هروب شجاع عبر البحر بحثاً عن الحرية
نجا الناشط الصيني Dong Guangping من رحلة بحرية قاسية استمرت 30 ساعة، ليصل إلى كوريا الجنوبية بعد سنوات من الاضطهاد. قصته تلقي الضوء على معاناة اللاجئين وواقع حقوق الإنسان في الصين. هل ستحميه سيول؟ تفاصيل مثيرة على خَبَرَيْن.

في صباحٍ من صباحات يونيو، رصدَ صيّادون كوريون جنوبيون قارباً صغيراً يبحر في مياه بحر الصين الشرقي قرب منطقة تايان الساحلية غرب شبه الجزيرة الكورية. لم يكن على متنه سوى رجلٍ واحد، في الثامنة والستين من عمره، لم ينم منذ يومَين، وكاد يفقد وعيه حين اقترب من الشاطئ. كان قد قطع المسافة من مدينة ويهاي الصينية في أقصى شرق مقاطعة شاندونغ وحيداً، على متن قاربٍ مطاطي صغير، في رحلةٍ استغرقت أكثر من 30 ساعة فوق مياهٍ مفتوحة.
هذا الرجل هو Dong Guangping، الناشط الصيني المعارض والضابط الشرطي السابق الذي دفع ثمن آرائه سنواتٍ من السجن والاعتقال والترحيل القسري. وصوله إلى كوريا الجنوبية يُمثّل محطّةً رابعة في مسيرة هروبٍ متقطّعة امتدّت لأكثر من عقد، وفي كلّ مرّةٍ كان يقترب فيها من حلمه، كانت يدٌ ما تسحبه للخلف.
رحلة الـ30 ساعة
أكّد محامي Dong، Kim Joo-kwang، هويّته، مشيراً إلى أنّ التحقيق لا يزال جارياً مع خفر السواحل الكوري الجنوبي. وقالت الناشطة الكندية الصينية Sheng Xue، التي تحدّثت إليه هاتفياً بعد وصوله، إنّه أخبرها بأنّه أمضى أكثر من 30 ساعة في البحر منذ مغادرته ويهاي، وإنّ محرّك قاربه تعطّل حين اقترب من الشاطئ.
"حين كلّمته، قال لي: 'وصلت!'. كان فخوراً جداً بذلك"، تستعيد Sheng تلك اللحظة. وتضيف أنّه لم ينم يومَين كاملَين، وكاد يُغمى عليه لحظة الوصول. "كان محظوظاً لأنّه اقترب من الشاطئ. قارب صغير في عرض البحر من الصعب جداً التحكّم فيه."
خفر السواحل الكوري الجنوبي أكّد أنّ صيّادين رصدوا قارباً مجهولاً مساء الاثنين وأبلغوا السلطات، وأنّ الشخص الذي كان على متنه مواطنٌ صيني في الستينيات من عمره، غير أنّه رفض الكشف عن هويّته استناداً إلى قوانين حماية الخصوصية. كما أفاد خفر السواحل بأنّ Dong اعتُقل بتهمة الاشتباه في انتهاك قانون الهجرة، وأنّ قضيّته ستُحال لاحقاً إلى النيابة العامة.
عقدٌ من المحاولات والخسارات
لفهم ما دفع رجلاً في هذه السنّ إلى ركوب قاربٍ مطاطي في البحر المفتوح، لا بدّ من العودة إلى عام 1999.
كان Dong يعمل ضابطاً في الشرطة بمدينة Zhengzhou، عاصمة مقاطعة Henan وسط الصين، حين وقّع رسالةً تُحيي ذكرى العاشرة لمجزرة ميدان تيانانمين عام 1989. أُقيل من منصبه بسبب ذلك. وفي عام 2001، سُجن ثلاث سنوات بسبب نشاطه الحقوقي. وفي مايو 2014، اعتُقل مجدّداً إثر مشاركته في إحياءٍ آخر لذكرى ضحايا تيانانمين، وفق ما وثّقته منظمة Amnesty International.
في عام 2015، فرّ Dong إلى تايلاند برفقة زوجته وابنته، حيث تقدّموا بطلب لجوء لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. تمكّنت الزوجة والابنة من الانتقال إلى كندا، لكنّ السلطات التايلاندية رحّلت Dong قسراً إلى الصين رغم نداءات عائلته ومنظمات حقوق الإنسان. صدر بحقّه حكمٌ بالسجن ثلاث سنوات ونصف، وأُفرج عنه عام 2019.
بعد الإفراج عنه، حاول Dong السباحة نحو جزيرة Kinmen التي تسيطر عليها تايوان وتبعد بضعة كيلومترات عن الساحل الشرقي للصين، لكنّ المحاولة باءت بالفشل. وفي عام 2020، تمكّن من العبور غير النظامي إلى فيتنام، غير أنّ السلطات الفيتنامية اعتقلته وأعادته إلى الصين عام 2022. صدر بحقّه حكمٌ بالسجن 11 شهراً بتهمة "العبور غير القانوني للحدود"، وأُطلق سراحه في أكتوبر 2023 وفق ما رصدته منظمة Front Line Defenders الدولية لحقوق الإنسان.
خلال فترات اختفائه، أطلقت عائلته في كندا نداءاتٍ علنية للكشف عن مكانه، وسلّمت رسائل إلى السفارتَين الصينية والفيتنامية في أوتاوا. وقالت ابنته Katherine Dong في وقتٍ سابق إنّ والدها يُقدم على هذه المحاولات المتكرّرة لأنّ "حلمه في لمّ شمل العائلة كان أقوى من كلّ شيء". وأضافت: "ثمّ يُسرق هذا الحلم مرّةً أخرى. أعلم أنّه في الصين سيواجه مزيداً من الاضطهاد والإساءة والظلم."
في أعقاب هروبه الأخير، آثرت عائلته الصمت ورفضت التعليق عبر Sheng وأصدقاء مشتركين.
ضغطٌ على سيول
وصول Dong إلى كوريا الجنوبية يضع إدارة الرئيس Lee Jae Myung الذي تولّى منصبه العام الماضي وسعى إلى إعادة ضبط العلاقات مع بكين أمام معادلةٍ دبلوماسية حسّاسة. فكوريا الجنوبية تعتمد سياسةً هجرةٍ صارمة تاريخياً، وطلبات اللجوء فيها نادراً ما تُقبل.
منظمة Human Rights in China طالبت سيول بحماية Dong ورفض ترحيله. وقالت في بيانٍ لها: "لأكثر من عقد، لم يتوقّف عن السعي نحو الحرية ولمّ شمل عائلته. أن يُضطرّ رجلٌ يقترب من السبعين إلى اجتياز البحر المفتوح في قاربٍ مطاطي صغير هذا وحده إدانةٌ صارخة لواقع حقوق الإنسان في الصين."
وكتبت Sheng Xue رسالةً إلى وزارة الشؤون الخارجية الكندية تطالب فيها بالتدخّل، محذّرةً من أنّ "أيّ ترحيل قسري، في ضوء تاريخه، سيعرّضه لخطرٍ جسيم من السجن والتعذيب والاختفاء القسري، وربّما الموت."
مسالك الهروب تضيق
ما فعله Dong ليس استثناءً منفرداً، بل جزءٌ من نمطٍ أوسع بدأ يتشكّل في السنوات الأخيرة. مع تشديد الصين قبضتها على المعارضة السياسية والاحتجاجات، مستعينةً بمنظومةٍ متطوّرة من الرقابة والتعرّف على الوجوه وأدوات الذكاء الاصطناعي، باتت الدول المجاورة كتايلاند وفيتنام التي لها سجلٌّ متذبذب في التعامل مع المعارضين الصينيين محطّاتٍ خطرة لا ملاجئ آمنة.
في أغسطس 2023، اجتاز معارضٌ صيني البحر من مقاطعة شاندونغ إلى مدينة Incheon الكورية الجنوبية مسافة تبلغ نحو 400 كيلومتر على متن دراجةٍ مائية (جت سكي)، محمّلاً بخوذة وبوصلة ومناظير وخمسة خزّاناتٍ للوقود. يُعتقد أنّه الناشط Kwon Pyong.
كندا تظلّ الوجهة المفضّلة للمعارضين الصينيين، وقد منحت Dong نفسه حقّ اللجوء. أمّا الولايات المتحدة، التي استقبلت تاريخياً أعداداً كبيرة من الناشطين الصينيين، فقد ضيّقت إدارة Trump هذا الخيار بشكلٍ حادّ من خلال تقليص حصص اللاجئين السنوية، مع استثناءٍ خاصّ للبيض من جنوب أفريقيا.
لا يزال غير معروفٍ ما إذا كان Dong سيتقدّم بطلب لجوءٍ في كوريا الجنوبية.
في مكانٍ ما على الساحل الكوري الجنوبي، يجلس رجلٌ في الثامنة والستين، مُنهَكٌ ومعتقل، لكنّه للمرّة الأولى منذ سنواتٍ طويلة على الجانب الآخر من البحر. حلمه في لمّ شمل عائلته في كندا لا يزال بعيداً، والطريق أمامه مجهولة. لكنّه وصل.
أخبار ذات صلة

الأمم المتحدة تحقّق في جرائم حرب محتملة لإسرائيل في لبنان

معركة الحقوق الإيطالية العالمية تستقبل بصيص أمل جديد

قائمة اليونسكو للتراث المهدّد: الضفة الغربية ولبنان على الخط الأول
