تصاعد التوترات بين كوبا والولايات المتحدة
تتزايد التوترات بين كوبا والولايات المتحدة بعد زيارة مدير CIA، مما يثير مخاوف من تصعيد عسكري. الكوبيون يستعدون لمواجهة محتملة، والاقتصاد يعاني تحت وطأة الحصار. هل ستتجه الأمور نحو المواجهة؟ التفاصيل في خَبَرَيْن.

- كانت حملة الضغط الأمريكية المكثّفة على كوبا قد أحدثت أثرها الواضح في تفاصيل الحياة اليومية. في ظلّ الحصار النفطي الأمريكي المستمر، يتقطّع التيار الكهربائي في مكاتبنا مرّات عدّة في اليوم الواحد. والأزمة الاقتصادية المتراكمة جعلت الوقود شحيحاً حتى لمولّد المبنى، بل وصل الأمر إلى انعدام ورق الحمّامات. في كلّ يوم، أمرّ بجانب شجرة كريسماس اصطناعية ضخمة في الردهة، لم يكلّف أحدٌ نفسه عناء إزالتها.
ثمّ أخبرتني مديرة المبنى أنّها تلقّت «أوامر من فوق» إذ تمتلك الدولة جميع المباني المكتبية في المدينة لوضع خطّة طوارئ للمبنى في حال وقوع «هجوم إمبريالي». أي هجوم أمريكي. (لم تُعلن إدارة Trump عن أي عمليات عسكرية مخطّطة ضدّ كوبا).
عاش الكوبيون مع شبح التدخّل العسكري الأمريكي طويلاً حتى صار موضوعاً للنكات السوداء. «Cuando vienen los americanos» حين يأتي الأمريكيون هو التعبير الذي يستخدمه الكوبيون بسخريتهم المعهودة للإشارة إلى مشكلةٍ متجذّرة ومنها الكثير ستُحلّ يوماً ما.
أمّا اليوم، فيبدو فعلاً، بطريقةٍ أو بأخرى، أنّ الأمريكيين قادمون.
CIA تصل إلى كوبا
أحدثت زيارة مدير CIA جون Ratcliffe إلى هافانا هذا الأسبوع، على متن طائرةٍ لم تكن سريّة بأيّ حال وعليها عبارة «الولايات المتحدة الأمريكية» بخطٍّ واضح، صدمةً عميقة لدى كثير من الكوبيين، وكانت أوضح إشارةٍ حتى الآن على أنّ التوتّرات تبلغ ذروتها.
إذا كانت الولايات المتحدة تمثّل «الإمبراطورية الشريرة» في نظر الحكومة الكوبية، فإنّ رئيس CIA، الوكالة التي ابتكرت في الستينيات مخطّطاتٍ خياليّة لاغتيال Fidel Castro بسيجار متفجّر وبدلة غوصٍ مسمومة، لا يمثّل أقلّ من إبليس نفسه.
ثمّة متاحف بأكملها في كوبا مكرّسة لتوثيق الجرائم التي ارتكبتها CIA ضدّ الثورة.
في الصور التي نشرتها CIA، يستقبل رؤساء الاستخبارات الكوبيون المتجهّمون نظراءهم الأمريكيين في دارٍ بروتوكولية تتدلّى على نوافذها ستائر معتمة، وتمتدّ في وسطها طاولةٌ طويلة تعجّ بالتنسيقات الزهرية على نحوٍ لافت. وباستثناء Ratcliffe، طُمست وجوه ضبّاط الاستخبارات الأمريكيين لإخفاء هوياتهم.
قال Peter Kornbluh، أحد مؤلّفي كتاب Back Channel to Cuba: The Hidden History of Negotiations Between Washington and Havana، معلّقاً على ظهور رئيس الاستخبارات الأمريكية المفاجئ في الجزيرة التي تحكمها الشيوعية: «إنّها قمّة السخرية التاريخية».
وأضاف Kornbluh : «كانت مهمّة Ratcliffe تقديم عرضٍ لكوبا لا يمكنها رفضه، بين الاستسلام أو مواجهة العواقب. يُسمّي علماء السياسة هذا النهج بـ'دبلوماسية الإخضاع'».
وأعلن المسؤولون الكوبيون أنّهم عرضوا خلال الزيارة حججهم الدالّة على أنّ جزيرتهم لا تشكّل تهديداً للولايات المتحدة ردّاً على المبرّرات القانونية التي تستند إليها إدارة Trump لتسويغ الحصار النفطي الذي أوقع الجزيرة في انهيارٍ اقتصادي حادّ، وفق بيانٍ صادر عن الحكومة الكوبية.
غير أنّ تلك الحجج لم تجد آذاناً صاغية. إذ اتّهم Ratcliffe المسؤولين الكوبيين باستضافة محطّات تجسّس روسية وصينية على الجزيرة، والعمل على إعاقة المصالح الأمريكية في المنطقة، وفق ما أفاد به مسؤولون أمريكيون.
وإن كانت الولايات المتحدة قد انتهجت في الأشهر الأخيرة سياسة العصا والجزرة مع كوبا، فيبدو أنّ الجزرة لم تعد على الطاولة.
بعد ساعاتٍ قليلة من مغادرة Ratcliffe لهافانا، تسرّبت أنباء تفيد بأنّ المدّعين العامّين الفيدراليين الأمريكيين يسعون إلى توجيه اتّهامات رسمية ضدّ الرئيس الكوبي السابق Raul Castro، المتقاعد رسمياً لكنّه لا يزال يُلقَّب في الجزيرة بـ«قائد الثورة»، ويُعتقد على نطاقٍ واسع أنّه يُدير الأمور من وراء الستار.
كثيرٌ من المنفيّين الكوبيين في ميامي سيُرحّبون بتوجيه اتّهامات إلى Castro بسبب دوره في إسقاط طائرتَين عام 1996 تابعتَين لمنظّمة المنفيّين الكوبيين الأمريكيين «Brothers to the Rescue». وسيُمهّد توجيه الاتّهامات الطريقَ لاحتمال القبض عليه ومحاكمته على غرار ما جرى في يناير مع حليف كوبا Nicolas Maduro في فنزويلا.
بيد أنّ أيّ إجراءٍ ضدّ Castro، الذي يبلغ من العمر 95 عاماً في يونيو المقبل ولا يستطيع اليوم المشي دون مساعدة مرافقيه وحفيده الحارس الشخصي، سيكون التصعيدَ الأخير في توتّراتٍ مشتعلة أصلاً، وقد يُفضي إلى قطع الدبلوماسية إن لم يكن إلى مواجهةٍ مفتوحة.
الكوبيون يستعدّون للمعركة
أخبرني عددٌ من المسؤولين الكوبيين، في خضمّ الشائعات المتداولة حول توجيه اتّهامات لـCastro في الأسابيع الأخيرة، أنّ مثل هذه الخطوة ستُنهي المفاوضات وتُهيّئ المسرح لتدخّلٍ عسكري هم مستعدّون للتضحية بأرواحهم في مواجهته إن اقتضى الأمر.
وأعلن الرئيس الكوبي Miguel Diaz-Canel في احتفالات الفاتح من مايو: «نحن مستعدّون، وأقول ذلك بقناعةٍ عميقة تقاسمتها مع عائلتي، لبذل أرواحنا في سبيل الثورة».
نشرت وسائل الإعلام الرسمية الكوبية صوراً لمدنيّين يتلقّون تدريباً عسكرياً، في إطار ما تصوّره Fidel Castro بـ«حرب الشعب بأسره»، التي يُقاتل فيها الكوبيون المسلّحون من قِبَل الحكومة حرباً عصابات استنزافية ضدّ أيّ غازٍ أجنبي. ويعتمد هذا المخطّط على أسلوب حرب العصابات على النمط الفيتنامي، لا على مواجهةٍ بين جيوشٍ نظامية.
بعض مقاطع الفيديو المنشورة تُظهر جنوداً يُجرون مناوراتٍ بأسلحةٍ سوفيتية أقدم منهم عمراً. وفي مقطعٍ واحد، يجرّون مدفعاً مضادّاً للطائرات بواسطة ثيران.
وعلى الرغم من افتقار القوات المسلّحة الكوبية إلى أسلحةٍ حديثة، أكّد المؤرّخ العسكري Hal Klepak أنّ الجزيرة لا تزال قادرةً على المقاومة الشرسة في مواجهة أيّ هجومٍ أمريكي برّي.
وقال Klepak: «لقد أثبتوا، كما رأينا مراراً في الكوارث الطبيعية، أنّهم قادرون على تعبئة السكّان، وقادرون على تحريك الناس وتنظيمهم».
شعبٌ في عذاب
مع تدهور الأوضاع في الجزيرة وامتداد انقطاع الكهرباء طوال النهار، يقول بعض الكوبيين إنّ المواجهة المسلّحة على الأقل ستضع حدّاً لمعاناتهم المطوّلة.
المستشفيات الحكومية باتت تفتقر إلى كثيرٍ من الأدوية الأساسية، ويشكو الكوبيون من تعفّن الطعام في ثلاجاتهم خلال انقطاعات الكهرباء المطوّلة، فيما تتراكم القمامة غير المجموعة في كلّ حيٍّ تقريباً.
أعلن وزير الطاقة هذا الأسبوع أنّ الحصار النفطي الأمريكي استنزف آخر احتياطيات الجزيرة. والعقوبات الجديدة المفروضة على الشركات المتعاملة مع كوبا تُوقف معظم الشحنات البحرية إلى الجزيرة، ممّا يضمن ارتفاعاً أكبر في أسعار الغذاء وتفاقماً في الجوع.
قالت لي إحدى النساء خلال احتجاجٍ على انقطاع الكهرباء في هافانا هذا الأسبوع، حيث دقّ المحتجّون على أواني الطهي طويلاً حتى تشوّهت الفولاذ بالحفر: «إذا مات نصفنا، فليمت. لكنّ النصف الآخر سيعيش في سلام على الأقل».
وحذّرت Ada Ferrer، المؤرّخة الكوبية الأمريكية ومؤلّفة كتاب Keeper of My Kin: Memoir of an Immigrant Daughter، من أنّ أيّ هجومٍ أمريكي ناجح يُطيح بالحكومة الكوبية قد يُطلق موجةً من الانتقام السياسي.
وقالت : «حين أستحضر لحظاتٍ من التاريخ الكوبي شهدت تغييراً سياسياً، حين أُزيحت حكوماتٌ غير شعبية أو سقطت بطريقةٍ أو بأخرى، كان العنف دائماً رفيق ما تلاها».
وتحثّ الحكومة الكوبية السكّانَ على الاستعداد لأيّ اضطرابٍ محتمل. إذ عمّمت وكالة الدفاع المدني الكوبية هذا الأسبوع «دليلاً عائلياً حول كيفية التصرّف في حالة عدوانٍ عسكري افتراضي ضدّ كوبا»، أوصى من بين خطواتٍ أخرى بتجهيز حقيبةٍ تحتوي على مؤنٍ غير قابلة للتلف.
أمّا أحد جيراني في هافانا، فكان أقلّ تصديقاً لكلّ هذا التخطيط الحربي.
قال لي: «يطلبون منّا أن نستعدّ كأنّ إعصاراً قادم. لكنّنا بالفعل نفدت منّا كلّ الأشياء».
أخبار ذات صلة

غوستافو بيترو يودّع الرئاسة وسط توتّرات انتقال السلطة في كولومبيا

الفنادق الكوبية تواجه أزمة إشغال حاد وسط حملة ضغط أمريكية

حُمِّلت من التاريخ: مئة عام على أعمال الشغب المناهضة للإغريق في كندا
