خَبَرَيْن logo

مخاوف من مضادات الاكتئاب وتأثيرها على الحمل

مخاوف من تأثير مضادّات الاكتئاب على صحة الجنين تتصاعد، لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الروابط بين هذه الأدوية والتوحّد وADHD قد تكون أقل مما يُعتقد. تعرف على التفاصيل وأهمية العلاج خلال الحمل على خَبَرَيْن.

امرأة حامل تحمل مجموعة من الحبوب الملونة في يدها، مع كوب من الماء، مما يعكس القلق حول استخدام مضادات الاكتئاب خلال الحمل وتأثيراتها المحتملة.
تُعتبر مضادات الاكتئاب آمنة وفعّالة بشكل عام لعلاج الاكتئاب والقلق وغيرها من الاضطرابات.
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

مخاوف متزايدة تُحيط باستخدام مضادّات الاكتئاب خلال فترة الحمل، لا سيّما ما يتعلّق منها بالتأثيرات المحتملة على الجهاز العصبي للجنين النامي، بما في ذلك اضطرابات التطوّر العصبي. وفي خضمّ هذا الجدل، نشر فريقٌ من الباحثين ما يُعدّ حتى الآن أقوى دليلٍ علمي يربط بين استخدام أحد الوالدَين لمضادّات الاكتئاب قبل الحمل وخلاله، وبين التوحّد واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) لدى أطفالهم. وقد خلصت هذه الدراسة الواسعة إلى أنّ معظم مضادّات الاكتئاب لا ترتبط ارتباطاً يُعتدّ به بهذين الاضطرابَين، حين يُؤخذ في الحسبان تأثير العوامل الأخرى المؤثّرة.

المراجعة المنهجية وما كشفت عنه

استندت هذه النتائج إلى مراجعةٍ منهجية وتحليلٍ تجميعي شمل 37 دراسةً سابقة، اشتملت على أكثر من 600,000 امرأةٍ حامل تتناول مضادّات الاكتئاب، وما يقارب 25 مليون حالة حمل لم تُستخدم فيها هذه الأدوية. نُشر التقرير في مجلّة The Lancet Psychiatry يوم الخميس.

في البداية، رصد الباحثون ارتباطاً بين تناول الأمّ لمضادّات الاكتئاب خلال الحمل وارتفاع خطر الإصابة بـ ADHD بنسبة 35%، وبخطر التوحّد دون إعاقةٍ ذهنية بنسبة 69%. كما ارتبط استخدام الأب للأدوية ذاتها بارتفاع خطر ADHD بنسبة 46%، وخطر التوحّد بنسبة 28%. غير أنّه حين عدّل الباحثون نتائجهم مراعاةً للعوامل المُربِكة (Confounders) كالتأثيرات الجينية والأسرية، والأسباب الكامنة وراء تناول هذه الأدوية تلاشت معظم الروابط أو ضعفت ضعفاً ملحوظاً، وتراجع خطر التوحّد إلى نحو 15% فحسب.

وقال الدكتور Wing Chang، أحد المؤلّفين الرئيسيين للدراسة وأستاذ الطبّ النفسي السريري في جامعة هونغ كونغ، عبر البريد الإلكتروني: "هذا النمط يُشير بقوّة إلى أنّ الارتفاع الملاحَظ في معدّلات ADHD والتوحّد لدى المجموعات المعرَّضة سابقاً يعكس في معظمه الاستعداد الكامن لدى هؤلاء الأمّهات وأسرهم، لا التعرّض للدواء في حدّ ذاته."

وأضاف Chang أنّ مضادّات الاكتئاب "تُمثّل الركيزة الدوائية الأساسية لعلاج الاكتئاب"، الذي يصيب أكثر من 10% من النساء الحوامل حول العالم. وقد تمحور كثيرٌ من النقاش حول المخاطر المحتملة على مثبّطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وهي الفئة الأكثر وصفاً من بين مضادّات الاكتئاب.

وأشار Chang إلى أنّ هذا القلق "تصاعد في أعقاب نقاشات لجنة خبراء FDA في يوليو 2025 حول احتمال تعزيز التحذيرات المتعلّقة بـ SSRIs خلال الحمل، في ضوء مخاوف تشمل التوحّد والإجهاض والتشوّهات الخلقية." وقد انتقدت المنظّمات الطبّية على نطاقٍ واسع التصريحات الصادرة خلال الجلسة التي نظّمتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، واصفةً إيّاها بأنّها "مثيرةٌ للقلق في اختلالها" لإغفالها "الاعتراف الكافي بأضرار اضطرابات المزاج المحيطة بالولادة حين تُترك دون علاج."

و أوضح Chang أنّ الدراسات السابقة أفرزت شيئاً غير متّسق من الأدلّة، وكانت مقيَّدة بصغر حجم العيّنات وقصور في قياس العوامل المُربِكة. فضلاً عن ذلك، لم تُجرَ حتى الآن أيّ مراجعات تُقيّم بشكلٍ شامل التأثيرات المحتملة لفئة مضادّات الاكتئاب بوجهٍ عام، ولأدويةٍ بعينها، وللجرعة المستخدمة، واستخدام كلا الوالدَين للدواء قبيل الحمل أو خلاله. هذه الثغرات إلى جانب الفوائد الجوهرية لمضادّات الاكتئاب ومخاطر ترك الاكتئاب دون علاج هي ما وجَّه البحث.

وأضاف أنّ الفريق أراد أيضاً "مساعدة الأطبّاء والمرضى على اتّخاذ خياراتٍ مستنيرة."

اتّخاذ قرار العلاج

يُدرك الخبراء أنّ التأثير المحتمل للأدوية النفسية على الأطفال "يُشكّل بطبيعة الحال مصدر قلقٍ للوالدَين والأطبّاء المعالجين على حدٍّ سواء"، بحسب ما قاله الدكتور Jonathan Alpert، رئيس قسم الطبّ النفسي وعلوم السلوك في Montefiore Medical Center بمدينة نيويورك، عبر البريد الإلكتروني.

وأضاف Alpert، الذي لم يشارك في الدراسة: "الحمل هو حتماً وقتٌ تتصاعد فيه المخاوف على صحّة المرأة وصحّة جنينها."

وأكّد Chang أنّ نتائج الدراسة تُرسّخ التوجيهات السريرية الراهنة، التي تدعم عموماً الاستمرار في علاج الاكتئاب خلال الحمل حين يكون ذلك ضرورياً، مشيراً إلى أنّ "نتائجنا لا تُقدّم دليلاً قوياً على أنّ التعرّض لمضادّات الاكتئاب قبل الولادة يُسبّب اضطرابات التطوّر العصبي."

وحين تُثار المخاوف، ينبغي أن يجري المريض والطبيب نقاشاً معمّقاً يتضمّن الموازنة بين "المخاطر الضئيلة المحتملة للاستمرار في تناول الدواء والمخاطر الجسيمة للاكتئاب الأمومي غير المعالَج، للتوصّل إلى قرارٍ فردي مدروس"، وفق ما أوضح Chang.

وإلى جانب التأثيرات على الأمّ، فإنّ الأجنّة تكون أيضاً أكثر عرضةً للولادة المبكرة ونقص الوزن عند الولادة، فضلاً عن ارتفاع معدّلات الاندفاعية وصعوبات التواصل الاجتماعي والمشكلات المعرفية والسلوكية والعاطفية. وأوضحت الدكتورة Nancy Byatt، الطبيبة النفسية المتخصّصة في الفترة المحيطة بالولادة، عبر البريد الإلكتروني، أنّ مشكلات الصحة النفسية في هذه المرحلة قد تُفضي إلى اضطرابٍ في استقلاب السيروتونين، وخللٍ وظيفي في المشيمة والتهابٍ فيها، وتغيّراتٍ في بنية دماغ الجنين.

وأشارت Byatt التي لم تشارك في الدراسة، وتشغل منصب المديرة التنفيذية لـ Lifeline for Families Center وبرنامج Lifeline for Moms، وأستاذةً في UMass Chan Medical School إلى أنّ الاضطرابات النفسية كانت وراء ما يقارب 28% من وفيات الأمّهات المرتبطة بالحمل عام 2022، مقارنةً بـ 23% في الفترة 2017-2019.

وإن كان القرار هو التوقّف عن تناول مضادّات الاكتئاب، فينبغي أن يتمّ ذلك تدريجياً تحت متابعةٍ سريرية دقيقة، مع الحرص على ممارسة أساليب أخرى للحفاظ على الصحة النفسية، وفق ما أكّد Alpert. وأضاف Chang أنّ متلازمة التوقّف عن مضادّات الاكتئاب قد تكون مُرهِقة بشكلٍ خاص حين تتزامن مع أعراض الحمل الشائعة كالغثيان والإرهاق.

وختم Alpert بالقول: "أدركي أنّك تدعمين صحّتك وصحّة طفلك معاً حين تحصلين على العلاج الذي تحتاجينه."

وبحسب ما أشار إليه المؤلّفون، قد تُفيد العلاجات غير الدوائية كأنواعٍ مختلفة من العلاج النفسي تبعاً لشدّة الاكتئاب.

وفي ضوء النتائج، رأى الباحثون أنّ الصحة النفسية للآباء "قد تُمثّل أيضاً عاملاً محورياً لم يحظَ بالدراسة الكافية في سياق خطر اضطرابات التطوّر العصبي لدى الأطفال." وكتبوا في الدراسة: "تطوّرت طبّ نفس الفترة المحيطة بالولادة ليشمل ثلاثة أطراف: الأمّ والرضيع والأب. إنّ تحسين الصحة النفسية لكلا الوالدَين ضرورةٌ لا غنى عنها، ليس لصالحهما فحسب، بل لصالح النموّ طويل الأمد للطفل."

«طمأنينةٌ حقيقية» بشأن سلامة مضادّات الاكتئاب

في هذا البحث الذي شمل والدَين في العمر المتوسّط نحو 28 عاماً، لم يرتبط استخدام مضادّات الاكتئاب ارتباطاً يُعتدّ به بارتفاع مخاطر الاضطرابات الحركية، واضطرابات الكلام واللغة، والإعاقة الذهنية.

كما أنّ الارتفاع الطفيف في مخاطر ADHD والتوحّد لم يبدُ مرتبطاً بجرعة مضادّات الاكتئاب، وإن كانت معظم الدراسات المُدرجة في المراجعة تفتقر إلى معلوماتٍ تفصيلية حول الجرعات. وقال Chang: "هذا سؤالٌ بالغ الأهمية في سياق الحمل، حيث تُرفع الجرعات أحياناً لمراعاة التغيّرات في حجم البلازما واستقلاب الدواء."

وعلى نحوٍ مماثل، لم تتناول سوى دراساتٍ قليلة التأثيرات المحتملة لمدّة العلاج أو أنماط التعرّض الأكثر تفصيلاً، ممّا حال دون قدرة الباحثين على رصد فوارق موثوقة بين الاستخدام المتواصل وذاك المقتصر على ثلاثيٍّ واحد من الحمل، مثلاً. ولمّا كان الدماغ والجهاز العصبي للجنين ينمو طوال فترة الحمل، فإنّ توضيح هذه العوامل يُمثّل خطوةً بحثية ضرورية، وفق ما أكّد Chang.

وبشكلٍ عام، رأى Alpert أنّ هذه النتائج "مع الجسم المتنامي من الأبحاث الرصينة حول استخدام مضادّات الاكتئاب خلال الحمل، تُقدّم طمأنينةً حقيقية بشأن سلامة مضادّات الاكتئاب الحديثة."

أمّا ما يستدعي مزيداً من الانتباه، فهي نتائج مضادّات الاكتئاب ثلاثية الحلقة (Tricyclic Antidepressants)، وهي أدوية أقدم عهداً اكتُشفت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في حين طُوِّر أوّل مثبّط لاسترداد السيروتونين الانتقائي وهو fluoxetine في سبعينيات القرن الماضي، وحاز موافقة FDA عام 1987. وعلى خلاف SSRIs التي تؤثّر على ناقل السيروتونين العصبي وحده، تؤثّر مضادّات الاكتئاب ثلاثية الحلقة كـ amitriptyline وnortriptyline على السيروتونين والنورإبينفرين وناقلاتٍ كيميائية أخرى، ممّا يجعلها أكثر أعراضاً جانبية وتُصنَّف علاجاً من الخطّ الثاني أو الثالث.

وفي هذا البحث، حين أُخذت العوامل المؤثّرة الأخرى في الحسبان، ظلّ كلٌّ من amitriptyline وnortriptyline مرتبطَين بارتفاعٍ في خطر ADHD.

وقال Alpert: "هل هذا الارتباط سببيٌّ … أم أنّه يعود إلى عواملٍ أخرى كشدّة الاكتئاب الذي تُحجز لعلاجه هذه الأدوية الأقدم عادةً هذا ما يبقى مجهولاً." وأضاف: "في انتظار مزيدٍ من البحث في هذا الموضوع، يستحقّ الأمر أن تناقش الحوامل اللواتي يتناولن هذه الأدوية الأقدم أو يفكّرن في البدء بها مع أطبّائهن المخاطر والفوائد المحتملة."

وأكّد Alpert أهمية اللجوء إلى مصادر موثوقة لأيّ مخاوف صحّية أو دوائية خلال الحمل، مُشيراً إلى أنّ هذه المصادر تشمل إلى جانب الأطبّاء المتخصّصين في صحّة الأمومة الكلية الأمريكية لأطبّاء التوليد وأمراض النساء (American College of Obstetricians and Gynecologists)، والأكاديمية الأمريكية لطبّ الأطفال (American Academy of Pediatrics)، والجمعية الأمريكية للطبّ النفسي (American Psychiatric Association).

أخبار ذات صلة

Loading...
عاملان صحيان يرتديان بدلات وقائية ويحملان طفلين في مركز علاج إيبولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية خلال تفشّي فيروس إيبولا النادر.

إيبولا في الكونغو الديمقراطية: ثاني أكبر تفشٍ عالمياً

تجاوز تفشّي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية 3,500 إصابة، مع ارتفاع معدلات الوفيات إلى 44.1%، ما يجعله أسرع وأخطر وباء إيبولا في التاريخ الحديث. اكتشف أسباب تفشّي هذا الفيروس النادر وتحديات احتوائه الآن.
صحة
Loading...
امرأة تدخل عيادة الحصبة في الولايات المتحدة وسط تفشٍ متزايد للمرض في 2026 مع ارتفاع حالات الإصابة.

الولايات المتحدة تسجّل 2,318 حالة حصبة وتتجاوز إجمالي 2025

تجاوزت حالات الحصبة في الولايات المتحدة 2,300 في 2026 مع تفشٍ خطير خاصة في South Carolina، ما يهدد الصحة العامة بسبب انخفاض نسب التطعيم. اكتشف أسباب الارتفاع وكيف تحمي نفسك وعائلتك. اقرأ المزيد الآن!
صحة
Loading...
جنود الجيش الأمريكي يرتدون زيهم العسكري الرسمي أثناء جلسة، تعبيرًا عن برنامج فحص مستويات التستوستيرون للرجال فوق الثلاثين.

هرمون التستوستيرون: ليس ما يعتقده معظم الناس

هل تعاني من تعب مزمن أو انخفاض الرغبة الجنسية؟ قد يكون هرمون التستوستيرون السبب. اكتشف كيف تؤثر صحّتك ونمط حياتك على مستوياته وابدأ الفحص مع طبيب متخصص الآن لنتائج دقيقة وعلاج آمن.
صحة
Loading...
فرق طبية ترتدي ملابس الوقاية الكاملة أمام سيارة إسعاف في الكونغو لمواجهة تفشي فيروس إيبولا وسلالة بونديبوغيو.

مواطن أمريكي يعمل في الكونغو الديمقراطية يُثبت إصابته بفيروس إيبولا

انتشار فيروس إيبولا بسلالة بونديبوغيو في الكونغو يثير القلق بعد إصابة عامل إنساني أمريكي. تعرف على تطورات الوباء وكيفية حماية نفسك عند السفر. اقرأ المزيد لتبقى آمناً ومطلعاً على آخر المستجدات.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية