إيبولا في الكونغو هل يكفي الوعي للحد من الانتشار؟
في شرق جمهورية الكونغو، تواجه هيلين أكيليمالي تحديات كبيرة في بيع الكاكاو وسط تفشي إيبولا. معلومات مضللة وسلوكيات غير مسؤولة تهدد حياة الناس. تعرف على الوضع المتأزم وكيف يؤثر النزاع على جهود التصدي للفيروس. خَبَرَيْن.

في سوق شعبي بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تقف هيلين أكيليمالي خلف بسطتها لبيع الكاكاو، وهي تحرص على ارتداء الكمامة في كل مكان تذهب إليه. لكنّ طبيعة عملها اليومي تضعها في تماسٍّ مستمر مع عشرات الأشخاص، بعضهم لا يؤمن أصلاً بوجود المرض. وهي لا تملك أيّ سيطرة على تصرّفاتهم.
تقول أكيليمالي بنبرةٍ حازمة: "إيبولا مرضٌ حقيقي. على الناس أن يتوقّفوا عن خداع أنفسهم"، محذّرةً من أنّ المعلومات المضلِّلة والأساطير المتداولة حول الفيروس، إلى جانب الاستهتار بإجراءات الوقاية، تودي بحياة الناس.
وتضيف : "أنا دائماً أضع الكمامة. أمّا الزبائن، فحين يأتون، قد يضعونها أو لا يضعونها. لا يمكنك أن تطردهم."
إيبولا يتمدّد في مناطق النزاع
يصف سكّان إقليمَي إيتوري وشمال كيفو، الأكثر تضرّراً من هذا التفشّي، واقعاً مركّباً: فهم لا يواجهون بطء الاستجابة الصحية فحسب، بل يصطدمون أيضاً بموجةٍ من المعلومات الكاذبة وبتهاونٍ واسع في ارتداء الكمامات.
يقول إيلي إيلونغا، أحد سكّان مدينة بونيا عاصمة إقليم إيتوري: "كنّا نرى الناس يموتون ونظنّ الأمر مزحة، لكنّنا الآن نرى بأعيننا أنّه حقيقي. المرض موجودٌ هنا بلا شكّ."
أعلنت منظمة الصحة العالمية أنّ عدد الوفيات المرتبطة بتفشّي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية بلغ 177 حالة على الأقل، فيما تجاوز عدد الحالات المشتبه بها 750 حالة حتى الآن. ويُعتقد أنّ التفشّي بدأ في منطقةٍ ريفية قبل أن يمتدّ إلى مدن كبرى من بينها بونيا وغوما. كما سجّلت أوغندا المجاورة 5 حالات مؤكّدة و وفاتَين.
ورفعت المنظمة الأممية يوم الجمعة مستوى الخطر إلى "مرتفع جداً" داخل الكونغو، و"مرتفع" على المستوى الإقليمي، مع الإشارة إلى أنّ الخطر لا يزال منخفضاً على المستوى العالمي. وحذّرت المنظمة من أنّ أعداد الإصابات "ستواصل الارتفاع، نظراً للمدة الطويلة التي ظلّ فيها الفيروس ينتشر قبل اكتشاف التفشّي".
ويرى إيلونغا، الذي نصب حوضاً لغسل اليدين في منزله حمايةً لأسرته ويحثّ جيرانه على التوقّف عن الشكّ، أنّ "من يشكّكون ربّما لم يفقدوا أحداً بعد، أو لم تُصَب أسرهم حتى الآن."
توتّرات ميدانية وحرائق في المستشفيات
في يوم الخميس، اشتعلت التوترات في إقليم إيتوري حين حاول ذوو شابٍّ توفّي بإيبولا انتزاع جثّته "بالقوة" من مستشفى روامبارا، وفق ما أفاد به مسؤولٌ محلي . وأقدم محتجّون على إضرام النار في المنشأة الصحية، فأتت النيران على خيمتَين من خيام المستشفى. وفي اليوم التالي، أعلنت السلطات المحلية في إيتوري قيوداً على التجمّعات العامة وحظراً على مجالس العزاء.
وأبدى المسؤولون الصحيون قلقاً بالغاً من أنّ مراسم الجنازات التقليدية وطقوس الحداد قد تُسرّع انتشار الفيروس، إذ إنّ جثث ضحايا إيبولا شديدة العدوى. وكان ناشطٌ مجتمعي في بونيا قد قال في وقتٍ سابق بأنّ عادةً جنائزية محلية تقتضي لمس المتوفَّى ربّما أسهمت في ارتفاع أعداد الإصابات.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس يوم الجمعة إثر حادثة الحريق: "بناء الثقة مع المجتمعات المتضرّرة أمرٌ بالغ الأهمية لنجاح الاستجابة، وهو من أعلى أولوياتنا. كما نلتزم بضمان استمرار الخدمات الأساسية لهذه المجتمعات وتعزيزها."
أزمة تموين وتراجع في التمويل
تتشابك عواملُ عدّة تُعقّد الاستجابة الطارئة: فالمنطقة تقع في قلب نزاعٍ مسلّح، ونحو مليوني شخص نازحون فيها، فضلاً عن ضعفٍ تاريخي مزمن في البنية التحتية الصحية لشرق الكونغو. ويزيد الأمر تعقيداً أنّ السلالة الفيروسية المسبِّبة لهذا التفشّي لا يوجد لها حتى الآن لقاحٌ أو علاجٌ معتمد.
وأفاد عمّال الإغاثة بأنّ تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وخفض التمويل الأمريكي قبيل اندلاع التفشّي أعاقا جهود الاستجابة. غير أنّ مسؤولاً في وزارة الخارجية الأمريكية نفى هذه الادعاءات، مؤكّداً أنّ أيّاً من قرارات إدارة Trump لم تعرقل هذه الجهود.
وقال غريغ رام، مدير منظمة Save the Children في الكونغو، عقب زيارةٍ إنسانية لإقليم إيتوري: "نحن في سباقٍ مع الزمن. الموارد الصحية غير كافية." وأضاف: "الهدف هو إبقاء المراكز الصحية عاملةً لتشجيع المرضى على طلب المساعدة. آخر ما نحتاجه الآن هو انهيار المنظومة الصحية."
وأشار رام إلى أنّ التمويل الإنساني أقلّ بكثير ممّا كان عليه قبل سنتَين، فيما تعمل فرق المنظمة إلى جانب السلطات المحلية لتوفير مستلزماتٍ أساسية كالمطهّرات والكلور للعيادات.
الخبراء يحذّرون من تداعيات أوسع
يخشى الخبراء أن يؤدّي خوف الناس من المستشفيات إلى وفياتٍ إضافية جرّاء أمراضٍ أخرى كالملاريا والحصبة وسوء التغذية، لا سيّما أنّ الأطفال دون الخامسة هم الأكثر عرضةً للخطر، وفق ما حذّر منه المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا.
ويشدّد الأطباء العاملون في شرق الكونغو على ضرورة تجنّب ملامسة أيّ شخصٍ يُشتبه في إصابته بإيبولا، والامتناع عن التلامس الجسدي غير الضروري كالأحضان، وتجنّب لمس الحيوانات النافقة.
وقال الدكتور مورابو هوغ: "على كلّ شخصٍ أن يتبنّى سلوكاً وقائياً لكسر سلسلة العدوى."
وفي أوغندا، دعا الرئيس يويري موسيفيني المواطنين إلى الامتناع عن المصافحة، مع تأكيده أنّ الغالبية العظمى من الحالات لا تزال في الكونغو. و وصفت منظمة الصحة العالمية الوضع في أوغندا يوم الجمعة بأنّه "مستقر".
أمّا على صعيد اللقاحات، فقد أعلن مدير عام مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC)، الدكتور جان كاسيا، أنّ السلطات تعمل على توفير الأدوية اللازمة للعلاج، مع المضيّ قُدُماً في تطوير لقاح. وقال للصحفيين: "سيستغرق إتمام اللقاح أشهراً عدّة. ومن يعطيك رقماً محدّداً فهو لا يقول الحقيقة. قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً."
في بونيا، تختصر ألين كيتامبالا ماسيكا، القادمة أصلاً من إقليم شمال كيفو، المشهدَ كلّه في جملةٍ واحدة حين تتحدّث عن ضرورة ارتداء وسائل الحماية الشخصية: "إيبولا دمّر عائلتي بأكملها."
أخبار ذات صلة

الكونغو الديمقراطية والإيبولا: لماذا لا يوجد لقاح أو علاج متاح الآن؟

نظام صحي مُعاد البناء... شرط أساسي لشفاء سوريا

أوغندا تؤكد 3 حالات إيبولا جديدة و 10 دول في دائرة الخطر
