خَبَرَيْن logo

تأثير تدمير الطلب على الاقتصاد الأمريكي

تدمير الطلب يهدد الاقتصاد الأمريكي مع ارتفاع أسعار النفط. كيف تؤثر صدمة الأسعار على إنفاق الأسر وثقة المستهلكين؟ اكتشفوا التفاعلات المحتملة والتداعيات على القطاعات المختلفة في هذا التحليل العميق. خَبَرَيْن.

رجل يعبئ الوقود في محطة، بينما تشرق الشمس خلفه، مما يبرز تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على حياة المستهلكين.
سائق شاحنة كبيرة يقوم بتعبئة الوقود في محطة بنزين بايلوت في إلوي، أريزونا، بتاريخ 18 مارس 2026. ريبيكا نوبل/بلومبرغ/صور غيتي.
التصنيف:اقتصاد
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تبدو عبارة "تدمير الطلب" (Demand Destruction) قاسيةً في ظاهرها، وهي كذلك في جوهرها: فحين تبلغ صدمة الأسعار حدّاً كافياً من الحدّة والاستمرار، تتحوّل أنماط الإنفاق تحوّلاً جذرياً وأحياناً بصورة دائمة تُعيد رسم ملامح قطاعٍ بأكمله أو اقتصادٍ بأسره.

في مطلع هذا الشهر، حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أنّ العالم يمرّ بـ«أشدّ صدمة في تاريخ إمدادات النفط»، مضيفةً أنّ تدمير الطلب سيتّسع كلّما استمرّت الشحّ وارتفعت الأسعار.

أمّا في الولايات المتّحدة، فقد بدأ هذا «التدمير» يتكشّف فعلاً. ارتفاع أسعار الوقود التهم شريحةً واسعة من الرواتب والاسترداد الضريبي، وكانت الضربة الأثقل من نصيب من يملكون أقلّ هامشٍ للتحمّل. التضخّم ارتفع بحدّة، ونموّ الأجور تباطأ، وثقة المستهلكين تراجعت وهي مؤشّرات قد تُنبئ بتداعياتٍ أشدّ وطأة.

صمد المستهلك الأمريكي حتى الآن، لكنّ الاقتصاديين يحذّرون: كلّما طال إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط وسفن البضائع جرّاء الحرب مع إيران، تضاعفت مخاطر سيناريوهات أشدّ قتامة.

يقول Joe Brusuelas، كبير الاقتصاديين في شركة RSM US للمحاسبة والاستشارات: «الوقت ليس حليف الاقتصاد الأمريكي».

سفينة نفط تبحر في البحر عند غروب الشمس، تعكس الألوان الدافئة للسماء، مما يرمز إلى تحديات سوق الطاقة العالمية.
Loading image...
ترسو الناقلات في مضيق هرمز قبالة سواحل جزيرة قشم الإيرانية، في 18 أبريل. أسغر بشاراتي/أسوشيتد برس

سلسلة تفاعلات متتالية

الطاقة تمسّ كلّ أسرة وكلّ قطاع دون استثناء.

يقول Brusuelas: «ثمّة أكثر من مليار سعر في الاقتصاد الأمريكي، لذا فإنّ تدمير الطلب سيتفاوت من قطاعٍ إلى آخر ومن شريحةٍ دخلية إلى أخرى».

رسم Brusuelas وزميله الاقتصادي في RSM، Tuan Nguyen، صورةً تفصيلية لمسارات الأزمة المحتملة، مستندَيْن إلى نتائج صدمات النفط السابقة. وخلاصة تحليلهما أنّ تآكل القوّة الشرائية للأمريكيين يعني زياراتٍ أقلّ للمطاعم، ورحلاتٍ أقلّ، ومبيعاتٍ أضعف للسيارات والمنازل؛ وأنّ تراجع الاستثمار وانخفاض الطلب يمهّدان لموجة تسريحٍ تزيد الوضع تعقيداً.

وقد رسمت RSM سلسلة التفاعلات على النحو الآتي:

  • أوّلاً: ارتفاع أسعار النفط، ما يُشكّل ضريبةً إضافية على كلّ أسرة وكلّ منشأة تجارية. كلّ دولارٍ يُصرف على الطاقة هو دولارٌ أقلّ في بقية الإنفاق.

  • ثانياً: تراجع الثقة، حين يخشى الناس المستقبل، يبدؤون بتقليص الإنفاق التقديري.

-ثالثاً: تجميد المشتريات الكبرى، تُؤجَّل قرارات شراء السيارة الجديدة أو توقيع عقود الرهن العقاري.

  • رابعاً: الضغط على الشركات، تراجع الإنفاق الاستهلاكي مع ارتفاع تكاليف الديزل يضغط على الهوامش، فتتوقّف الاستثمارات والتوظيف، ثمّ تبدأ عملية التسريح.

  • خامساً: تدخّل الاحتياطي الفيدرالي،قد يُضطرّ البنك المركزي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخّم المدفوع بأسعار النفط، ممّا يُعمّق التباطؤ الاقتصادي.

  • سادساً: تغيّرات سلوكية دائمة، إذا استمرّت الأسعار مرتفعة. يتّجه الناس نحو السيارات الكهربائية، ويُفضّل العمّال العمل عن بُعد، وتلجأ الشركات إلى التكنولوجيا بديلاً عن العمالة البشرية.

  • سابعاً: تضخّم في أزمات سلع أخرى، مضيق هرمز ليس ممرّاً للنفط وحده؛ فنقص الأسمدة قد يرفع أسعار الغذاء، وتعطّل إمدادات الهيليوم قد يُبطئ إنتاج الرقائق الإلكترونية ويُغلي تكاليف الرعاية الصحية، فيما قد تُضاعف اضطرابات الكبريت والغاز الطبيعي التكاليف الصناعية.

تقول Nancy Vanden Houten، كبيرة الاقتصاديين الأمريكيين في Oxford Economics، إنّ المشهد الاقتصادي اليوم أفضل ممّا كان عليه في بداية الحرب: أسعار النفط تراجعت عن ذروتها، وأسهم وقف إطلاق النار في بعض الاستقرار، فيما أعانت الاسترداداتُ الضريبية المرتفعة وقوّةُ المحافظ الاستثمارية وأسعار المنازل المستهلكينَ على استيعاب الارتفاع في أسعار الوقود.

وتضيف: «يبدو أنّ السيناريو الأسوأ الذي توقّعناه سيُتجنَّب. لكن في المقابل، يمكن أن تنقلب الأمور بسرعة».

وتُشير إلى أنّ مدى صمود المستهلكين والاقتصاد الأوسع يتوقّف في نهاية المطاف على سرعة حلّ النزاع وعودة حركة الملاحة في المضيق.

Bryan، 30 عاماً، مهندس في صناعة السيارات، بات يقود سيارته مسافاتٍ أقصر ويعمل من المنزل كلّما أتيحت له الفرصة. قلّص خروجاته مع الأصدقاء، وضخّ مدّخراته الطارئة في أذون الخزانة الأمريكية (T-bills)، وصار يتسوّق من متاجر الجملة كـ Costco و BJ's. مشاريعه لتجديد المطبخ وشراء سيارة بمحرّك V8 باتت في الأدراج. يقول إنّه يستطيع الصمود ستّة أشهر أخرى، لكن إن بقيت أسعار الوقود على هذا المستوى وتصاعدت التكاليف، فسيتخلّى عن الإجازات ويسعى إلى ترتيبٍ دائم للعمل عن بُعد وربّما يتّجه نحو سيارة هجينة.

مسارات المرحلة المقبلة

حتى لو انتهت الحرب غداً، فإنّ الإصلاح الاقتصادي لن يكون سريعاً.

يقول Brusuelas: «إعادة تشغيل إنتاج النفط ليست كإضاءة مصباح. في أحسن الأحوال، نحتاج ستّة أشهر قبل أن نعرف مدى اقترابنا من مستويات الإنتاج التي كانت سائدة قبل الحرب في منطقة الخليج». وفي بعض الحالات، قد تستغرق العودة إلى الطاقة الإنتاجية الكاملة سنوات.

وتبقى تداعيات الأسعار المرتفعة تُلقي بظلالها لفترةٍ طويلة بعد انتهاء الأزمة. يُذكّر Brusuelas: «حين أغلقنا سلاسل الإمداد في فبراير ومارس 2020، لم نشعر بارتفاع التضخّم إلّا في أبريل 2021. وكذلك الرسوم الجمركية التي بدأت في أبريل 2025 لم تتجلَّ تداعياتها الكاملة إلّا في نهاية العام الماضي ومطلع هذا العام».

**Will، في أواخر الأربعينيات من عمره، بات يعمل سائقاً لدى Uber بعد أن جفّت مشاريعه الاستشارية في قطاع التكنولوجيا الحيوية جرّاء تقليصات التمويل الحكومي وحالة عدم اليقين الاقتصادي. في محلّات البقالة، تحوّل إلى الماركات الخاصة وتخلّى عن كلّ ما هو «كماليّ». ولديه طفلان في دور الحضانة، ما يجعل التوقّف عن القيادة خياراً غير واردٍ، لكنّه أوقف قبول الرحلات البعيدة. يصف حاله بأنّه «يتدبّر أمره في الوقت الراهن»، لكنّ القلق يتراكم؛ وأيّ طارئ صحّي أو عطلٍ في السيارة سيضطرّه إلى استخدام مدّخراته التقاعدية.

صدمات العرض في النفط والمواد الأساسية كالأسمدة تتموّج عبر الاقتصاد الأمريكي وقد ترفع الأسعار في طيفٍ واسع من السلع والخدمات. ارتفاع أسعار الديزل الذي يُحرّك الشاحنات والجرّارات يُنذر بارتفاعٍ في أسعار المواد الغذائية، حتى قبل احتساب اضطراب إمدادات الأسمدة النيتروجينية التي قد تُؤثّر في قرارات الزراعة وتوافر الغذاء في الخريف المقبل.

يقول David Ortega، الاقتصادي المتخصّص في الغذاء وأستاذ في جامعة Michigan State: «قد يستغرق الأمر ستّة أشهر أو أكثر حتى تنعكس التداعيات الكاملة لهذه الصدمة على أسعار الغذاء».

بعض الأمريكيين قادرون على التكيّف مع الارتفاع الحادّ في أسعار الوقود والرسوم الإضافية على السلع وسائر التداعيات. لكنّ ليس الجميع كذلك.

يقول Brusuelas: «ثمّة تدمير للطلب بدأ في الشرائح الدنيا من السوق ولا يمكن التراجع عنه». ويقصد بـ«الشرائح الدنيا» الأسرَ في أدنى خُمسَيْن من توزيع الدخل تلك التي لا تملك مدّخراتٍ طارئة وليس لديها أيّ هامشٍ في ميزانيّتها.

Sian، 59 عاماً، لا خيار أمامها سوى قيادة سيارتها بين وظائفها المتعدّدة عبر المنطقة الممتدّة حول Phoenix في أريزونا لا حافلاتٍ مشتركة تعبر الصحراء إلى نوبتها الليلية في شركة شحن. توقّفت عن المساهمة في صندوق تقاعدها، وقلّصت مشترياتها الغذائية، وبدأت تُلغي مواعيدها الطبّية. تطلب ساعاتٍ إضافية في وظيفتها بالتجزئة، وتضع خطّةً لتوسيع قاعدة عملاء شركة التنظيف التي تمتلكها لكنّ الوصول إلى عملاء جدد يعني المزيد من الوقود. وبدون عملاء إضافيين، تخشى إغلاق شركتها لأنّها لا تستطيع تحمّل تكاليف التأمين.

ستضطرّ الأسر ذات الدخل المنخفض إلى إدارة تقليصاتٍ عميقة في دخلها المتاح حتى تستقرّ الأسعار، وفق Brusuelas. وهذا لن يعني العودة إلى ما كان بل سيكون، مرّةً أخرى، «وضعاً طبيعياً جديداً».

يختم Bryan Pingle، مهندس السيارات البالغ 30 عاماً من Detroit، بعبارةٍ سمعها من أقاربه الذين عاشوا أزمة الطاقة في السبعينيات: «أفضل ما يمكنك أن تتمناه هو أن تُواكب، ولا أحد يُواكب تماماً». ويضيف: «كثيرٌ من الناس باتوا يتراجعون بصفةٍ دائمة في مستوى معيشتهم، ويختارون استهلاكاً أقلّ إن استطاعوا».

أخبار ذات صلة

Loading...
إطلاق صاروخ SpaceX من منصة الإطلاق، مع ظهور مبنى الشركة في الخلفية، في إطار استعدادات الطرح العام الأولي بقيمة 75 مليار دولار.

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

تستعد SpaceX لإحداث ثورة في عالم الطروحات العامة، مع طرحها التاريخي بقيمة 75 مليار دولار. هل سيصبح إيلون ماسك أول تريليونير في العالم؟ تابع التفاصيل المثيرة حول هذا الحدث الفريد في تاريخ الأسواق المالية!
اقتصاد
Loading...
واجهة بورصة نيويورك مع علم الولايات المتحدة، تعكس الفجوة الاقتصادية المتزايدة بين الأغنياء والفقراء في أمريكا.

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

هل تساءلت يومًا عن كيفية توزيع الثروة في أمريكا؟ الأثرياء يمتلكون 68% من الثروة الوطنية، بينما تتراجع الفئات الأدنى. اكتشف الأسباب وراء هذا التباين المثير وكيف يؤثر على حياتنا اليومية. تابع القراءة لتفاصيل أكثر!
اقتصاد
Loading...
ارتفاع أسعار الوقود في محطة بنزين أمريكية، مع مضخة وقود متصلة بسيارة سوداء، يعكس تأثير التضخم على نفقات الاستهلاك.

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران

تتسارع وتيرة التضخّم في الولايات المتحدة، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف حرج. مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، كيف ستؤثر هذه التغيرات على الاقتصاد؟ تابع معنا لتكتشف المزيد عن الأرقام والاتجاهات الحالية.
اقتصاد
Loading...
صورة لعامل يعمل على منصة نفطية تحت سماء غائمة، تعكس التحديات الحالية في قطاع الطاقة الأمريكي مع انخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

احتياطيات أمريكا الاستراتيجية من النفط تتراجع بسرعة

تقترب الاحتياطات النفطية الاستراتيجية الأمريكية من أدنى مستوياتها منذ الثمانينيات، مما يضع الولايات المتحدة كمورّد النفط الأخير في العالم. مع تصاعد أسعار الوقود، هل ستتمكن من استعادة توازنها؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد.
اقتصاد
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية