تحولات جدولة التمهيدية الديمقراطية تغير قواعد اللعبة
خَبَرَيْن يكشف كيف غيّر الحزب الديمقراطي ترتيب ولايات التمهيدية ليبدأ السباق من ساوث كارولاينا ونيفادا بدلاً من أيوا ونيو هامبشير، خطوة تعكس تنوع الحزب وتزيد المنافسة بين أجنحته استعداداً للانتخابات الكبرى.

في مدينة أوستن بولاية تكساس، وفي اليوم الأخير من اجتماعه الصيفي السنوي، أقرّ المجلس الوطني للحزب الديمقراطي الأمريكي (DNC) جدولاً زمنياً جديداً لانتخابات التمهيدية لعام 2028، يُعيد رسم خريطة السباق نحو الترشّح الرئاسي للحزب بصورةٍ جذرية. القرار ليس إجراءً تقنياً عابراً، بل هو تحوّلٌ في بنية السلطة داخل الحزب، يُعيد توزيع الأوراق قبل ثلاث سنوات من الاستحقاق الانتخابي الكبير.
الجديد في هذا الجدول أنّه يُزيح ولايتَي أيوا ونيو هامبشير من موقعهما التاريخي في صدارة السباق، وهو موقعٌ احتفظتا به قرابة خمسة عقود. وتحلّ محلّهما ولايتا ساوث كارولاينا ونيفادا، وهما ساحتا معركةٍ تتميّزان بتنوّعٍ عرقي واضح. بموجب الجدول الجديد، ستُطلق ساوث كارولاينا السباقَ في أواخر يناير 2028، تليها نيفادا في مطلع فبراير، ثمّ نيو هامبشير ونيو مكسيكو، وبعدهما ميشيغان وفيرجينيا في بقية شهر فبراير، قبل أن تنطلق بقية الولايات في مارس.
لماذا هذا التغيير مختلف هذه المرّة؟
العبث بقواعد الترشيح الرئاسي ليس بدعةً جديدة في الحزب الديمقراطي؛ فقد أعاد الحزب كتابة قواعد الترشيح بصورةٍ جوهرية في أعقاب انتخابات 1968 و1980 و1984 و2004 و2016. غير أنّ كلّ ذلك التعديل طال القواعدَ دون أن يمسّ ترتيب الولايات الذي ظلّ ثابتاً بشكلٍ لافت.
منذ عام 1972، حين انتقلت سلطة اختيار المرشّحين من زعماء الحزب إلى الناخبين عبر التمهيديات والقوقس، ظلّ سباق الترشيح يبدأ دائماً بقوقس أيوا، ثمّ بالتمهيدية في نيو هامبشير التي يُلزمها قانونها المحلّي بأن تكون الأولى. وطوال نصف القرن تلك، لم يفز بالترشيح إلا ثلاثة مرشّحين دون أن يحسموا أيٍّ من الولايتَين: جورج ماكغوفرن عام 1972، وبيل كلينتون عام 1992، وجو بايدن عام 2020 وكان بايدن الوحيد الذي لم يحتلّ المركز الثاني على الأقل في إحداهما.
بعد انتخابات 2004، وفي خضمّ استياءٍ واسع من هيمنة أيوا ونيو هامبشير على حزبٍ يزداد تنوّعاً، أُضيفت نيفادا وساوث كارولاينا إلى مرحلة ما قبل «سوبر تيوزداي». وقد أثبتت ساوث كارولاينا بثقلها الانتخابي الأسود نفوذاً استثنائياً؛ إذ فاز المنتصر فيها بالترشيح في 2008 (باراك أوباما) و2016 (هيلاري كلينتون) و2020 (جو بايدن).
ومع ذلك، ظلّ كثيرٌ من الديمقراطيين ساخطين من تأثير أيوا ونيو هامبشير غير المتناسب مع حجمهما. وفي عام 2024، فرض بايدن الذي لم يُبدِ ولاءً كبيراً لأيٍّ من الولايتَين بعد أدائه الضعيف فيهما عام 2020 جدولاً جديداً جعل ساوث كارولاينا أولاً، تليها نيفادا ونيو هامبشير وميشيغان. لكنّ الجدول لم يُختبر فعلياً ذلك العام، إذ لم يواجه بايدن منافساً جدّياً في التمهيديات.
الجدول الذي وافقت عليه لجنة القواعد واللوائح في DNC الشهر الماضي، وأقرّه المجلس الوطني الكامل السبت في أوستن، يسير على خطى نموذج 2024، مع إضافة نيو مكسيكو بعد نيو هامبشير وفيرجينيا بعد ميشيغان.
في وقتٍ تتعرّض فيه قيادة الحزب وكين مارتن، رئيس DNC، لانتقاداتٍ على عدّة جبهات، حظي الجدول الجديد بإشادةٍ واسعة من مختلف أطياف الحزب. فهو يجمع بين ولاياتٍ كبيرة وصغيرة، وولاياتٍ بكثافةٍ سكانية سوداء (ساوث كارولاينا وميشيغان وفيرجينيا)، وأخرى بحضورٍ لاتيني واسع (نيفادا ونيو مكسيكو)، وثالثة بحضورٍ نقابي قوي (نيفادا وميشيغان)، فضلاً عن تمثيل المناطق الأربع التي يُقسّمها الحزب.
قال مارتن في مقابلة: "لستُ هنا لأفوز في تمهيديات، وكذلك مرشّحونا للرئاسة. الأهمّ هو أن يخرج من يفوز من هذه العملية أيّاً كان الجناح الذي يمثّله مستعداً للانتخابات العامة. واختباره بمواجهة كلّ أجزاء ائتلافنا وكلّ أجزاء البلاد هو ما يُهيّئ الفائز للفوز فعلاً."
ماذا يعني هذا في ظلّ الصراع الداخلي للحزب؟
يتصارع الجناح التقدّمي والجناح الوسطي للحزب الديمقراطي هذا العام على توجّه الحزب في أعنف موجة تمهيديات داخلية في تاريخه الحديث. وكلّ هذه المعارك بين اليسار والوسط تُرسل إشارةً واضحة: المنافسة الداخلية على الترشيح الرئاسي عام 2028 ستكون استثنائية. والجدول الجديد يُضيف إلى هذا الصراع بُعداً جديداً من عدم اليقين.
يُجمع معظم الاستراتيجيين على أنّ الجدول لا يمنح أيّاً من الجناحَين أفضليةً واضحة. يقول دان كانّينن، مدير الولايات المتأرجحة في حملتَي بايدن وكامالا هاريس عام 2024: "أعتقد أنّ كلّ مرشّح، سواءٌ كان من الجناح التقدّمي أو الوسطي أو المؤسّسي، يمكنه رسم مسارٍ يرتاح إليه."
ويرى جيسي ليريش، المستشار الديمقراطي الذي يُصدر نشرةً إخبارية إلكترونية وبودكاست حول سباق 2028، أنّ الجدول "عادلٌ لليسار وللوسط"، مضيفاً: "لديك ولاياتٌ أكثر محافظةً وأخرى أكثر تقدّمية، وناخبون أكثر تنوّعاً وأقلّ تنوّعاً."
ويوافقه آدم كارلسون، المستطلِع الديمقراطي المقرّب من الجناح التقدّمي، مؤكّداً أنّ الجدول "جيّدٌ جداً" للمرشّحين اليساريين المحتملين، قائلاً: "بصراحة، كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير لليسار ممّا انتهى إليه."
ساوث كارولاينا وفيرجينيا: رهان الوسط
بالنسبة للمرشّحين البيض ذوي التوجّه الوسطي وهم مجموعةٌ تضمّ محتملاً حكّامَ مثل جوش شابيرو وغافين نيوسم وآندي بيشير، وسيناتورَين كمارك كيلي وجون أوسوف، ووزير النقل السابق بيت بوتيجيج، ورئيس بلدية شيكاغو السابق رام إيمانويل تبرز ساوث كارولاينا وفيرجينيا بوصفهما أهمّ الفرص المبكّرة.
ففي تمهيديات 2020، وفق استطلاعات الخروج، عرّف نحو نصف الناخبين الديمقراطيين في الولايتَين عن أنفسهم بأنّهم معتدلون أو محافظون، وهي نسبةٌ أعلى بكثير من بقية الولايات الست الأولى. والناخبون السود والبيض من حاملي الشهادات الجامعية في هاتَين الولايتَين أكثر ميلاً للتعريف عن أنفسهم بالاعتدال.
أنقذ الناخبون السود في ساوث كارولاينا ترشيح بايدن عام 2020 بعد تعثّره المبكّر، وأيّد منهم نحو 15% فقط السيناتور بيرني ساندرز في 2016 و2020 وهو النموذج الذي سيستلهم منه أيّ مرشّح يساري في 2028. يقول باكاري سيلرز، الناشط الديمقراطي المقيم في ساوث كارولاينا والمعلّق السياسي : "لن نُلزَم باجتياز اختبار مواقف اليسار المتطرّف."
غير أنّ التعقيد الذي يواجه المرشّحين الوسطيين البيض هو أنّ الناخبين السود في ساوث كارولاينا الذين شكّلوا نحو ثلاثة أخماس الناخبين عام 2020 قد ينجذبون إلى مرشّحٍ أسود قابلٍ للفوز، بصرف النظر عن موقعه على الطيف الأيديولوجي.
يتّفق المحلّلون على أنّ نائب الرئيس السابقة كامالا هاريس ستبدأ السباق بقاعدةٍ راسخة في الولاية، وأنّ تقدّمها في الجدول قد يُشجّعها على الترشّح. كتب ليريش في نشرته معبّراً عن توقّعات كثير من الاستراتيجيين: "الترتيب الجديد انقلابٌ لصالح هاريس من النوع الذي قد يُقنعها بالترشّح." كما قد يُشجّع تصدّر ساوث كارولاينا مرشّحاً أسود آخر، كحاكم ماريلاند ويس مور أو سيناتور جورجيا رافاييل وارنوك، لا سيّما إن قرّرت هاريس عدم الترشّح.
أمّا فيرجينيا، بوصفها آخر ولايةٍ تصوّت قبل «سوبر تيوزداي»، فهي تتسلّم الدور المحوري الذي اضطلعت به ساوث كارولاينا سابقاً. دأب ديمقراطيو فيرجينيا على تفضيل المعتدلين في التمهيديات الرئاسية، رافضين ساندرز لصالح كلينتون وبايدن، وكذلك في انتخاباتهم المحلّية مع مرشّحين كالحاكمة أبيغيل سبانبرغر والسيناتورَين مارك وارنر وتيم كين. يقول لاري سابيتو، مدير مركز السياسة في جامعة فيرجينيا: "هؤلاء الثلاثة قد يتعاونون لمساعدة الديمقراطيين في الحصول على مرشّحٍ قادرٍ على الفوز في نوفمبر."
الولايات الوسطى: رهان اليسار؟
يرى كثيرٌ من الديمقراطيين أنّ الولايات الواقعة بين ساوث كارولاينا وفيرجينيا ستميل عموماً لصالح مرشّحي اليسار، كأعضاء الكونغرس ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز ورو خانّا، والسيناتورَين كريس فان هولين وكريس مورفي. يقول كارلسون إنّه مع صفّ نيفادا ونيو هامبشير ونيو مكسيكو في المرحلة الوسطى، "من السهل تخيّل" مرشّحٍ يساري "يكتسح الثلاث، أو اثنتَين من الثلاث" بعد ساوث كارولاينا، ممّا يمنحه زخماً حقيقياً حين يصل إلى ميشيغان وفيرجينيا.
يوافق ديف جاكوبسون، المستشار الديمقراطي الذي عمل كثيراً في نيو مكسيكو، على أنّ الولاية رغم أنّها ليست ليبراليةً ثقافياً ستكون مستعدّةً لاستقبال خطاب اقتصادي على غرار ساندرز. يقول: "نيو مكسيكو من أفقر الولايات. الديمقراطيون الذين يُقدّمون رسالةً شعبوية اقتصادية تقدّمية حول تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والتعليم يجدون صدىً لدى ناخبي التمهيديات."
لكنّ آخرين يرفضون التسليم بأنّ نيفادا ونيو هامبشير ستنحازان تلقائياً لليسار. صحيحٌ أنّ ساندرز فاز في نيفادا عام 2020، وأنّ 31% من ناخبيها عرّفوا عن أنفسهم بأنّهم "ليبراليون جداً"، لكنّ ذلك كان في إطار قوقس. في 2028، ستُجري نيفادا تمهيديةً مفتوحة، وافتراض أنّ قاعدةً أوسع من الناخبين ستنحاز لليسار المتطرّف هو "تفكيرٌ تمنّيٌّ من بعضهم"، وفق ما يقوله تيد باباجورج، أمين صندوق نقابة عمّال الطهي والخدمة (Culinary Workers Union)، القوّة السياسية الأكثر نفوذاً في الولاية. فالنقابة التي تمثّل عمّال الخدمة في كازينوهات لاس فيغاس عارضت منذ أمدٍ بعيد مقترح «Medicare for All»، وهو الخيار الذي سيُرجَّح أن يرفعه أيّ مرشّحٍ يساري لواءه في 2028.
أمّا نيو هامبشير، فقد فاز فيها ساندرز في 2016 و2020، لكنّ المرشّحين الأكثر اعتدالاً (بوتيجيج وبايدن وكلوبوشار) جمعوا معاً ما يزيد على نصف الأصوات في 2020. وقاعدة الناخبين البيض من حاملي الشهادات الجامعية في الولاية قد تنحاز لليسار كما فعلت في تمهيديات هذا العام، لكنّها في الماضي انجذبت أيضاً لمرشّحين وسطيين ذوي كاريزما فكرية كغاري هارت وبيل برادلي وبوتيجيج.
ميشيغان: الاختبار الأصعب
من بين جميع ولايات الجدول المبكّر لعام 2028، تبدو ميشيغان الأكثر توازناً بين اليسار والوسط وهو ما أثبتته مجدّداً في تمهيديات مجلس الشيوخ الأخيرة، حين فاز المرشّح التقدّمي عبد الإله السيّد بفارق نحو 15,000 صوت على المرشّحة الوسطية النائبة هيلي ستيفنز. وهذا يستحضر فوز ساندرز الهشّ على كلينتون في الولاية عام 2016، في مقابل تفوّق بايدن الحاسم عليه عام 2020. وبتنوّعها الديموغرافي الذي يجمع الناخبين السود والبيض من ذوي الشهادات الجامعية وغيرهم، قد تكون ميشيغان الاختبار الأمثل لمعرفة أيّ المرشّحين قادرٌ على بناء أوسع تحالفٍ ممكن داخل الحزب.
يُشير كانّينن إلى أنّ ميشيغان وفيرجينيا ستختبران المرشّحين بطريقةٍ جديدة، إذ هما أكثر كثافةً سكانية من أيٍّ من الولايات الأولى السابقة. يقول: "حين تصل إلى ميشيغان وفيرجينيا، عليك أن تكون لاعباً بخمس أدواتٍ متكاملة كي تُؤخذ بجدّية" مستعيراً تعبيراً من عالم البيسبول للإشارة إلى اللاعب متعدّد المهارات. المرشّح الذي لا يمتلك "إطاراً متيناً" قادراً على استقطاب "كلّ الشرائح المتباينة في الائتلاف الديمقراطي" لن يُحقّق نتائج طيّبة في هاتَين الولايتَين.
المفتاح الذهبي للجدول الجديد
إن كان ثمّة مفتاحٌ ذهبي لهذا الجدول الجديد، فهو أنّه سيُكافئ المرشّح القادر على استقطاب الناخبين السود (الحاضرين بقوّة في نصف الولايات الأولى) والناخبين البيض من حاملي الشهادات الجامعية (الذين سيتجاوزون على الأرجح نظراءهم من غير الجامعيين في جميع الولايات عدا نيو مكسيكو وربّما ميشيغان). تاريخياً، لم يكن الجمع بين هاتَين الفئتَين سهلاً، إذ ينجذب الناخبون السود عادةً نحو خياراتٍ عملية وواقعية كآل كلينتون وبايدن، بينما يميل البيض الجامعيون نحو بدائل أيديولوجية أو مثالية كساندرز وغاري هارت. المرشّح الوحيد في العصر الحديث الذي نجح في الجمع بين الفئتَين كان أوباما عام 2008، والولايات التي اعتمد عليها لهزيمة هيلاري كلينتون في ذلك السباق الملحمي قد تُقدّم أوضح خريطةٍ للنجاح في هذا الجدول الجديد.
غير أنّ سابيتو يُذكّر بأنّ التغييرات التي أجراها الديمقراطيون على قواعدهم وجداولهم على مرّ السنين نادراً ما أسفرت عمّا خُطّط لها. يقول: "حين تحاول هيكلة عملية اختيارٍ لإنتاج نتيجةٍ بعينها، خاصّةً في هذا الحزب، فالأرجح أنّك ستُصاب بخيبة أمل." ومع ذلك، ومهما كانت تداعياته في 2028، يظلّ الجدول الجديد أكبر إعادة ترتيبٍ لتمهيديات الحزب الديمقراطي منذ أكثر من نصف قرن وبدايةً لحقبةٍ جديدة في تاريخ الحزب.
أخبار ذات صلة

الانقسام الجمهوري في ألاسكا: هل يهدّد "دان سوليفان" المضاعف مصالح الحزب؟

خدمة البريد الأمريكية تفرض قيوداً على الاقتراع بالبريد رغم حكم المحكمة

الجدل حول مشروع الأمن الحدودي في حديقة بيج بند الوطنية
