انهيار أسعار النفط يغير قواعد التفاوض مع إيران
أسعار النفط تهبط بشكل حاد مع إعادة فتح مضيق هرمز ما يمنح إدارة ترامب ورقة ضغط قوية في مفاوضاتها مع إيران. فائض في الإمدادات وتراجع الطلب يغير قواعد اللعبة ويقلل من ضغوط السوق على المفاوضين في خَبَرَيْن.

انخفضت أسعار النفط بصورةٍ لافتة خلال الأسابيع الماضية، فمنحت إدارة Trump ورقةَ ضغطٍ لم تكن في الحسبان، تُعزّز موقفها في المفاوضات الجارية مع إيران.
في الربيع، كانت إيران تمتلك ثقلاً اقتصادياً لا يُستهان به، على الرغم من تدمير أسطولَيها البحري والجوي. فقد أغلقت بصورةٍ فعلية مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، مستخدمةً طائراتٍ مسيّرة بدائية وزوارق مفخّخة لتهديد السفن العابرة. أبقى ذلك التهديد المستمر أسعارَ النفط مرتفعةً طوال شهور مارس وأبريل ومايو، ما دفع أسعار الوقود إلى الارتفاع وأوصل المخزونات العالمية إلى مستوياتٍ بالغة الخطورة.
غير أنّ مضيق هرمز بات يُفتح تدريجياً. يتوقّع المتعاملون في سوق النفط أن ينقلب شحّ الإمدادات التاريخي سريعاً إلى فائضٍ ضخم، مع فيضان الخام في الأسواق العالمية. لهذا السبب يحوم سعر خام Brent حول 70 دولاراً للبرميل، متراجعاً دون مستواه قبل أسبوعين من اندلاع الحرب وذلك على الرغم من الهجوم الذي استهدف ناقلةً نفطية يوم الاثنين.
لا تزال المخزونات المنخفضة تُمثّل مصدر قلق، ولم يبلغ سوق النفط بعدُ المستوى الذي تطمح إليه إدارة Trump تحديداً. بيد أنّ الانخفاض الحاد في الأسعار خفّف الضغط عن المفاوضين الأمريكيين لإبرام صفقةٍ متسرّعة قد تكون مجحفةً لصالح إيران مما أتاح للإدارة هامشاً زمنياً تحتاجه بشدّة.
من الصدمة إلى الفائض
كانت إدارة Trump تلعب بأوراقٍ ضعيفة: فقد خسر العالم 1.4 مليار برميل من إمدادات النفط خلال فترة الحرب، وفق تقديرات JPMorgan، ما أفضى إلى هبوط الاحتياطيات الطارئة والتجارية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. دفع شحّ الإمدادات أسعارَ الوقود إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، فيما تراجعت ثقة المستهلكين إلى مستوياتٍ قياسية.
لذلك يبدو مدهشاً أن يكون العالم على وشك الغرق في النفط مجدّداً. لكنّ هذا بالضبط ما يتوقّعه المحلّلون في قطاع النفط. مع إعادة فتح مضيق هرمز، تعود عشرات الملايين من البراميل إلى التدفّق عبر الخليج العربي.
المشكلة الوحيدة أنّه لا يبدو أنّ أحداً يريد كلّ هذا النفط فعلاً. فقد تراجع الطلب خلال الحرب مع ارتفاع الأسعار وشحّ الوقود. وقد أمضى العالم أشهراً يتعلّم كيف يعمل بكميّاتٍ محدودة من الوقود، بحسب Natasha Kaneva، رئيسة استراتيجية السلع الأولية العالمية في JPMorgan.
وأضافت: "الارتفاع الحاد في إمدادات النفط على وشك أن يصطدم بسوقٍ لا تحتاجه، على الأقل في الوقت الراهن."
وقد لا يعود الطلب على النفط إلى مستوياته ما قبل الحرب لا سيّما في الصين وأوروبا اللتين شهدتا تسارعاً ملحوظاً في التحوّل نحو الكهربة خلال فصل الربيع.
تتوقّع وكالة الطاقة الدولية أن يتعافى الطلب بصورةٍ خجولة جداً العام المقبل، بنحو 2 مليون برميل يومياً فحسب، في حين تقفز الإمدادات بمقدار 8 ملايين برميل يومياً وهو ما سيُفضي إلى فائضٍ كبير في السوق العالمية.
لهذا السبب يُعدّ سعر 60 دولاراً للبرميل احتمالاً واقعياً للعام المقبل وفق JPMorgan. بل يرى Kieran Tompkins، كبير اقتصاديي المناخ والسلع الأولية في Capital Economics، أنّ النفط قد يهوي إلى 50 دولاراً للبرميل بحلول عام 2028.
أوبك بدورها، في معركةٍ على البقاء، تُسرّع رفع إنتاجها، وقد تفتح الصنابير على أقصى طاقتها إذا أصرّ أعضاءٌ محوريون ساخطون كالعراق على مطالبهم. ويرى Vikas Dwivedi، استراتيجي النفط والغاز العالمي في Macquarie Group، أنّ رفع سقف إنتاج أوبك قد يدفع الأسعار إلى نطاق 40 دولاراً.
انهيارٌ بهذا الحجم في الأسعار وفائضٌ بهذه الضخامة قد يُعيد الولايات المتحدة إلى نقطة البداية ما قبل الحرب أسعارٌ منخفضة وفائضٌ هائل في الإمدادات. وهو ما سيمنح المفاوضين الأمريكيين موقعاً أكثر ارتياحاً وهم يسعون إلى التوصّل لتسويةٍ مع إيران.
أزمة المخزونات
ثمّة فارقٌ جوهري واحد بين الوضع الراهن وما سبق الحرب: استنزف العالم احتياطياته الطارئة والتجارية القياسية بمعدّل قرابة 4 ملايين برميل يومياً لمواجهة إغلاق المضيق، فباتت مخزونات الخام عند مستوياتٍ خطرة.
يقف الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي دون 326 مليون برميل، بانخفاضٍ نسبته 22% عن 415 مليون برميل كانت موجودةً قبيل الحرب، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وهو أدنى مستوى منذ أن كانت إدارة Reagan تملأ هذا الاحتياطي عام 1983.
تُجعل هذه المستويات المتدنّية من الاحتياطي الطارئ الولايات المتحدة في وضعٍ هشّ إذا اضطرّت إلى التعامل مع طارئٍ ما، سواءٌ أكان كارثةً طبيعية أم تصعيداً جديداً مع إيران.
والأكثر إثارةً للقلق ربّما هو تراجع المخزونات التجارية.
هبطت المخزونات في مدينة Cushing بولاية أوكلاهوما التي تُلقّب بنفسها "ملتقى خطوط الأنابيب في أمريكا" دون 20 مليون برميل، وظلّت دون هذا الحدّ الحرج الأسبوع الماضي. تنشأ مشكلةٌ فيزيائية حين تنخفض هذه المخزونات دون 20 مليون برميل: تصطدم المضخّات بالرواسب في قاع الخزّانات، فيصعب دفع النفط عبر خطوط الأنابيب.
وقد أشار Trump إلى هذه المشكلة في الأيام التي سبقت توقيعه مذكّرة التفاهم مع إيران، معترفاً بأنّ المخزونات المتدنّية قد تُفضي إلى "كارثةٍ اقتصادية" تجعله موضع مقارنةٍ بالرئيس Herbert Hoover، رمز عهد الكساد الكبير.
الفائض النفطي العالمي من المفترض أن يُساعد على تعافي المخزونات التجارية، لا سيّما إذا كفّ العالم عن الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة باعتبارها المنتج النفطي الملاذ الأخير. غير أنّ هذه الاحتياطيات لا تزال في مستوياتٍ حرجة، وستبقى الإدارة ترصد مؤشّراتها مع اقتراب انتهاء مذكّرة التفاهم ذات الستّين يوماً.
وقد أقرّ نائب الرئيس JD Vance بذلك صراحةً في مقابلةٍ مع المقدّم الإعلامي المحافظ Michael Knowles الأسبوع الماضي.
وقال Vance: "أعتقد أنّ ما طلبه منّا الرئيس هو استخدام هذه المذكّرة لإعادة ملء الاقتصاد النفطي العالمي، وتجديد بعض المخزونات، ثمّ رؤية ما تملكه إيران من أوراق."
الورقة التي تلعب بها أمريكا ليست مثاليةً بعد. لكنّ الأسعار في تراجع والإنتاج في ارتفاع، وهو ما يجعل موقف واشنطن يتعزّز يوماً بعد يوم.
أخبار ذات صلة

ترامب والصدمة النفطية التاريخية: كيف حدثت وما الذي ينتظر

أسعار النفط على المحكّ: هل ينتظر الشرق الأوسط صدمة قادمة؟

مضيق هرمز مغلق من جديد.. والسفن لم تكن تعبره أصلاً
