خَبَرَيْن logo

قيود تعيق استجابة أمريكا للأوبئة العالمية

تظهر وثائق داخلية أن قيوداً تعيق تواصل الباحثين الأمريكيين مع منظمة الصحة العالمية خلال الأوبئة، مما يؤثر سلباً على الاستجابة الصحية. تعرف على تأثير هذه السياسات على التعاون الدولي في مواجهة التهديدات الوبائية في خَبَرَيْن.

شعار منظمة الصحة العالمية (WHO) يظهر على نافذة، مع رموز طبية وعالمية، يعكس أهمية التعاون الدولي في مواجهة الأوبئة.
مقر منظمة الصحة العالمية في جنيف، سويسرا، بتاريخ 17 مايو 2026. فابريس كوفريني/أ ف ب/صور غيتي.
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

فرضيةٌ راسخة في أذهان كثيرين: إنّ الولايات المتحدة، بما تمتلكه من مؤسسات بحثية وخبرات علمية متراكمة، ستبقى دائماً في طليعة الاستجابة الدولية لأي تهديدٍ وبائي. غير أنّ ما تكشفه وثائق داخلية ومصادر متعددة تحدّثت يُعقّد هذه الصورة تعقيداً بالغاً بل ربما يقلبها رأساً على عقب.

يواجه كبار الباحثين الأمريكيين في مجال الأمراض المعدية قيوداً تحول دون تواصلهم المباشر مع منظمة الصحة العالمية (WHO) في خضمّ تفشّيات فيروسية نشطة، وفقاً لوثائق تم الاطّلاع عليها ومصادر متعددة مطّلعة على الملف.

قيودٌ في زمن التفشّيات

تمنع سياسةٌ داخلية في إدارة Trump موظّفي المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID) من التواصل مع منظمة الصحة العالمية إلا بعد الحصول على إذنٍ من كبار المسؤولين. وهذا المعهد الذي قاده الدكتور Anthony Fauci لعقودٍ طويلة هو المؤسسة ذاتها التي أشرفت على تطوير علاجات لأزمات صحية عامة من بينها الإيدز (HIV/AIDS) وكوفيد-19.

وقد ظلّت هذه القيود سارية المفعول خلال تفشّي فيروس الهانتا (Hantavirus) الذي تعرّض له عددٌ من الأمريكيين. وفي الأسبوع الماضي، خُفِّفت بعض الشيء مع تصاعد وتيرة وباء إيبولا (Ebola) المتمركز في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إذ بات بإمكان بعض مسؤولي NIAID حضور اجتماعات WHO الافتراضية لكن في مجموعاتٍ صغيرة وبصفة "مستمعين" فحسب، وفق ما جاء في بريدٍ إلكتروني مؤرّخ في 18 مايو أرسله مسؤولٌ رفيع في NIAID إلى الموظفين.

وجاء في البريد الإلكتروني: "سنعمل بالأسلوب ذاته الذي اتّبعناه مع فيروس الهانتا، بتشكيل مجموعاتٍ صغيرة من الخبراء لا تتجاوز ثلاثة أشخاص للمشاركة. وإن كانت لدينا تساؤلاتٌ بحثية مشروعة أو أفكارٌ لاختبار التدابير المضادة، فيمكن طرحها عبر سلسلة القيادة الرسمية."

وبعد نشر هذا التقرير، أفاد مسؤولٌ في الإدارة بأنّ ما يصل إلى 30 موظفاً من NIAID باتوا مخوَّلين بالحضور.

ممارس صحي يرتدي ملابس واقية يقيس درجة حرارة مريضة في مركز صحي، مما يعكس جهود الاستجابة لتفشي الأمراض المعدية.
Loading image...
يعمل طبيب في نقطة تفتيش تم إعدادها عند مدخل مستشفى كجزء من إجراءات الوقاية من الإيبولا في غومَا بتاريخ 22 مايو 2026.

وصف مسؤولون صحيون حاليون وسابقون هذه القيود بأنّها تُعيق التعاون السريع مع نظرائهم الدوليين، فيما وصفها أحد الموظفين بأنّها أمرٌ لم يسبق له مثيلٌ في سياق الاستجابة الأمريكية لحالات الطوارئ الصحية العامة الناشئة.

فراغٌ في القيادة الصحية

تأتي هذه القيود في سياقٍ أشمل: انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية في يناير بتوجيهٍ من الرئيس Trump، وهو قرارٌ استقطب انتقاداتٍ واسعة من المسؤولين في مجال الصحة العامة. ويُضاف إلى ذلك أنّ عدداً كبيراً من المناصب القيادية في الوكالات الصحية الأمريكية لا يزال شاغراً، من بينها: مدير NIAID، والجرّاح العام للبلاد، ورئيس إدارة الغذاء والدواء (FDA)، ونائب وزير الصحة، ورئيس مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC).

وعندما هبط ركّابٌ أمريكيون من سفينة سياحية طالها فيروس الهانتا في مطار نيبراسكا، أُرسل مساعد وزير الصحة Brian Christine ليكون الوجه الرسمي للإدارة أمام المستشفى الذي يُراقَب فيه المرضى في أوماها وذلك لأنّ مسؤولاً أعلى منه مرتبةً لم يكن متاحاً، وفق مصدرٍ مطّلع على آلية اتخاذ القرار.

وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر، رشّح Trump مرشّحَيه الثالثَين لمنصبَي الجرّاح العام ومدير CDC. ولم يُشغَل منصب الجرّاح العام المعروف شعبياً بـ"طبيب الأمة" في أيٍّ من أيام هذه الإدارة. أما المدير الوحيد المعيَّن رسمياً لـCDC فلم يمكث في منصبه سوى أقل من شهر.

ويبدو أنّ هذه المناصب ستظلّ شاغرةً لفترةٍ غير قصيرة؛ إذ لم تُقدَّم بعد أوراق تأكيد مجلس الشيوخ لأيٍّ من المرشّحين، ولا توجد خطّة وشيكة لعقد جلسات استماع لهم، وفق أشخاصٍ مطّلعين على الترتيبات اللوجستية.

مساعد وزير الصحة الأمريكي، براين كريستين، يتحدث خلال مؤتمر صحفي، بينما يظهر خلفه مسؤول آخر، في سياق مناقشة استجابة البلاد للأوبئة.
Loading image...
يتحدث الأدميرال براين كريستين، على اليمين، خلال مؤتمر صحفي في مركز ديفيس العالمي في حرم مركز نبراسكا الطبي في أوماها، وذلك في 11 مايو 2026. تصوير ديلان ويدجر/صور غيتي.

قال الدكتور Dan Jernigan، المسؤول السابق في CDC الذي استقال إثر إقالة وزير الصحة Robert F. Kennedy Jr. للمديرة Susan Monarez في أغسطس الماضي: "في 31 عاماً من عملي في CDC، لم أشهد لحظةً كهذه"، مشيراً إلى أنّ عدداً كبيراً من المناصب القيادية الأخرى لا يزال شاغراً.

وكان NIAID يعمل بقيادة مدير بالإنابة هو عالم الأمراض الدكتور Jeffery Taubenberger منذ أبريل 2025، غير أنّ سيناتورَين ديمقراطيَّين كشفا في جلسة استماع الأسبوع الماضي أنّه تنحّى عن منصبه. وامتنعت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية (HHS) عن التعليق على مغادرته.

سلاسل استجابةٍ مقطوعة

يرى Jeremy Konyndyk، رئيس منظمة Refugees International والمسؤول السابق في وزارة الخارجية في عهدَي Obama وBiden، أنّ تقليص التعاون مع منظمة الصحة العالمية ليس سوى انعكاسٍ لاستياءٍ متراكم لدى Trump والجمهوريين من طريقة تعامل المنظمة مع جائحة كوفيد-19.

وأضاف أنّ قنوات التواصل التي كانت قائمةً في السابق ثمّ جرى تفكيكها كانت ستُنبّه المسؤولين الأمريكيين في وقتٍ أبكر إلى الأزمة المتصاعدة في إيبولا، قائلاً: "القيادة الصحية في هذا البلد اليوم شطبت معظم المؤسسات ذات الصلة بالصحة العالمية."

منظر جوي لقرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يظهر المنازل ذات الأسطح المعدنية والأراضي الزراعية، مع سماء غائمة تعكس الأجواء المحلية.
Loading image...
منظر جوي لمونغباولو، جمهورية الكونغو الديمقراطية، في 21 مايو 2026. ميشيل لونانغا/صور غيتي.

وفي السياق ذاته، تعرّضت منظماتٌ طبية ميدانية عديدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة لضرباتٍ موجعة، بعد أن كانت تتلقّى تمويلاً من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي جرى تفكيكها ضمن موجة التقليصات التي أجرتها وزارة كفاءة الحكومة العام الماضي.

وقال Konyndyk: "لو كانت جهاتٌ صحية أمريكية متعددة على أرض الواقع ترصد تجمّعات من حالات الحمّى النزفية الفيروسية غير المُفسَّرة، لكانت ترفع تقاريرها عبر سلسلة القيادة. إلا أنّها لم تعد تجد من ترفع إليه هذه التقارير."

في المقابل، رفض مسؤولٌ رفيع في وزارة الخارجية الحجّةَ القائلة بأنّ انسحاب الولايات المتحدة من WHO أو تقليص التمويل أو تفكيك USAID قد أعاق الكشف عن تفشّي إيبولا أو الاستجابة له. وكان وزير الخارجية Marco Rubio قد وجّه مراراً اللومَ إلى منظمة الصحة العالمية بسبب تأخّرها في تنبيه الرأي العام بشأن التفشّي.

الوضع الراهن

رفعت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي تقييمها لمستوى خطورة تفشّي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية من "مرتفع" إلى "مرتفع جداً"، في حين يبقى الخطر الدولي منخفضاً. ولم تُسجَّل أي حالاتٍ في الولايات المتحدة حتى الآن، لكنّ الرحلات الجوية المتّجهة إليها والقادمة من المناطق المتضرّرة مُلزَمة — بحسب موعد المغادرة — بالهبوط في أحد 3 مطارات: مطار Dulles الدولي قرب واشنطن، أو مطار George Bush الدولي في هيوستن، أو مطار Hartsfield-Jackson الدولي في أتلانتا، وذلك لإجراء الفحوصات الصحية اللازمة.

وكان طبيبٌ أمريكي قد أُصيب بالمرض في أفريقيا، وهو يتلقّى العلاج حالياً في مستشفىً ألماني، فيما تخضع عائلته للحجر الصحي. كما يجري رصد حالة أمريكي آخر.

وأعلن CDC أنّه يعمل "على مدار الساعة" مع الشركاء لمعالجة تفشّي إيبولا، وأنّه يعتزم إرسال 7 خبراء إضافيين من أتلانتا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا لتقديم المساعدة.

أما على صعيد فيروس الهانتا، فلم تُسجَّل أي حالاتٍ في الولايات المتحدة، غير أنّ 18 شخصاً من ركّاب السفينة التي شهدت التفشّي لا يزالون في الحجر الصحي في نيبراسكا، فيما يخضع للمراقبة عشراتٌ آخرون غادروا السفينة قبل التأكّد من التفشّي، إضافةً إلى أشخاصٍ كانوا على متن رحلاتٍ جوية مع حالاتٍ مؤكّدة.

ما يستحقّ التأمّل هنا ليس فقط حجم الفجوة في القيادة الصحية، بل طبيعتها. الفراغ في المناصب يمكن ملؤه، والقيود يمكن رفعها. لكنّ سلاسل التواصل المقطوعة وشبكات الثقة المتآكلة بين المؤسسات تلك لا تُعاد بمرسومٍ واحد. وهذا هو الثمن الحقيقي الذي ينبغي تقديره قبل اتخاذ القرار، لا بعده.

أخبار ذات صلة

Loading...
إميليا كلارك مبتسمة في حفل Variety's Power of Women بلندن، حيث تتحدث عن تجربتها مع إصابات الدماغ وتأسيس مؤسستها الخيرية SameYou.

إميليا كلارك تكشف عن إصابتها بنزيفين دماغيين في العشرينات من عمرها

عندما وقفت إميليا كلارك في حفل Variety's Power of Women، لم تكن مجرد ممثلة شهيرة، بل امرأة تتحدث عن سنوات من الصمت والمعاناة. تجربتها مع إصابات الدماغ أطلقت شغفها لمساعدة الآخرين. اكتشفوا كيف تحوّلت من الألم إلى الأمل.
صحة
Loading...
أربعة ممرضين يرتدون ملابس واقية في مستشفى بونيا، بعد تعافيهم من فيروس إيبولا. تشير الصورة إلى جهود مكافحة التفشي في الكونغو الديمقراطية.

تعافي مصابي إيبولا يحمل بشائر أمل في الكونغو الديمقراطية وسط ظهور حالات مشبوهة خارج أفريقيا

في مستشفى بونيا، تشرق أنوار الأمل مع تعافي أربعة ممرضين من فيروس إيبولا النادر. رغم التحديات، تواصل منظمة الصحة العالمية جهودها لمكافحة التفشي. اكتشف المزيد عن كيفية التصدي لهذا الفيروس القاتل.
صحة
Loading...
خلايا سرطان البنكرياس تحت المجهر، تُظهر التركيب الخلوي المعقد، مما يعكس التحديات البيولوجية لعلاج هذا النوع من السرطان.

حبّة تجريبية تفتح آفاقاً جديدة في علاج سرطان البنكرياس

سرطان البنكرياس، أحد أخطر أنواع السرطان، يشهد بارقة أمل جديدة مع دواء daraxonrasib الذي يزيد من فترة بقاء المرضى. اكتشف كيف يمكن لهذا العلاج أن يغير مسار المعركة ضد هذا المرض القاتل، واستعد لتفاصيل مثيرة حول النتائج.
صحة
Loading...
عامل صحي يرتدي بدلة واقية يتأمل بجوار توابيت خشبية، في سياق تفشي مرض الإيبولا في الكونغو الديمقراطية.

مركز الحجر الصحي الأمريكي لفيروس إيبولا في كينيا يُعلّق عملياته وسط معارضة محلية متصاعدة

في نيروبي، يشتعل الغضب بعد حكم قضائي يمنع الولايات المتحدة من إنشاء منشأة لعزل مرضى الإيبولا. هل ستنجح كينيا في حماية نفسها من هذا الوباء القاتل؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذه القضية الشائكة.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية