خَبَرَيْن logo

تحديات جديدة في الشحن البحري العالمي

تتزايد التوترات البحرية في قناة بنما ومضيق هرمز، حيث تتبادل الولايات المتحدة والصين الاتهامات، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل الشحن البحري الدولي. هل نشهد بداية عصر جديد من الاضطراب؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

قناة بنما تظهر سفينة كبيرة تمر عبر الممر المائي، مع وجود منشآت بحرية ومشهد طبيعي في الخلفية، مما يبرز أهمية الشحن الدولي.
تمر ناقلة النفط "سيوايز فيساياس" عبر أقفال بيدرو ميغيل أثناء عبورها قناة بنما في 23 سبتمبر 2023 في بيدرو ميغيل، بنما.
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قناة بنما ومضيق هرمز: هل تدخل الشحن البحري الدولي حقبةً جديدة من الاضطراب؟

تحوّلت قناة بنما في الأسابيع الأخيرة إلى بؤرة توتّر بحري جديدة، إذ تتبادل الولايات المتحدة والصين الاتهامات حول النفوذ في أحد أهمّ ممرّات الشحن في العالم. وبينما تتصاعد حدّة هذا الخلاف، تبقى أزمة مضيق هرمز مشتعلةً في الخلفية، لتطرح معاً سؤالاً جوهرياً: هل نشهد تفكّكاً حقيقياً للنظام الذي يحكم الملاحة البحرية الدولية؟

ما الذي يجري في قناة بنما؟

في بيانٍ مشترك صدر الثلاثاء، وقّعت عليه الولايات المتحدة إلى جانب بوليفيا وكوستاريكا وغيانا وباراغواي وترينيداد وتوباغو، أدانت هذه الدول ما وصفته بـ«الضغط الاقتصادي الصيني الموجَّه» والإجراءات التي «أثّرت على السفن الرافعة لعلم بنما».

واتّهمت الدول الموقّعة الصينَ باحتجاز سفن ترفع علم بنما في موانئها، معتبرةً هذه الإجراءات «محاولةً صريحة لتسييس التجارة البحرية والنيل من سيادة دول نصف الكرة الغربي». وأكّدت أن بنما «ركيزةٌ في منظومتنا التجارية البحرية» يجب أن تظلّ «بمنأى عن أيّ ضغوط خارجية»، محذّرةً من أن «أيّ محاولة للنيل من سيادة بنما تمسّ الجميع».

في المقابل، نفت الصين هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء: «هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة وتشوّه الواقع». ثمّ استطرد قائلاً: «من احتلّ قناة بنما لفترةٍ طويلة، وغزا بنما عسكرياً، وانتهك سيادتها وكرامتها بشكلٍ تعسّفي؟ من يطمع في قناة بنما ويسعى لتحويل هذا الممرّ المائي الدولي المفترض أن يبقى محايداً إلى إقليمٍ خاص به؟ الجواب واضح. إن من سيّس هذه القضية وحوّلها إلى ملفٍّ أمني هو الولايات المتحدة».

أمّا الرئيس البنمي Jose Raul Mulino، فقد سلك مساراً أكثر حذراً، إذ رحّب بـ«تضامن الدول الصديقة» مع السفن البنمية المحتجزة في الموانئ الصينية، لكنّه حرص في الوقت ذاته على تهدئة الأجواء، مؤكّداً: «لا نرغب في الانجرار إلى جدلٍ، لأنّنا نُقدّر العلاقات القائمة على الاحترام مع جميع الأمم».

كيف وصلنا إلى هذه الأزمة؟

في يناير الماضي، ألغت المحكمة العليا البنمية امتيازاً قديماً كانت تحتفظ به شركةٌ مرتبطة بهونغ كونغ لتشغيل ميناءَي بالبوا وكريستوبال. جاء هذا القرار في سياق ضغوطٍ أمريكية متواصلة على بنما للحدّ من النفوذ الصيني حول القناة.

وكان الرئيس الأمريكي Donald Trump قد لمّح أكثر من مرّة منذ بداية ولايته الثانية إلى إمكانية استعادة الولايات المتحدة السيطرة على القناة، متّهماً الصين دون تقديم أدلّة بإدارة هذا الممرّ الاستراتيجي الذي يستوعب نحو 6% من التجارة العالمية.

ردّت الصين على حكم المحكمة البنمية بغضبٍ واضح، معتبرةً أن بنما «رضخت طوعاً لإرادة القوى الهيمنية». ومنذ ذلك الحين، تتّهم واشنطن بكين باحتجاز أو تأخير عشرات السفن الرافعة لعلم بنما. وأشارت لجنة الشحن البحري الفيدرالية الأمريكية إلى «ارتفاعٍ حادّ في حالات احتجاز السفن البنمية يتجاوز بكثير المعدّلات التاريخية» منذ صدور الحكم. ووصف وزير الخارجية Marco Rubio هذه التصرّفات بأنّها «تنمّرٌ» يثير قلقاً بالغاً إزاء توظيف النفوذ الاقتصادي للنيل من سيادة بنما.

أزمة مضيق هرمز: ملفٌّ موازٍ لا يقلّ خطورة

ما يُضاعف من ثقل أزمة قناة بنما هو تزامنها مع تآكلٍ أوسع في الأعراف البحرية الدولية، يتجلّى بوضوح في مضيق هرمز.

منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتٍ على إيران في 28 فبراير، تصاعدت حدّة التوترات وأحدثت اضطراباً بالغاً في أسواق الطاقة العالمية. ردّت طهران بإغلاق المضيق فعلياً، وهو الممرّ الذي يعبر منه في أوقات السلم خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم، ما أدّى إلى قفزةٍ حادّة في أسعار النفط. وذهبت إيران أبعد من ذلك حين فرضت رسوم عبورٍ على السفن المارّة بالمضيق، وهو إجراءٌ لم يسبق له مثيلٌ في التاريخ البحري الحديث.

ورغم هشاشة وقف إطلاق النار، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً يستهدف الشحن والموانئ الإيرانية في محاولةٍ لمزيدٍ من الضغط على طهران. حالياً، تقبع نحو 2,000 سفينة عالقةً عند طرفَي المضيق، فيما أُعيد توجيه سفنٍ أخرى أو تعرّضت لإطلاق النار أو جرى الاستيلاء عليها. وفي الأسبوع الماضي، أوقفت إيران سفينتَي حاويات أجنبيتَين كانتا تحاولان العبور، وأطلقت النار على ثالثة. وقبل ذلك بيومَين، استولى الجيش الأمريكي على السفينة الإيرانية Touska قرب الخليج، مدّعياً أنّها كانت متّجهةً إلى ميناء بندر عباس الإيراني.

هل أصبح الاضطراب البحري «الوضع الطبيعي الجديد»؟

يرى Abdul Khalique، أستاذ في جامعة Liverpool John Moores البريطانية، أن «التنافس الجيوسياسي المتصاعد» بات يمتدّ بشكلٍ متزايد إلى «نقاط الاختناق البحرية، من قناة بنما إلى مضيق هرمز».

وأوضح Khalique : «وإن لم يكن ذلك بعدُ 'وضعاً طبيعياً جديداً' دائماً، فإن نمط الإشارات القسرية والاتهامات المتبادلة يُشير إلى مستوى مرتفعٍ من المخاطر، وتسييسٍ لممرّات الشحن، وتعطّلٍ أكثر تكراراً للتدفقات التجارية وأسواق التأمين على المستوى العالمي».

في المقابل، يُبدي James Kraska، أستاذ القانون الدولي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، قدراً من التفاؤل. ويرى أن الأزمة البحرية الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران «من غير المرجّح أن تتحوّل إلى سمةٍ دائمة في الشحن العالمي»، مضيفاً: «رأيي الشخصي أن المضائق ستُفتح من خلال اتفاقٍ تفاوضي بين إيران والولايات المتحدة. وأنا أؤمن وآمل ألّا يصبح هذا وضعاً طبيعياً جديداً في مضيق هرمز».

ويعزو Kraska ذلك إلى المعارضة الدولية الواسعة لإغلاق الممرّات البحرية الكبرى بصورةٍ أحادية الجانب، مشيراً إلى أن الارتفاع الحادّ في تكاليف الطاقة العالمية قد «استقطب الاهتمام نحو هذه القضية» بشكلٍ لافت.

وينوه Kraska إلى أن ممرّاتٍ كقناة بنما تعمل وفق «أنظمةٍ قانونية مختلفة تماماً» عن المضائق الطبيعية، وأنّها مخوَّلةٌ أصلاً بتحصيل رسومٍ مقابل «الخدمات المقدَّمة للحفاظ على البنية التحتية». ويُثير تساؤلاً جديراً بالمتابعة: هل ستحاول دولٌ ساحلية أخرى تقليد إيران في فرض رسوم عبورٍ على المضائق الطبيعية؟ ويُشير بعض المحلّلين إلى الدنمارك في بحر البلطيق مثالاً افتراضياً على ذلك.

«أنا متفائلٌ هنا أيضاً»، يقول Kraska «أعتقد أن الدول تُدرك أن مكانتها في العالم، من حيث الشرعية، ستتعزّز بالتمسّك بسيادة القانون وقانون البحار، لا بمحاولة فرض سيطرةٍ أحادية على الممرّات».

غير أن Khalique يُشير إلى أن حكوماتٍ وشركاتٍ عديدة «باتت تتكيّف بصورةٍ براغماتية» مع هذا الواقع، من خلال «تنويع سلاسل التوريد، ومراجعة أقساط المخاطر، وتعزيز التنسيق البحري، والاستثمار في مساراتٍ بديلة». ويخلص إلى أنّه «وإن لم يُصنَّف رسمياً 'وضعاً طبيعياً جديداً'، فإن السلوك التشغيلي يعكس بصورةٍ متزايدة توقّعاتٍ بتقلّبٍ جيوسياسي مستدام في التجارة البحرية».

ماذا لو أُغلقت قناة بنما فعلاً؟

يُقدّم Ferdinand Rauch، أستاذ الاقتصاد في جامعة St Gallen السويسرية، صورةً قاتمة عن التداعيات المحتملة: «سيؤدّي ذلك إلى اختناقاتٍ مؤقّتة في الإمدادات، وتقلّباتٍ في أسواق الأسهم، وضغوطٍ تضخّمية تصاعدية، وقد يُلحق ضرراً ملموساً بالناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا طال أمده».

ويوضّح Stephan Maurer، أستاذ في UPF Barcelona School of Management، أن معظم حركة التجارة عبر القناة تجري بين الساحل الشرقي للولايات المتحدة وآسيا، لكنّ التجارة الساحلية لأمريكا الجنوبية والتبادل التجاري بين أوروبا والساحل الغربي لأمريكا الجنوبية ستتأثّر هي الأخرى. ويُضيف: «ستتكيّف التجارة، لكنّ المسارات البديلة لهذه الخطوط ستزيد المسافات المقطوعة بشكلٍ كبير» كالإبحار حول رأس هورن جنوب أمريكا الجنوبية مشيراً إلى أن دول أمريكا الجنوبية ستكون الأشدّ تضرّراً، وإن كانت الولايات المتحدة وكندا ستعانيان هي الأخرى «تأثيراً بالغاً».

ما الذي تعنيه هذه التطوّرات مجتمعةً؟ ببساطة: أن الملاحة البحرية الدولية تمرّ بمرحلة إعادة رسمٍ للخرائط، ليس فقط الجغرافية منها، بل القانونية والسياسية أيضاً. والسؤال الذي سيحدّد شكل هذا النظام في السنوات القادمة هو: هل ستلتزم القوى الكبرى بقواعد اللعبة المشتركة، أم أن كلّ طرفٍ سيسعى إلى كتابة قواعده الخاصة؟

أخبار ذات صلة

Loading...
اعتقال متظاهر يحمل لافتة خلال احتجاج ضد سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل، وسط تواجد مكثف للشرطة.

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد مؤقت في مجلس الأمن، مما أثار انتقادات داخلية حادة. هل يمكن أن يكون دعمها لإسرائيل هو السبب؟ تابعوا معنا لاستكشاف أسباب هذه الهزيمة وتأثيرها على السياسة الخارجية الألمانية.
سياسة
Loading...
خليل الرحمن، وزير الخارجية البنغلاديشي، يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد انتخابه رئيساً للدورة الحادية والثمانين.

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

في وقتٍ يتصاعد فيه الضغط على التعددية الدولية، أصبح خليل الرحمن رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة. تعرف على مسيرته الدبلوماسية وتحدياته المقبلة في هذا المنصب الرفيع. تابع القراءة لتكتشف المزيد!
سياسة
Loading...
اجتماع دبلوماسي في واشنطن بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، حيث تظهر أعلام الدول المشاركة، وسط مناقشات حول وقف إطلاق النار.

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط

في ظل تصاعد التوترات، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشروطًا بوقف كامل من حزب الله. بينما تستمر الهجمات، يبقى الوضع معقدًا. هل ستنجح هذه المفاوضات في تحقيق السلام؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في المقال.
سياسة
Loading...
النائب الجمهوري Mike Johnson يتحدث في مجلس النواب الأمريكي، حيث تم التصويت على قرار يقيّد صلاحيات الرئيس ترامب في العمليات العسكرية ضد إيران.

قرار أمريكي نادر: مجلس النواب يقيّد صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران

في سابقة تاريخية، انضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في تصويت يقيّد صلاحيات ترامب العسكرية ضد إيران. هل ستنجح هذه الخطوة في إنهاء النزاع؟ تابعوا التفاصيل حول تأثيرات هذا القرار على السياسة الأمريكية.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية