لقاحات mRNA: أمل جديد في مواجهة سرطان البنكرياس
عانت فيتا سارا بليكنر من سرطان البنكرياس، لكن الأمل يأتي من تقنية الـ mRNA. تعرف على كيف يسعى الأطباء لتطوير لقاح جديد قد يحدث ثورة في علاج السرطان، ويقدم الأمل لمرضى يواجهون تحديات صعبة. تفاصيل مثيرة في خَبَرَيْن.

في أحد أيّام السبت، تحوّلت حياة فيتا سارا بليكنر رأساً على عقب. كانت أمينة مكتبة المدرسة الإعدادية في منزلها بمدينة Oceanside في نيويورك، حين داهمها ألمٌ حادٌّ في ظهرها. لم تُجدِ حبّة دواء لارتجاع المريء نفعاً في تهدئة الحرقة، فاقترح عليها زوجها التوجّه إلى غرفة الطوارئ.
كان ذلك في 7 مارس 2020، قبل أيّامٍ قليلة من أن يحوّل وباء كوفيد-19 مستشفيات مدينة نيويورك إلى ما يشبه مناطق الحرب. أجرى الأطبّاء لبليكنر، التي كانت في السابعة والستّين من عمرها آنذاك، صورةً بالموجات فوق الصوتية وأخرى بالتصوير المقطعي المحوسب. لكنّ ما كشفته الصور قلب عالمها رأساً على عقب.
تقول بليكنر: "قالوا لي إنّ لديّ ورماً في البنكرياس. فقلت: لا، هذا مستحيل. لا يمكن أن يحدث لي هذا. أنا لا أشرب الكحول ولا أدخّن، وأعيش حياةً صحّية."
بعد يومَين مضطربَين في المستشفى، عادت بليكنر إلى منزلها وراحت تزن خياراتها، وكانت شحيحة. سرطان البنكرياس عدوٌّ لا يرحم: لا يعيش سوى مريضٍ واحد من كلّ 4 مرضى سنةً كاملةً بعد التشخيص، ولا ينجو من عامَين سوى مريضٍ واحد من كلّ 10. شعرت بليكنر بثقل هذه الأرقام في أعماقها وهي تتشاور مع زوجها وأبنائها الثلاثة البالغين، يتصفّحون الإنترنت ويتّصلون بالأطبّاء، بحثاً عن الخطوة التالية. وانتهى بهم الأمر إلى اختيارٍ سيقودها إلى ميدانٍ متسارع الخطى كثيراً ما يُساء فهمه في عالم أبحاث السرطان.
الرسول الجيني: ما هو الـ mRNA؟
الحمض النووي الريبوزي المرسال، أو الـ mRNA، جزيءٌ أحادي السلسلة يحمل المعلومات الجينية من الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) لتوجيه تكوين البروتينات. يعرفه كثيرون من دروس الأحياء في المدرسة الثانوية، أو من استخدامه في لقاحات كوفيد-19. غير أنّ هذه الجزيئة كانت تُثير حماساً بالغاً في مجتمع أبحاث السرطان قبل سنواتٍ طويلة من أن يسمع أحدٌ بكوفيد. فشركة BioNTech الألمانية التي طوّرت لقاح كوفيد لصالح Pfizer، إنّما استندت في ذلك إلى منصّةٍ تقنية كانت تستخدمها منذ ما يقارب عقداً من الزمن لتطوير علاجاتٍ للسرطان.
أسهمت لقاحات الـ mRNA ضدّ كوفيد-19 التي أنتجتها Pfizer و Moderna في الحدّ من تداعيات الجائحة، لكنّها أشعلت في الوقت ذاته موجةً من ردود الفعل السياسية التي باتت خلال العام الماضي تُهدّد بإبطاء عشرات العلاجات المحتملة لأنواعٍ مختلفة من السرطان أو تعطيلها كلياً. والآن، بعد اثني عشر شهراً مضطربة، ثمّة مؤشّراتٌ على أنّ قطار الـ mRNA لا يزال يسير على مساره.
تقول الدكتورة Elizabeth Jaffee، نائب مدير مركز Sidney Kimmel الشامل لأبحاث السرطان في جامعة Johns Hopkins: "الأمر مثيرٌ للاهتمام. شهدنا عدداً من النتائج الإيجابية في التجارب المبكّرة."
وتُشير الدكتورة Catherine Wu، أستاذة الطبّ في معهد Dana Farber للسرطان وكلية الطبّ في جامعة Harvard، إلى أنّ سلسلة النتائج الإيجابية الأخيرة في الواقع العملي كانت الدافع وراء إعلان المعهد الوطني للسرطان (NCI) مؤخّراً عن خطّةٍ للمساعدة في جمع 200 مليون دولار مخصّصةً تحديداً للقاحات السرطان المبتكرة.
وتقول: "نحصل على دعمٍ كبير من NCI في مجال تطوير لقاحات السرطان والترويج لها، ولقاحات الـ mRNA تمثّل جزءاً رئيسياً من هذا المحفظة البحثية."
عدوٌّ لا يرحم
لتوجيه علاجها، لجأت بليكنر إلى أطبّاء مركز Memorial Sloan Kettering للسرطان (MSK)، ومنهم الدكتور Vinod Balachandran، مدير مركز Olayan للقاحات السرطان في المركز ذاته.
يقول Balachandran إنّ تطوير لقاحٍ ضدّ السرطان أصعب بكثير من تطوير لقاحٍ ضدّ فيروسٍ أو بكتيريا: "ذلك لأنّ جهازنا المناعي مبرمجٌ فطرياً على التعرّف إلى الفيروسات والمسبّبات المرضية باعتبارها غريبةً عن الجسم، فاللقاح في هذه الحالة يُعلّم الجسم ما هو مستعدٌّ أصلاً للقيام به. أمّا السرطان فهو منّا نحن؛ إنّه نابعٌ من أنسجتنا الخاصّة."
يتمحور عمل Balachandran على مدى العقدَين الماضيَين حول أورام البنكرياس، لأنّ هذا المرض من أعصى الأمراض على العلاج. يقول: "إنّه سرطانٌ لم ينجح في مواجهته شيءٌ يُذكر."
حين وصلت بليكنر إلى MSK، كان Balachandran يُطلق تجربةً سريرية لاختبار لقاحٍ تجريبي مبنيٍّ على تقنية الـ mRNA ضدّ سرطان البنكرياس، بالتزامن مع العلاج المناعي والكيميائي المعياري. وكان يرى أنّ اللقاح الناجح سيحمل إمكانات تطبيقٍ أوسع. يقول: "لو تمكّنّا من اختراق أصعب الأنواع وكسر شفرته، فقد يفتح ذلك الطريق أمامنا لكسر شفرة الأنواع الأخرى، لأنّه سيوفّر لنا خارطة طريق."
لتطوير اللقاح، بدأ بدراسة ما يُسمّيهم "الناجين الاستثنائيين": أقلّ من 10% من مرضى سرطان البنكرياس الذين يعيشون أكثر من خمس سنواتٍ منذ التشخيص. اكتشف أنّ أجهزتهم المناعية تتميّز بقدرةٍ استثنائية على التعرّف تلقائياً إلى الخلايا السرطانية باعتبارها غريبة. بل إنّ هؤلاء المرضى يمتلكون نحو 12 ضعف عدد الخلايا التائية (T cells) وهي نوعٌ متخصّص من خلايا المناعة داخل أورامهم مقارنةً بالمرضى العاديّين. وفي بعض الحالات، ظلّت هذه الخلايا التائية ذاتها تدور في مجرى الدم لأكثر من عقدٍ من الزمن.
أدرك Balachandran أيضاً أنّ هذه الخلايا لم تكن مجرّد مقاتلين عامّين ضدّ السرطان. يقول: "كانت هذه الخلايا التائية تتعرّف إلى طفراتٍ بعينها، لكنّ كلّ جهازٍ مناعي كان يتعرّف إلى السرطان الخاصّ بصاحبه بطريقةٍ فريدة. ولاستنساخ هذا، كنّا بحاجةٍ إلى تعليم الجهاز المناعي لكلّ شخصٍ على حدة كيف يتعرّف إلى سرطانه الخاصّ. أي أنّنا بحاجةٍ إلى لقاحٍ مخصَّص لكلّ فرد. وشعرنا أنّ التقنية الأمثل لتحقيق هذا التلقيح السرطاني المخصَّص والسريع هي استخدام الـ RNA."
التطوّع في التجربة: مجازفةٌ بحثية
بعد أن انضمّت بليكنر إلى التجربة، كانت الخطوة الأولى جراحةً كبرى. خضعت لما يُعرف بعملية Whipple لاستئصال الورم في رأس البنكرياس. في مختبر MSK، حُفظ الورم وقُطّع إلى شرائح دقيقة، كلٌّ منها أرقّ من خيط شعر. وفي أقلّ من 72 ساعة، أُرسلت العيّنة إلى ألمانيا، حيث عمل فنّيّو BioNTech على معالجة المادّة وتحويلها إلى سائلٍ شفّاف: لقاحٌ مخصَّص، صُنع خصيصاً لفيتا سارا بليكنر.
بعد أكثر من شهرَين قليلاً على التشخيص، عاد اللقاح المُعدَّ في ألمانيا إلى نيويورك. وبحلول ذلك الوقت، كانت بليكنر قد تلقّت جرعةً من مثبّط نقطة التفتيش المناعي (immune checkpoint inhibitor)، وهو دواءٌ مناعيٌّ مصمَّم لتعزيز فاعلية خلاياها المناعية في مكافحة السرطان. وللحصول على حقن اللقاح الأسبوعية، كان زوجها Simon يقودها من Oceanside إلى مستشفى MSK في الجانب الشرقي من مانهاتن. كانت الجائحة في أوجها، فبدلاً من قضاء الوقت في التسوّق أو زيارة الأصدقاء بعد إيصالها، كان Simon يجوب الشوارع الخالية ثمّ يعود إلى المنزل في Long Island ينتظر. كانت بليكنر تمضي ثماني ساعاتٍ مستلقيةً في سريرٍ بالمستشفى بينما يسري اللقاح في جسدها، حتّى يعود Simon لأخذها.
بعد تسعة أسابيع، انتهت هذه المرحلة، وحانت خطوة العلاج الكيميائي. لكنّه كان كارثياً. عانت بليكنر معاناةً شديدة، إذ كانت الأعراض الجانبية بالغة الخطورة لدرجةٍ اضطرّ معها الأطبّاء إلى إيقاف العلاج. تتذكّر قائلةً: "أصبت بمرضٍ شديد."
وتُضيف: "لم أُكمل سوى ثلاث جلساتٍ قبل أن يضطرّوا إلى الإيقاف، ودخلت المستشفى وخرجت منه ثلاث أو أربع مرّات. وزني هبط إلى 90 رطلاً. لم يكن لديّ شهيّةٌ للطعام. كنت أعاني من الغثيان باستمرار، وتضرّر كبدي. قالت لي طبيبتي إنّها لم تتوقّع أن تراني مجدّداً."
حين شعرت بما يكفي من القوّة لمحاولة استئناف العلاج، رأى أطبّاؤها أنّ الاستمرار بات محفوفاً بمخاطر. أملت ألّا يُحدث التوقّف المبكّر فارقاً. لكن كان عليها الانتظار لمعرفة ذلك.
تروي هذه القصّة اليوم بعد مرور أكثر من ستّ سنوات: لم تنجُ بليكنر فحسب لفترةٍ أطول ممّا توقّعه أحد، بل إنّها بخيرٍ تامّ ولا تُظهر أيّ علاماتٍ للسرطان.
وهي ليست حالةً استثنائية فريدة. فمن بين 16 مريضاً في تجربة Balachandran، أظهر ثمانيةٌ استجابةً مناعيةً قويّةً للقاح المبنيّ على الـ mRNA. وسبعةٌ من هؤلاء الثمانية لا يزالون على قيد الحياة وبصحّةٍ جيّدة بعد ستّ سنواتٍ من بدء التجربة وهو ما كان مقرّراً تقديمه يوم الاثنين في اجتماع الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان (AACR) في San Diego.
يقول Balachandran: "الأمر مثيرٌ للاهتمام. ما يعنيه هذا هو أنّك تستطيع إثارة استجابةٍ مناعية قوية جداً ضدّ أصعب أنواع السرطان، وأن تستمرّ هذه الاستجابة طوال هذه المدّة. فإن كان ذلك ممكناً هنا، فقد يكون ممكناً في أنواعٍ كثيرة أخرى من السرطان."
ورغم أنّ دراسةً تضمّ 16 مريضاً بعيدةٌ عن أن تكون حاسمة وهذا ما تقتضيه الأمانة العلمية في تقييم قوّة الدليل فإنّ تجربةً موسّعة متعدّدة المواقع باتت جاريةً منذ عامٍ كامل.
جاء هذا الإعلان في أعقاب أخبارٍ مشجّعة أخرى لمرضى سرطان البنكرياس. فقد نشرت صحيفة New York Times في وقتٍ سابق من هذا الشهر مقابلةً مع السيناتور الأمريكي السابق Ben Sasse من ولاية Nebraska، الذي يخوض معركته مع سرطان البنكرياس المتقدّم، وأفاد بأنّه يتناول دواءً تجريبياً تسبّب في تقلّص أورامه، وإن رافق ذلك آثارٌ جانبية مؤلمة. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت شركة Revolution Medicines، شركة التقنيات الحيوية المقيمة في كاليفورنيا والمشرفة على التجربة من المرحلة الثالثة التي يُشارك فيها Sasse، في بيانٍ صحفي أنّ الدواء ضاعف تقريباً مدّة البقاء على قيد الحياة للمرضى الذين انتشر سرطانهم، إذ بلغت 13.2 شهراً مقارنةً بـ 6.7 أشهر لمن لم يتلقّوه. كما أعلنت الشركة عزمها طلب موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على الدواء المسمّى daraxonrasib.
تقنيةٌ واعدة
رغم أنّ تجربة MSK أصغر بكثير من دراسة Revolution، فإنّها تُشكّل دليلاً على مبدأ عمل لقاحات الـ mRNA. وقد كان هذا المجال مصدر حماسٍ كبير في السنوات الأخيرة. لكنّه واجه ردود فعلٍ عنيفة في أعقاب الجائحة والمخاوف العامّة المتعلّقة بلقاحات كوفيد، حتّى وإن أكّد معظم الخبراء أنّ المخاوف الجدّية المتعلّقة بسلامة هذه اللقاحات لا أساس لها من الصحّة.
بالنسبة للباحثين في مجال السرطان، ظهر تحذيرٌ مبكّر في مارس 2025، حين أفاد علماء بأنّ القائم بأعمال مدير المعاهد الوطنية للصحة (NIH)، الدكتور Matthew Memoli، أرسل خطاباً يطلب فيه الإشارة إلى جميع المنح والتعاونات والعقود المتعلّقة بالـ mRNA.
وبلغ الأمر ذروته في مايو، حين اقترح البيت الأبيض خفضاً غير مسبوق يتجاوز 40% من تمويل المعهد الوطني للسرطان. وبعد ستّةٍ وعشرين يوماً، في خطوةٍ يبدو أنّها غير مترابطة، ألغت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية (HHS) صفقةً بقيمة 590 مليون دولار مع Moderna لتطوير لقاحٍ مبنيٍّ على الـ mRNA ضدّ الإنفلونزا الوبائية الناشئة. وفي أغسطس، أعلنت HHS أنّها لن تموّل بعد الآن أبحاث الـ mRNA عبر هيئة البحث والتطوير المتقدّم في مجال الطبّ الحيوي (BARDA)، وتضمّن ذلك إلغاء 22 عقداً منفصلاً.
وفي تطوّرٍ أحدث، ألغت FDA مراجعتها للقاح الإنفلونزا المبنيّ على الـ mRNA من Moderna، مع انتقادٍ لتصميم التجربة السريرية للشركة، قبل أن تتراجع عن قرارها بعد أسبوعٍ واحد إثر انتقاداتٍ حادّة.
وقد صرّح مفوّض FDA الدكتور Marty Makary بأنّ الوكالة لا تُكنّ أيّ عداءٍ للـ mRNA، وأنّها أنهت العقود العام الماضي لتوفير المال العام فحسب. وقال Makary في مؤتمرٍ صحفي في فبراير: "الشركات التي صنعت لقاحات الـ mRNA جنت أكثر من 50 مليار دولار. بإمكانها تمويل أبحاثها بنفسها."
ومع ذلك، شعر كثيرٌ من الباحثين الذين كانوا يرون مستقبلاً مشرقاً بأنّ إيمانهم قد تزعزع. تقول الدكتورة Wu: "التهديدات الخارجية حقيقية. أجبرتنا على التوقّف والتفكير. لن أكون صادقةً لو قلت إنّنا لم نكن جميعاً قلقين."
ويقول الدكتور Ryan Sullivan، مدير مركز الميلانوما في Mass General Brigham Cancer Institute، إنّ انعدام الثقة بلقاحات الـ mRNA منذ الجائحة جعل أحياناً من الصعب استقطاب المتطوّعين للمشاركة في تجاربه السريرية.
يقول Sullivan: "معظم الناس لا تساورهم مخاوف جدّية، لكنّ بعضهم متردّد. الشكوك العامّة حول اللقاحات تخفّ قليلاً حين يتعلّق الأمر بلقاحات السرطان، لكنّها لا تختفي كلياً، وبعض الناس يرفضون الفكرة حتّى وهم يخوضون معركتهم مع السرطان."
تقنيةٌ واحدة، مسالك متعدّدة
Sullivan باحثٌ في دراساتٍ متعدّدة تتضمّن لقاحات الـ mRNA، من بينها تجربةٌ واسعة النطاق تُديرها شركتا Moderna و Merck، تختبر علاجاً مبنياً على الـ mRNA بالتزامن مع Keytruda، وهو دواءٌ مناعي، كعلاجٍ للميلانوما. وفي يناير، أعلنت الشركتان أنّ هذا المزيج خفّض معدّل الوفيات لدى المشاركين في الدراسة بنسبة 49% على مدى خمس سنوات. وتجرى حالياً تجربةٌ أكبر من المرحلة الثالثة، فيما تختبر الشركتان العلاج ذاته ضدّ سرطان الرئة غير صغير الخلايا، وسرطان المثانة، وسرطان الخلايا الكلوية.
على غرار اللقاح الذي أسهم في شفاء بليكنر، يعتمد علاج Merck و Moderna للميلانوما مبدأ التخصيص، إذ تُستخدم خلايا ورم المريض نفسه لهندسة استجابةٍ مناعية عالية الدقّة. وثمّة نهجٌ آخر يعتمد ما يُعرف بالقاحات العامّة أو الجاهزة (off-the-shelf)، التي لا تُصمَّم لكلّ مريضٍ على حدة. وكلٌّ من BioNTech وتعاون Moderna/Merck يعملان على مقارباتٍ تستخدم الـ mRNA لترميز مجموعةٍ محدّدة مسبقاً من المستضدّات (antigens) وهي الأهداف المناعية المشتركة عادةً بين المرضى الذين يعانون من نوعٍ معيّن من الأورام، أملاً في تحفيز الجهاز المناعي على استجابةٍ أكثر عدوانية.
ذهب الدكتور Elias Sayour، طبيب الأورام لدى الأطفال والباحث في جامعة Florida، خطوةً أبعد في اتّجاه "العمومية"، إذ يختبر لقاحات mRNA لا ترمّز لأيّ مستضدٍّ بعينه على الإطلاق. ففي دراسةٍ نُشرت العام الماضي في مجلّة Nature Biomedical Engineering، عالج Sayour فئراناً بلقاحٍ عامّ يستخدم الـ mRNA لتحفيز إنتاج بروتينٍ يُسمّى PD-L1، ممّا يجعل أورامها أكثر قابليةً للاستجابة للعلاج المناعي. وقد نجح الأمر.
يقول Sayour: "اكتشفنا أنّ الـ mRNA لا يحتاج إلى أن يكون محدَّداً لإعادة برمجة الاستجابة المناعية."
ويُضيف: "نحاول إرساء نموذجٍ جديد. يستغرق إنشاء لقاحٍ مخصَّص أسابيع. فكرة التعميم هي إيقاظ الجهاز المناعي بشكلٍ أسرع."
ويرى أنّ النهجَين يمكن، من الناحية النظرية، أن يتكاملا: إذ قد يتلقّى المريض المُشخَّص حديثاً لقاحاً جاهزاً لتنشيط جهازه المناعي، ثمّ لقاحاً مخصَّصاً في مرحلةٍ لاحقة من علاجه.
ومثالٌ حديثٌ على نهج "اللقاح العامّ" جاء في دراسةٍ قادها الدكتوران Adam Grippin و Steven Lin من مركز MD Anderson للسرطان. راجعا فيها سجلّات أكثر من ألف مريضٍ بالسرطان خضعوا للعلاج بمثبّطات نقاط التفتيش المناعي، ووجدا أنّ الحصول على لقاح كوفيد المبنيّ على الـ mRNA ارتبط بشكلٍ ملحوظٍ بتحسّن الاستجابة لأدوية السرطان. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ هذه دراسةٌ رصدية تُظهر ارتباطاً إحصائياً، لا علاقةً سببية مثبتة.
المرضى المصابون بسرطان الرئة صغير الخلايا الذين تلقّوا لقاح كوفيد خلال 100 يومٍ من بدء العلاج عاشوا ما يقارب ضعف المدّة مقارنةً بمن لم يتلقّوه. وبالنسبة لمرضى الميلانوما، لم يستطع الباحثون حساب الفارق في مدّة البقاء لأنّ عدداً كبيراً جداً من المرضى الذين تلقّوا لقاح كوفيد كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
يقول Grippin، الذي كان طالب دكتوراه في مختبر Sayour قبل انتقاله إلى MD Anderson: "يتصوّر معظم الناس اللقاحات كصاروخٍ موجَّه بدقّة. وقد يكون هذا صحيحاً، لكنّ أبحاثنا تُشير إلى أنّ الـ mRNA يعمل أيضاً كصفّارة إنذارٍ تستنفر الجهاز المناعي بأكمله."
يتعاون Grippin حالياً مع Sayour للتخطيط لتجربةٍ سريرية يُعطى فيها المرضى عمداً لقاح كوفيد قبل بدء علاج السرطان.
التمويل يتدفّق لكنّه لا يزال شحيحاً
يقول l o Robert Vonderheide، مدير مركز Abramson للسرطان في جامعة Pennsylvania ورئيسٌ منتخب للجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان، إنّ المجال تلقّى ضرباتٍ قاسية العام الماضي، لكنّ الضغط الشعبي حوّل المسار. يقول: "كان الجميع في البلاد يتساءلون: ما قيمة أبحاث السرطان لمجتمعنا؟ وما سمعناه من الجمهور ومرضانا هو: إنّها بالغة الأهمّية."
بدأت المنح البحثية الفيدرالية تتدفّق مجدّداً بعد انقطاعاتٍ كبيرة على مدى الأشهر الماضية. وفي الأسبوع الماضي، أخبر مدير NCI الدكتور Anthony Letai بودكاست Cancer Letter بأنّ 22 منحةً تنافسية مُنحت في 17 مارس، وأخرى بعدد 167 منحةً مُنحت خلال الأسابيع الثلاثة التي تلت ذلك.
غير أنّ الجراح لا تزال قائمة. فأحد مقترحات Sayour لاختبار لقاحٍ مبنيٍّ على الـ mRNA ضدّ نوعٍ نادر من أورام الدماغ لدى الأطفال كان قد حظي بموافقة NCI العام الماضي. لكن بعد أن خفّضت الوكالة عدد جوائزها بما يقارب النصف، يقول إنّ المال لم يصل قطّ.
يتوقّع Sayour أن يمضي العمل قُدُماً في نهاية المطاف، لكنّ الأمر سيستغرق وقتاً لإيجاد التمويل. يقول: "كما يمكنكم تخيّله، غيّرت نهجي في التعامل مع الشؤون المالية. الواقع هو أنّ هناك اعتماداً كبيراً على الحكومة الفيدرالية، وإن وضعت كلّ ثقتك في سهمٍ واحد، فقد تنهار بسرعة."
في حين يبقى التمويل الفيدرالي شحيحاً، فإنّ أبرز لقاحات سرطان الـ mRNA استقطبت دعماً من القطاع الخاصّ وليست رهينةً للمنح الحكومية. وتتوقّع Moderna الإعلان عن بيانات تجربة المرحلة الثالثة للميلانوما خلال هذا العام. كما ترعى Genentech و BioNTech الاختبار العالمي متعدّد المواقع للقاح الذي تلقّته بليكنر، بقيادة Balachandran في MSK.
يقول Balachandran: "تحتاج إلى منصّةٍ سريعة وفعّالة، ومرنة وقابلة للتوسّع. ثمّة طرقٌ أخرى لتوليد استجاباتٍ مناعية، لكنّ منصّة الـ RNA تبدو في الوقت الراهن الأفضل."
ورغم أنّ أياً من منصّات لقاحات السرطان لم تُثر مخاوف جدّية تتعلّق بالسلامة، تُلاحظ Jaffee أنّه بفضل تجربة كوفيد، بات لقاحات الـ mRNA تمتلك سجلاً واسعاً بشكلٍ استثنائي. تقول: "رأينا أكثر من مليارَي جرعة، وليس ثمّة بياناتٌ تُظهر أنّ لقاحات الـ mRNA تُسبّب أيّ مشكلاتٍ خطيرة."
أمّا فيتا سارا بليكنر، فلم تعد تنتظر المفاجأة المؤلمة. تقول: "أظنّ أنّه حين بلغت سنتي الخامسة خاليةً من السرطان، استوعبت حقاً أنّني بخير. قلت لنفسي: لقد تحدّيت الأرقام. الآن أنا ممتنّةٌ كلّ يوم. أتطلّع بشوقٍ إلى زفاف أبنائي. أتطلّع إلى الأعياد، لأنّ لديّ من القوّة ما يكفي لأستضيف الجميع. أقمنا تجمّعاً عائلياً منذ أسبوع، ورقصنا وأكلنا وقضينا وقتاً رائعاً. كلّ يومٍ هو نعمة.".
أخبار ذات صلة

إميليا كلارك تكشف عن إصابتها بنزيفين دماغيين في العشرينات من عمرها

تعافي مصابي إيبولا يحمل بشائر أمل في الكونغو الديمقراطية وسط ظهور حالات مشبوهة خارج أفريقيا

حبّة تجريبية تفتح آفاقاً جديدة في علاج سرطان البنكرياس
