إسبانيا تفتح أبواب الأمل للمهاجرين غير النظاميين
في خطوة غير تقليدية، إسبانيا تطلق برنامجاً لتسوية أوضاع 500,000 مهاجر غير نظامي، لتعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصاد. تعرف على تفاصيل هذا البرنامج الذي يسعى لتحسين حياة المهاجرين ومواجهة التحديات الحالية. خَبَرَيْن.

في مدينة ألميريا، على الساحل الجنوبي الشرقي لإسبانيا، وقف إنريكي سولانا أمام مكتب الهجرة منذ الساعة السادسة والنصف صباحاً. حين وصل، كانت الطابور قد امتدّت بالفعل على طول الرصيف. أخبره أحد الضباط أنّ المكتب لن يتمكّن من استقبال الجميع ذلك اليوم. قال سولانا، المهاجر الكولومبي، لوكالة Reuters بنبرة مُتعبة: "سيكون عليّ أن أستيقظ في وقتٍ أبكر." هذا المشهد في ألميريا حيث اضطرّت الشرطة إلى صرف المتقدّمين ليس استثناءً، بل هو انعكاسٌ لحجم الحاجة التي يحاول برنامجٌ إسباني جديد أن يعالجها.
أطلقت إسبانيا برنامجاً يهدف إلى تسوية أوضاع 500,000 مهاجر غير نظامي، في خطوةٍ تسير عكس التيّار السائد في الولايات المتحدة وكثيرٍ من الدول الأوروبية، حيث تتصاعد خطابات العداء للهجرة وتتشدّد السياسات المتعلّقة بها. وقد أعلنت الحكومة الإسبانية عن البرنامج في يناير الماضي، بهدف الحدّ من الاستغلال العمالي في الاقتصاد غير الرسمي. وكانت كلٌّ من البنك المركزي الإسباني والأمم المتحدة قد أشارتا سابقاً إلى أنّ إسبانيا تحتاج إلى نحو 300,000 عامل مهاجر سنوياً للحفاظ على منظومتها الاجتماعية.
فتحت مكاتب الهجرة أبوابها أمام طلبات التسجيل الشخصي في مطلع الأسبوع، فتوافد مئات المهاجرين أمام مكاتب الهجرة والمجالس البلدية، حيث يمكن الحصول على شهادة تُثبت الوضع الهشّ للمتقدّم، وهي وثيقةٌ تُشترط في بعض الحالات للتقدّم بطلب التسوية.
شروط البرنامج ومن يستفيد منه
أوضحت وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز أنّ على المهاجرين التوجّه إلى المكاتب المخصّصة لهم بموعدٍ مسبق، وأنّ شهادة الهشاشة مطلوبةٌ في حالاتٍ بعينها. ودافعت الوزيرة عن البرنامج في مواجهة المخاوف من أن يُفضي إلى منافسةٍ في سوق العمل، إذ كتبت على منصّة X يوم الاثنين: "التسوية ليست منافسة. إنّها عدالةٌ اجتماعية ورؤية. إنّها منح الفرص."
وحين أُعلن عن البرنامج في يناير، قالت سايز إنّ إسبانيا "تعزّز نموذجاً للهجرة مبنيّاً على حقوق الإنسان والاندماج والتعايش والتوافق مع النموّ الاقتصادي والتماسك الاجتماعي"، مضيفةً أنّ الإجراء الجديد "ضروريٌّ للاستجابة لواقعٍ موجود في شوارعنا" وسيعود بالنفع على اقتصاد البلاد. كما أكّدت رئاسة الحكومة أنّ البرنامج سيُتيح حياةً "كريمة" للمهاجرين.
ويحقّ لكلّ أجنبي وصل إلى إسبانيا قبل 31 ديسمبر 2025، ويستطيع إثبات إقامته في البلاد لمدّةٍ لا تقلّ عن خمسة أشهر، التقدّم للحصول على إقامةٍ قانونية لمدّة عام وتصريح عمل صالح في جميع القطاعات على امتداد البلاد. ويُشترط ألّا يكون للمتقدّم سجلٌّ جنائي. وتمتدّ فترة التقديم من مطلع أبريل حتى 30 يونيو.
كم يبلغ عدد المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا؟
يتجاوز عدد المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا بكثيرٍ ما يستوعبه هذا البرنامج. فوفقاً لمركز التحليل Funcas المرتبط بالاتحاد الإسباني لصناديق الادخار (CECA)، بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين في البلاد نحو 840,000 شخص في مطلع عام 2025. ويأتي معظمهم نحو 760,000 من أمريكا اللاتينية، منهم نحو 290,000 من كولومبيا، وقرابة 110,000 من بيرو، و 90,000 من هندوراس.
والأكثر لفتاً للنظر أنّ عدد المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا تضاعف ثمانية أضعاف منذ عام 2017. ويستند إعلان يناير الأخير إلى إجراءٍ سابق دخل حيّز التنفيذ في مايو من العام الماضي، كان يهدف إلى تبسيط مسار التسوية وتسريعه. وقد أعلنت الحكومة الإسبانية حينها أنّ هذه السياسة قد تُمكّن 900,000 مهاجر غير نظامي من الحصول على وضعٍ قانوني خلال السنوات الثلاث التالية.
سابقةٌ متكرّرة: مسارات التسوية في التاريخ الإسباني
ليست هذه المرّة الأولى التي تسلك فيها إسبانيا هذا الطريق؛ فقد أقرّت البلاد مساراتٍ واسعة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في ستّ مناسباتٍ على الأقلّ منذ ثمانينيات القرن الماضي. في عهد حكومة الاشتراكي فيليبي غونثاليس عام 1986، حصل أكثر من 38,000 شخص على وضعٍ قانوني. وبين عامَي 1991 و 1992، في عهد غونثاليس أيضاً، مُنحت الإقامة القانونية لأكثر من 114,000 شخص.
وفي عهد رئيس الوزراء خوسيه ماريا أثنار، بين عامَي 1996 و 2001، حصل أكثر من 524,000 شخص على وثائق إقامة. أمّا آخر عمليّة تسوية واسعة النطاق، فقد جرت قبل نحو 21 عاماً، حين عالجت حكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو أكثر من 576,000 طلب.
في مواجهة الموجة الأوروبية
يأتي انطلاق برنامج التسوية في عهد رئيس الوزراء بيدرو سانشيث في سياقٍ دولي بالغ الدلالة؛ إذ لا يزال الرئيس الأمريكي Donald Trump يوجّه انتقاداتٍ حادّة لسياسات الهجرة الأوروبية، واصفاً إيّاها بأنّها "صوابٌ سياسي مُبالَغٌ فيه". ف١في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، قال Trump إنّ أوروبا في "ورطةٍ خطيرة" وأنّها "تتعرّض لغزوٍ من قِبَل قوّاتٍ من المهاجرين غير النظاميين". وفي يناير الماضي، خلال منتدى دافوس في سويسرا، ذهب إلى أنّ بعض المناطق الأوروبية "لم تعد تُشبه نفسها" وأنّها "لا تسير في الاتجاه الصحيح".
وفي هذا السياق، تبنّت دولٌ أوروبية عديدة سياساتٍ متشدّدة تجاه الهجرة؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك الممارسة الإيطالية المثيرة للجدل المتمثّلة في إرسال طالبي اللجوء الذين أُنقذوا في البحر إلى مراكز ترحيل. في المقابل، تبقى إسبانيا استثناءً لافتاً في المشهد الأوروبي، إذ تنظر إلى الهجرة بوصفها رافداً لتعزيز اقتصادها لا عبئاً على مجتمعها.
أخبار ذات صلة

بوتين يُقلّص عرض الجيش بالساحة الحمراء وسط ضغوطٍ متزايدة

بيلاروسيا تحرّر الصحافي بوتشوبوت وتسعى لتحسين العلاقات الغربية

إيطاليا تُسلّم مشتبهاً صينياً بالتجسّس الإلكتروني إلى الولايات المتحدة
