظلاله على تكاليف إنتاج الغذاء وتنافسية المزارعين الأوروبيين، مؤكداً: "إن الارتفاع في أسعار الأسمدة نتيجةً لأزمة الشرق الأوسط سيُؤثّر على تكلفة إنتاج الغذاء، وبالتالي على الاستدامة الاقتصادية وتنافسية المزارعين الأوروبيين."
أيّ الدول الأكثر عرضةً للخطر؟
لا يتوزّع التأثير بالتساوي عبر القارة الأوروبية؛ فإيرلندا تبدو الأكثر هشاشةً نظراً لشُحّ إنتاجها المحلي من الأسمدة واعتمادها الكبير على الاستيراد. يُضاف إلى ذلك أن نظامها الزراعي القائم على تربية الماشية يحتاج إلى الأسمدة النيتروجينية لتغذية المراعي، حيث يعمد كثير من المزارعين إلى شراء مخزوناتهم بين شهري فبراير وسبتمبر. وقد بلغت وارداتها من الأسمدة 1.7 مليون طن عام 2025، مما يجعل مزارعيها عُرضةً لتقلّبات الأسعار الدولية.
أما دول أخرى فهي في وضع أفضل. فنلندا تحتفظ منذ أمد بعيد باحتياطيات استراتيجية تشمل الأسمدة والحبوب والوقود. والسويد بدورها أعلنت عن خطط لتخزين الأسمدة والبذور والحبوب ضمن استراتيجيتها للدفاع الشامل عقب انضمامها إلى NATO.
وتتجلّى الانقسامات داخل الاتحاد أيضاً في ملف آلية تعديل حدود الكربون (Carbon Border Adjustment Mechanism)، التي تُضيف تكاليف على الواردات كثيفة الكربون؛ إذ تضغط إيطاليا وفرنسا للحصول على إعفاءات منها. وفي حين يرى بعض اتحادات المزارعين أن هذه الرسوم باتت عبئاً إضافياً في وقت الأزمات، تُحذّر المنظمات البيئية من أن التراخي في قواعد تلوّث النيتروجين قد يُفضي إلى تداعيات صحية وبيئية وخيمة.
وتتخذ كلٌّ من بولندا وألمانيا، اللتان تضمّان منتجين رئيسيين للأسمدة النيتروجينية، موقفاً مغايراً؛ إذ تُركّزان على رفض أي إجراءات قد تُضعف الحماية الممنوحة للصناعة المحلية، وهو ما يجعلهما أكثر معارضةً لتخفيض الرسوم على الواردات.
هل ستتأثّر أسعار الغذاء؟
لا يتوقّع مسؤولو الاتحاد الأوروبي حدوث صدمة فورية في أسعار الغذاء، إذ لا يزال كثير من المزارعين يستخدمون مخزونات من الأسمدة اشتروها قبل أن تُحدث الحرب على إيران اضطراباتها في سلاسل الإمداد.
غير أن المسؤولين يُبدون قلقاً من أن ارتفاع تكاليف الأسمدة قد يُولّد اختناقات في سلاسل الإمداد في وقت لاحق من العام. ثمّة سلسلة متأخّرة التأثير تربط الغاز بالسماد والسماد بالمحاصيل والمحاصيل بالغذاء على الموائد، وهو ما يعني أن التداعيات قد تظهر بعد ستة أشهر من الاضطراب الأوّلي.
وتتصاعد في الوقت ذاته مخاوف من أن الغضب المتراكم في الأرياف التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة ومستلزمات الإنتاج قد يتحوّل إلى موجة رفض للسياسات البيئية الخضراء، في لحظة تتقدّم فيها الأحزاب اليمينية والشعبوية في المشهد السياسي الأوروبي.
بيد أن أوروبا تبقى، في المحصّلة، أقل انكشافاً من كثير من مناطق العالم. فالمخاطر الأشدّ وطأةً تتركّز في الدول الأكثر اعتماداً على إمدادات الأسمدة والطاقة الخليجية، ولا سيما في أجزاء من أفريقيا وجنوب آسيا.
أخبار ذات صلة

النمو الاقتصادي الأمريكي في الربع الثاني أقلّ من التوقّعات

أسعار الفائدة الأمريكية على حالها وسط مخاوف من استمرار التضخّم

بيانات متضاربة تحيّر الاحتياطي الفيدرالي
