خَبَرَيْن logo

أزمة السودان الإنسانية تتطلب تحركاً عاجلاً

زرت الخرطوم وشاهدت الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. 58,000 شهيد، 29 مليون يعانون من الجوع، و200 مدرسة دمرت. الحاجة للمساعدات ملحة. السودانيون يريدون السلام والعودة إلى بيوتهم. كيف يمكن للعالم المساعدة؟ خَبَرَيْن.

نساء يجلسن في ممر مستشفى في الخرطوم، حيث يعاني السكان من آثار الحرب والدمار، وسط نقص حاد في الخدمات والرعاية الصحية.
تجلس نساء سودانيات على الأسرة أثناء مراقبتهن لأفراد عائلتهن الذين يتلقون العلاج من حمى الضنك في مستشفى أم درمان، بينما تواجه السودان تفشي حمى الضنك والكوليرا في الخرطوم، في 23 سبتمبر 2025.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

زرتُ الخرطوم مؤخّراً للمرّة الأولى منذ اندلاع الحرب. وما إن وطئت أرضها حتى بات جليّاً أنّ العالم لا يزال يجهل حجم ما جرى هناك. في شوارع العاصمة السودانية، كان الدمار بالغاً حدَّ الصدمة دمارٌ يشبه نهايات الأفلام التي نتمنّى ألّا تكون حقيقية. مدينةٌ كان يسكنها 7 ملايين نسمة بدت شبه خالية ونحن نعبر أحياءها.

المباني في معظمها إمّا مُدمَّرة كلياً أو مُسوَّاة جزئياً بالأرض جرّاء القصف والغارات الجوية، وما صمد منها تخلّلته آثار الرصاص. لم أشهد في حياتي دماراً بهذا الحجم، وأنا الذي أعمل مع Islamic Relief منذ أكثر من 30 عاماً.

صعوبةُ الوصول إلى كثيرٍ من المناطق، والإحساس بأنّ هذه حربٌ معقّدة في بلدٍ بعيد، جعلا الأزمة لا تحظى إلّا بجزءٍ ضئيل من الاهتمام الدولي الذي تستحقّه.

تجاوز عدد الوفيات الموثّقة حتى الآن 58,000 شهيد، غير أنّ التقديرات تشير إلى أنّ عدد الشهداء قد يبلغ 150,000 شخص. ومن العسير تتبّع أعدادهم في ظلّ انهيار البنية التحتية للبلاد وتشرّد الملايين.

لا يموت الناس من العنف وحده، بل من المرض والجوع أيضاً. تتوالى موجات الكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي والتهاب السحايا والحمّى الصفراء وغيرها من الأمراض المعدية. وقد خلّفت الحرب أسوأ أزمة جوع في العالم، إذ بات 29 مليون شخص أي 62% من السكان يعانون من شُحّ الغذاء، فيما يواصل الجوع انتشاره.

المطابخ المجتمعية التي يديرها متطوّعون تقف في قلب المعركة ضدّ المجاعة، لكنّها تحتاج إلى دعمٍ عاجل. أجرت Islamic Relief بحثاً ميدانياً أخيراً كشف أنّ 42% من 844 مطبخاً شملها المسح على امتداد البلاد أغلقت أبوابها خلال الأشهر الستّة الماضية بسبب نقص التمويل والإمدادات.

والآن، يُضيف الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران عبئاً جديداً على سلاسل الإمداد، فيُفاقم أزمة الجوع في السودان، مع تضاعف أسعار الغذاء والوقود وتهاوي مزيدٍ من الأسر نحو الهشاشة الغذائية.

في الغرب، في دارفور وكردفان، يواصل الناس نزوحهم هرباً من فظائع لا تتوقّف: ضرباتٌ بالطائرات المسيّرة تستهدف المستشفيات والمدارس، ومدنٌ محاصرة، وقرى تُحرق، وقوافل إغاثة تُقصف. أحمل في قلبي إعجاباً عميقاً بزملائنا العاملين هناك في ظروف بالغة القسوة، وهم يُعينون النازحين بكلّ ما يستطيعون. ومع ذلك، تبقى الحاجة أكبر بكثيرٍ ممّا يمكن تلبيته.

حتى في الخرطوم وشرق البلاد، حيث شهدت الأوضاع الأمنية بعض التحسّن وبدأت أسرٌ نازحة تعود إلى مجتمعاتها، تظلّ الصورة قاتمة.

عاد ما لا يقلّ عن 1.3 مليون شخص إلى العاصمة ليجدوا كارثةً بانتظارهم: شُحٌّ حادّ في الغذاء، وشُحٌّ في فرص العمل، وشبه غياب تامّ للخدمات. الفقر طاحنٌ ومنتشر، إذ حطّمت الحرب الاقتصاد من أساسه.

نحو 200 مدرسة في الخرطوم وحدها خارجة عن الخدمة، إمّا لأنّها دُمِّرت أو لأنّها باتت تؤوي النازحين، فلا يجد الأطفال العائدون مكاناً يستأنفون فيه تعليمهم. والمستشفيات التي نجت من الدمار نُهبت وتعمل بطاقةٍ جزئية. والكهرباء لا تتوفّر إلّا لساعاتٍ قليلة في اليوم.

يعمل فريق Islamic Relief في الخرطوم على إعادة بناء المدارس والمرافق الصحية، وتوزيع المساعدات، وتقديم الدعم النفسي-الاجتماعي لمن عاشوا صدمات الحرب. لكنّ حجم الحاجة هائلٌ يفوق الطاقة.

التقيتُ بكثيرٍ من الناجين الذين يحملون قصصاً موجعة. إحداهن، عائشة، أخبرتني كيف فقدت أربعة من أبنائها على أيدي أطراف الصراع المتحاربة. ثمّ شقّت طريقها خمسة أيّام كاملة تحمل أحفادها حتى وصلت إلى مخيّم للنازحين في مدينة القضارف شرق السودان. وكان لكلّ من التقيتُ بهم قصّته المشابهة في الفقد والرحلة الخطرة.

لا يزال الناس يخشون أن تنهار التحسينات الهشّة في العاصمة مع استمرار الحرب. فخلال الشهر الماضي، تصاعدت حدّة المعارك في عدّة ولايات، وتعرّضت الخرطوم لضرباتٍ بالطائرات المسيّرة.

والخوف الأكبر لدى كثيرين الآن هو أن تُفضي الحرب التي لا تنتهي في غرب البلاد إلى تقسيم السودان أحد أكبر دول أفريقيا إلى دولتين.

الشهر الماضي، اجتمع قادة العالم في برلين في مؤتمرٍ كبير بمناسبة الذكرى الثالثة للحرب. لكن، مرّة أخرى، لم يُسفر اللقاء عن تقدّمٍ ملموس نحو الاختراق الدبلوماسي الضروري لتحقيق سلامٍ مستدام وحماية المدنيين.

من الضروري أن تُسارع الحكومات الدولية إلى تكثيف جهودها السياسية من أجل التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار، ودعم مجموعات الاستقرار والاستجابة المحلية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى كلّ من يحتاجها. والمأساة أنّ ثمّة موارد كثيرة تأتي من الخارج لتُغذّي الحرب لا لتُساعد على إنهائها.

ما يريده السودانيون الذين التقيتُ بهم هو شيءٌ واحد: أن تتوقّف الحرب، وأن يعودوا إلى بيوتهم، وأن يعيشوا بكرامةٍ وبلا خوف. وهذا ليس طلباً كبيراً.

أخبار ذات صلة

Loading...
ازدحام مروري كثيف في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يتجمع عدد كبير من السيارات والمركبات، مما يعكس حالة الفوضى والقلق بين السكان.

إسرائيل وحزب الله يتفقان على وقف الاشتباكات.. ترامب يعلن التفاهم

في ظل تصاعد الأوضاع في لبنان، أعلن ترامب عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، مما أثار آمال الملايين. هل سيستمر هذا الهدوء الهش؟ تابعوا التفاصيل لتعرفوا المزيد عن مستقبل المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
انفجار ضخم في منطقة سكنية، مع تصاعد الدخان والنيران، نتيجة غارة إسرائيلية على مبنى في لبنان، مما يعكس تصعيد الأعمال العسكرية.

إسرائيل تصعّد هجماتها على لبنان مما أدى إلى استشهاد 19 شخصاً على الأقل

تتصاعد الأوضاع في لبنان مع تصعيد الضربات الإسرائيلية، مما أسفر عن استشهاد وإصابة العشرات. هل ستستمر هذه الأزمة الإنسانية؟ تابع معنا لتكتشف المزيد عن تأثير هذه الأحداث على المدنيين والمفاوضات الجارية.
الشرق الأوسط
Loading...
تصاعد الدخان من مباني مدمرة في جنوب لبنان نتيجة الهجمات الإسرائيلية، مع مشاهد للدمار والذعر بين السكان.

لبنان: 31 شهيدًا في غارات وتوتّرات الهدنة تتصاعد

تشتعل الأوضاع في جنوب لبنان، حيث أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن استشهاد 31 شخصاً وإصابة العشرات. مع تصاعد القلق من توغل القوات الإسرائيلية، تابعوا معنا آخر التطورات والتداعيات المحتملة لهذا النزاع المتفاقم.
الشرق الأوسط
Loading...
عمال يقومون بتطريز الكسوة السوداء للكعبة المشرّفة بخيوط ذهبية، مع تفاصيل دقيقة من الآيات القرآنية.

الكعبة من الداخل والخارج: قصة الكسوة المقدسة

تتجلى عظمة الكعبة المشرّفة في كل زاوية من زواياها، حيث يلتقي أكثر من 1.5 مليون مسلم في رحلة روحانية فريدة. اكتشف أسرار الكسوة وتاريخها، وكن جزءًا من هذه التجربة المذهلة. تابع القراءة لتتعرف على المزيد!
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية