أوكرانيا تعزز قوتها الصاروخية في مواجهة روسيا
خَبَرَيْن يكشف كيف يعزز رفع السرية البريطانية عن صاروخ SCALP قدرة أوكرانيا على إنتاج صواريخ بعيدة المدى محلياً لتغيير موازين الحرب مع روسيا وسط تحديات نقص الصواريخ الدفاعية ورفض موسكو المتكرر.

رسّخت الحرب الروسية الأوكرانية قاعدةً يكاد يجمع عليها المحلّلون: إنّ التفوّق الصاروخي البعيد المدى بات مفتاحَ الحسم في هذا النزاع. والإعلان البريطاني الأخير عن رفع السرية عن مكوّنات تقنية حساسة يُجسّد هذه المعادلة بوضوح.
أعلنت لندن، الاثنين، أنّها ستُتيح الإفراج عن معلومات سرية تتعلق بمكوّنات بريطانية الصنع في صاروخ SCALP الجوالّ، المعروف في المملكة المتحدة باسم Storm Shadow، وذلك لتمكين أوكرانيا من إنشاء خطّ إنتاج محلّي لهذا الصاروخ بالتعاون مع فرنسا. وتأمل باريس وكييف في تشغيل هذا الخطّ قبل نهاية العام الجاري، في خطوةٍ تُعزّز القدرة الأوكرانية على توليد قوّة نارية تصل إلى مئات الكيلومترات داخل الأراضي الروسية.
صاروخٌ أثبت فاعليّته ميدانياً
يصنع صاروخ SCALP شركةُ MBDA الأوروبية للأسلحة. وهو صاروخٌ جوالّ بعيد المدى، مزوَّدٌ برأسٍ حربي تقليدي مُخصَّص للضربات العميقة، وقد استخدمته أوكرانيا بنسخه المستوردة بنجاحٍ ملحوظ في استهداف المواقع المحصّنة. وفي نوفمبر 2024، أُطلق هذا الصاروخ لأوّل مرة على أهدافٍ داخل روسيا.
وفقاً لمشروع Missile Threat التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، يعمل الصاروخ بمحرّك نفّاث، ويبلغ مداه الأقصى 550 كيلومتراً، ويحمل رأساً حربياً خارقاً للتحصينات يزن 400 كيلوغرام. وبعد إطلاقه، يعتمد على منظومة ملاحية مركّبة تجمع بين التوجيه الداخلي ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والمرجعية الطبوغرافية للتضاريس، إلى جانب «كاشفٍ بالأشعة تحت الحمراء وخوارزميات التعرّف التلقائي على الأهداف»، ممّا يمنحه دقّةً عالية في مختلف الأحوال الجوية.
يُطلَق الصاروخ من مقاتلات Su-24 أو Mirage 2000 الأوكرانية، ويتفادى منظومات الدفاع الجوي بالتحليق على ارتفاعاتٍ منخفضة مُلاصقةً للتضاريس. وتكمن قيمته الاستراتيجية الأبرز في قدرته على استهداف المواقع العسكرية المدفونة، كمخابئ القيادة، وهي مهمّةٌ تعجز عنها الطائرات المسيّرة الخفيفة التي اعتمدت عليها كييف حتى الآن في ضرب أهدافٍ أكثر انكشافاً كمستودعات النفط والمخازن.
موسكو تُحذّر ولندن تتمسّك
ردّ الكرملين بحدّةٍ على الإعلان البريطاني، إذ وصف المتحدّث باسمه Dmitry Peskov المملكةَ المتحدة بأنّها «تُشارك في الحرب» وتُلقي «الزيتَ على النار». وجاء هذا الردّ في سياقٍ أوسع، بعد أن حذّرت السفارة الروسية في لندن الأسبوعَ الماضي من أنّه «كلّما تعمّق التورّط البريطاني» وتصاعد دعمه لأوكرانيا، «ارتفع الثمن الذي سيدفعه».
في المقابل، لم تتراجع لندن. وصل رئيس الوزراء Andy Burnham إلى كييف الاثنين، في أوّل زيارةٍ خارجية له منذ توليّه منصبه في 20 يوليو، وذلك بمناسبة يوم الاستقلال الأوكراني. وقال في بيانٍ رسمي: «لا ينبغي أن يساور الشعبَ الأوكراني أيُّ شكٍّ: المملكة المتحدة إلى جانبكم اليوم، وإلى أن تتحقّق الغاية». وأضاف: «أمنُ أوكرانيا هو أمنُنا».
وفي كييف، سيترأّس Burnham مشتركاً اجتماعَ «تحالف الراغبين» (Coalition of the Willing)، وهو تحالفٌ دولي يضمّ 34 دولة، أسّسته بريطانيا وفرنسا العام الماضي لدعم أوكرانيا في مواجهة تراجع المساعدات الأمريكية في عهد إدارة Trump.
أمّا على صعيد الإنتاج، فلم تُعلن بريطانيا وفرنسا حتى الآن عن العدد الإجمالي لصواريخ SCALP/Storm Shadow التي سُلِّمت لأوكرانيا، غير أنّ شركة MBDA أعادت في 2025 تشغيل خطوط إنتاجٍ كانت متوقّفة منذ 15 عاماً. وقال وزير الدفاع الفرنسي Sébastien Lecornu آنذاك: «أثبت صاروخ SCALP/Storm Shadow الفرنسي-البريطاني المُسلَّم لأوكرانيا فاعليّتَه في القتال عالي الكثافة الحديث، في لحظاتٍ حاسمة».
وحتى مع هذا الإعلان، قد تستغرق عملية تطوير الإنتاج سنواتٍ عدة قبل أن تبلغ الطاقة المطلوبة.
ثغرةٌ دفاعية لم تُسدَّ بعد
ما لا يُعالجه صاروخ SCALP هو الشحّ الحادّ في الصواريخ الاعتراضية الدفاعية، كمنظومة Patriot الأمريكية وهي ثغرةٌ كشفت عنها الأسابيع الأخيرة بتبعاتٍ مأساوية، إذ شنّت روسيا موجاتٍ واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة أسفرت عن عشرات القتلى الأوكرانيين.
تمت زيارة إحدى بطاريات Patriot في أوكرانيا مطلع هذا الشهر، وأفيد بأنّها لم تُطلق أيَّ صاروخٍ منذ أسابيع بسبب نفاد المعترضات. وقد طلبت كييف الإذنَ بتصنيع هذه المعترضات محلياً، وهو ما أبدى الرئيس الأمريكي Donald Trump دعمه له في مطلع يوليو، قبل أن يتراجع عن موقفه لاحقاً. كما رفضت إدارة Trump مساعي أوكرانيا للحصول على صواريخ Tomahawk الجوالّة بعيدة المدى، التي استُنزفت مخزوناتها جزئياً في الحرب على إيران.
أوكرانيا تبني قدراتها الذاتية
في المقابل، لم تقف أوكرانيا مكتوفة الأيدي على صعيد الإنتاج الصاروخي المحلي.
طوّرت شركة Fire Point الأوكرانية صاروخَ FP-5 Flamingo الجوالّ، الذي يبلغ مداه 3,000 كيلومتر، ممّا يُتيح له الوصول إلى أعماق الأراضي الروسية. وأعلن الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelensky في وقتٍ سابق من هذا الشهر أنّ الصاروخ استُخدم لضرب منشأةٍ روسية حيوية لإنتاج إلكترونيات الصواريخ، تبعد نحو 900 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية. وأشار Zelensky إلى أنّ Flamingo خاض معركته الأولى عام 2025، فيما تُشير تقارير الاستخبارات مفتوحة المصدر إلى تصاعدٍ ملحوظ في توظيفه خلال العام الجاري. وإلى جانب هذا الصاروخ، طوّرت Fire Point طائراتٍ مسيّرة بعيدة المدى وصواريخَ باليستية قصيرة المدى.
وهنا تتجلّى معادلةٌ استراتيجية لافتة: إنّ توظيف أوكرانيا للأسلحة بعيدة المدى قلب المنطقَ العسكري الروسي رأساً على عقب. فالاتساع الجغرافي الهائل لروسيا، الذي طالما اعتُبر ميزةً استراتيجية راسخة، بات يُشكّل عبئاً على موسكو التي تكافح لتوزيع منظوماتها الدفاعية المحدودة على عددٍ متزايد من الأهداف المعرّضة للخطر.
وقد صاغ Peter Dickinson، محرّر مدوّنة Ukraine Alert في مجلس الأطلسي، هذه المفارقة بدقّة: «طالما غزا الطامحون إلى الفتح روسيا، فابتلعت مساحتُها الشاسعة جيوشَهم. أوكرانيا تسعى الآن إلى قلب هذا المنطق العسكري بحملةٍ قصفٍ استراتيجية تستهدف استثمار اتساع روسيا وتحويله من قوّةٍ أساسية إلى نقطة ضعفٍ قاتلة».
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة تتهم جواسيس صينيين بمهاجمة مستشفيات وجهاتٍ حكومية عسكرية

اجتماع سري: مدير CIA يزور موسكو للقاء مسؤولين روس

الفصائل الليبية تصيغ اتفاقاً انتخابياً أولياً وسط شكوكٍ متجذّرة
