نينيو الخارقة تهدد كاليفورنيا بفيضانات وأمواج عاتية
نينيو الخارقة تهدد كاليفورنيا بفيضانات ساحلية وأمطار غزيرة وأمواج عاتية قد تدمر السواحل وتشلّ النقل. ارتفاع مستويات البحر بفعل الاحترار المناخي يزيد المخاطر لتطال حياة وممتلكات الآلاف. التفاصيل على خَبَرَيْن.

في فبراير 1998، هطل على وسط مدينة Los Angeles ما يعادل تقريباً أمطار عامٍ كامل خلال أسابيع قليلة، حين ضربت سلسلة من العواصف الباسيفيكية العنيفة ولاية كاليفورنيا في خضمّ ظاهرة النينيو "الخارقة". أودت انهيارات أرضية مميتة بالمنازل المبنية على المنحدرات في جنوب الولاية ووسطها، فيما اجتاحت أمواجٌ عاتية الشريط الساحلي، ودمّرت قسماً كبيراً من الرصيف الشهير Santa Monica Pier، وأغرقت مناطق واسعة من مجتمعات خليج San Francisco.
لا يزال كثيرٌ من سكّان كاليفورنيا الذين عاشوا تلك الأحداث يعتبرونها المعيار الذي يقيسون به ما يمكن أن تُحدثه ظاهرة النينيو الخارقة من اضطرابٍ في حياتهم. واليوم، مع بدء تشكُّل نينيو جديدة يُرجَّح أن تكون الأشدّ في السجلّات المناخية يعود كثيرون إلى ذاكرة عام 1998 ليضبطوا توقّعاتهم على أساسها.
غير أنّ الخبراء يُحذّرون من أنّ نينيو الماضي لا تُشكّل بالضرورة دليلاً موثوقاً لاستشراف نينيو المستقبل. فنينيو 2015-2016 الخارقة مثلاً لم تُفرز قريباً من الأمطار التي أنتجتها سابقتها على كاليفورنيا. وتزداد نينيو الحالية غموضاً بفعل التأثير المتزامن للاحترار العالمي الناجم عن تلوّث المناخ بالانبعاثات الكربونية، وهو ما قد يُضاعف بعض تداعياتها.
الثابت في المشهد الراهن أنّ كاليفورنيا ستكون مرجَّحةً مجدّداً لتكون بؤرة هذه النينيو التاريخية في الولايات المتحدة. فالأحداث القوية لهذه الظاهرة، كالتي تتصاعد حالياً في المحيط الهادئ الاستوائي، نادراً ما أبقت الولاية الذهبية بمنأى عن عواقب جسيمة.
هذه المرّة، يُتوقَّع أن تواجه الولاية مخاطر متعدّدة: من فيضانات ساحلية واسعة، إلى أمطار غزيرة في المناطق المنخفضة وثلوج كثيفة في الجبال. كما أنّ الأمواج الشاهقة التي تولّدها العواصف الباسيفيكية الشديدة وتزيد النينيو من ارتفاعها قد تُآكل أجزاء من الشريط الساحلي الهشّ وتُشلّ شرايين النقل الساحلية الحيوية.
ويُتوقَّع أن تسجّل كاليفورنيا أعلى مستويات المدّ في تاريخها حين تبلغ الظاهرة ذروتها بين أواخر الخريف وفصل الشتاء. ويؤكّد العلماء أنّ الفيضانات الساحلية الواسعة شبه حتمية.
وهذه المخاطر المرتبطة بالنينيو مُدرجةٌ في التوقّعات بصرف النظر عن المسار الذي ستسلكه العواصف الباسيفيكية الشديدة، إذ ترفع النينيو مستويات المياه الساحلية فوق مستويات البحر المرتفعة أصلاً بفعل تغيّر المناخ.
ويعود هذا الارتفاع إلى سببَين اثنَين، كلاهما مرتبطٌ بحقيقة أنّ النينيو تتميّز بارتفاع درجات حرارة المحيطات فوق المتوسّط في المحيط الهادئ الاستوائي:
الأوّل، أنّ مياه المحيط الأدفأ تتمدّد وتشغل حجماً أكبر. والثاني، أنّ الأمواج التي تُسهم في تشكيل ظاهرة النينيو في المحيط الهادئ تنعطف شمالاً حين تصطدم بالساحل الأمريكي الجنوبي.
تُعرف هذه الأمواج بـ"أمواج كلفن" (Kelvin waves)، وهي لا تنكسر ولا تتحطّم على الشاطئ. بل هي أمواجٌ ضخمة بطيئة الحركة، تتأرجح صعوداً وهبوطاً كالماء في حوض الاستحمام. في غرب المحيط الهادئ، تُحرّك هذه الأمواج كمّياتٍ هائلة من المياه الساخنة شرقاً على طول خطّ الاستواء، ممّا يُسهم في نشوء ظاهرة النينيو. لكنّها حين تصطدم باليابسة في أمريكا الجنوبية، تُصبح محاصَرةً ساحلياً وتتحرّك شمالاً وجنوباً موازيةً للشاطئ رافعةً مستويات البحر ما بين 15 و30 سنتيمتراً في مسارها.
وقد رصدت صور الأقمار الاصطناعية بالفعل منطقةً من ارتفاع منسوب البحر تمتدّ شمالاً من أمريكا الجنوبية والوسطى وصولاً إلى شبه جزيرة Baja California، مع توقّعات باستمرار هذا التمدّد نحو الشمال.
ويزيد الأمر تعقيداً أنّ نينيو هذا العام تتزامن مع ذروة دورة المدّ الفلكي التي تتكرّر كلّ 18 عاماً وهي ظاهرةٌ طبيعية فلكية ستجعل المدود الملكية (King Tides) أعلى ممّا كانت ستكون عليه أصلاً، وفقاً لما أفاد به Patrick Barnard، مدير الأبحاث في مركز المرونة المناخية الساحلية بجامعة كاليفورنيا في Santa Cruz.
يُضاف إلى ذلك الأمواج الاعتيادية التي تُولّدها العواصف. وأشار Barnard إلى أنّ الدراسات أثبتت أنّ عواصف المحيط الهادئ تُنتج طاقةً موجية أعلى بنحو 30% خلال سنوات النينيو مقارنةً بالسنوات الخالية من هذه الظاهرة. وفي بعض سنوات النينيو الخارقة السابقة، كحدث 2015-2016، بلغت الزيادة في طاقة الأمواج ما يصل إلى 50%.
ووفقاً لـ Barnard، فإنّ الارتفاع المتوقَّع في مستويات المياه الساحلية خلال هذه النينيو الذي يتراوح بين 15 و30 سنتيمتراً سيُهدّد 170,000 شخص إضافي وما قيمته 60 مليار دولار من الممتلكات، مقارنةً بسنةٍ خالية من النينيو الخارقة.
وشدّد Barnard وغيره من الخبراء على يقينية التأثيرات الساحلية، في مقابل الغموض الأكبر الذي يكتنف جانب التساقطات المطرية في أحداث النينيو الخارقة بكاليفورنيا.
وقال Barnard: "نعلم يقيناً أنّنا سنواجه هذه المخاطر الساحلية."
الأمطار أكثر تقلّباً من الأمواج
أقلّ يقيناً هو المسار الذي سيتّخذه نظام العواصف الباسيفيكية بالضبط، إذ دأبت بعض أحداث النينيو على إغراق شمال كاليفورنيا بالأمطار الغزيرة، فيما خفتت في أخرى أو توجّهت نحو الجنوب.
وقال Dillon Amaya، عالم الأرصاد الجوية في جامعة ولاية North Carolina: "نميل عادةً إلى اعتبار النينيو محرّكاً لأحوالٍ أكثر رطوبةً من المعتاد في معظم جنوب غرب أمريكا، وأحوالٍ أجفّ من المعتاد في شمال غرب المحيط الهادئ، وهذه الإشارة واضحةٌ نسبياً في الأحداث الكبرى." غير أنّه نبّه قائلاً: "لكنّها ليست علاقةً طردية مثالية بنسبة واحد إلى واحد."
وأضاف Barnard: "الأوراق محمَّلة بالتأكيد لصالح هطول الأمطار. أمّا أين تحديداً، فصعبٌ التنبّؤ به."
والأرجح أنّ الأمطار الغزيرة والثلوج الجبلية لن تغيب كلياً هذا الشتاء، إذ وجدت الدراسات أنّ النينيو القوية مرتبطةٌ بتساقطاتٍ أعلى من المتوسّط عبر الولاية. وقد تتضافر عواصف النينيو مع الأمواج الأشدّ من المعتاد لتُفضي إلى مخاطر متعدّدة كالفيضانات والانهيارات الطينية والأرضية.
ولم تكن أحداث النينيو الخارقة السابقة رحيمةً بكاليفورنيا. ففي منطقة خليج San Francisco، تجاوزت كميات الأمطار خلال الموسم الممطر في نينيو 1997-1998 ضعفَي المعدّل الطبيعي بأكثر من 200%، فيما سجّلت كاليفورنيا الوسطى أمطاراً قياسية في الفترة ذاتها. وخلّف ذلك الحدث وفياتٍ جرّاء الفيضانات والانهيارات الطينية، فضلاً عن الدمار الساحلي الناجم عن ارتفاع منسوب المياه والأمواج المدفوعة بالرياح.
وقال Amaya: "ذلك الحدث يُشكّل مرجعاً حقيقياً لتوقّعاتنا، في الأوساط العلمية وعند عامّة الناس على حدٍّ سواء، نظراً لعمق تأثيره."
ومن المحتمل أن يُغيّر الاحترار العالمي الذي جرى منذ حدث 1997-1998، بل ومنذ نينيو 2015-2016، بعضَ النتائج المعتادة. فبعض التأثيرات قد تكون أشدّ وطأةً مما سبق، فيما قد لا تظهر أخرى أصلاً.
وأكّد Amaya أنّه لا شكّ في أنّ النينيو الجارية تسير نحو ذروةٍ استثنائية في شدّتها، نظراً للكمّ الهائل من الحرارة الكامن تحت سطح المحيط الهادئ الاستوائي، والمحكوم عليه بالصعود تدريجياً إلى السطح.
وختم Amaya قائلاً: "نحن بالتأكيد على مسار نينيو خارقة. أنا مستعدٌّ للمراهنة بمنزلي على ذلك؛ سنصل إلى هناك."
أخبار ذات صلة

إعصار موك يهدّد جزيرة هاواي الكبرى برياحٍ وأمطارٍ غزيرة بعد إعصار لالا بأسبوع

هاواي تستعدّ لعاصفةٍ استوائية جديدة وبيج آيلاند تتعافى من فيضانات لالا

إعصار لالا يتجه نحو هاواي بأمطار غزيرة وأمواج عاتية
