تدهور الأوضاع الأمنية في مالي منذ الاستقلال
مالي على حافة الهاوية: تصعيد أمني خطير بعد تحالف جماعات مسلحة وشن هجمات منسقة. استعرض تاريخ تدهور الأوضاع منذ الاستقلال حتى اليوم، من الديكتاتورية العسكرية إلى الانقلابات المتتالية. اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

مالي على حافة الهاوية: كيف تدهورت الأوضاع الأمنية منذ الاستقلال حتى اليوم؟
تشهد مالي تصعيداً أمنياً خطيراً، بعد أن تحالفت جماعاتٌ مسلّحة متنافسة وشنّت هجماتٍ منسّقة في أرجاء البلاد. وقد تبنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة، مسؤولية الهجمات التي انطلقت يوم السبت، وطالت منطقة كاتي قرب العاصمة باماكو، فضلاً عن مطار العاصمة، ومواقع أخرى في شمال البلاد تشمل كيدال وموبتي وسيفاري وغاو. وأعلن المتمرّدون الطوارق مشاركتهم في هذه الهجمات، التي راح ضحيّتها وزير الدفاع صاديو كامارا.
كشفت هذه الهجمات عن هشاشةٍ أمنية عميقة في بلدٍ كان يوماً نموذجاً للديمقراطية في المنطقة، قبل أن تتداعى أوضاعه السياسية والأمنية منذ عام 2012. وفيما يلي استعراضٌ زمني لمسار هذا التدهور:
1960: استقلال مالي
نالت مالي استقلالها عن فرنسا في 22 سبتمبر 1960، وانتُخب موديبو كيتا رئيساً أوّل للبلاد. كان كيتا من المؤمنين الراسخين بالاشتراكية الأفريقية، غير أنّ سياساته القائمة على التأميم لم تُحقّق نموّاً اقتصادياً يُذكر، وزاد الأمر سوءاً موجاتُ الجفاف الحادّة التي ضربت البلاد وأضرّت بالمحاصيل الزراعية. وفي نوفمبر 1968، أطاح به انقلابٌ عسكري دامٍ قاده الملازم موسى تراوري.
1968-1991: الديكتاتورية العسكرية
بعد الانقلاب، تولّى تراوري رئاسة البلاد لثلاثةٍ وعشرين عاماً متواصلة. وبحسب ما أوردته مؤسسة Africa Center for Strategic Studies، أسّس تراوري «نظاماً قمعياً بامتياز، اعتاد إطلاق النار على المحتجّين والتخلّص من المعارضين». وفي تقريرٍ صدر عام 2020، أشارت المؤسسة إلى أنّ حكومته يُرجَّح أنّها أودت بحياة آلاف الماليين، في حين ظلّ النموّ الاقتصادي شبه معدومٍ والفساد منتشراً على نطاقٍ واسع.
في مارس 1991، وعلى وقع احتجاجاتٍ شعبية واسعة قادها الطلّاب، قاد المقدّم أمادو توماني توري انقلاباً أطاح بتراوري. وبعد إسقاطه، مَثَل تراوري أمام القضاء وأُدين بتهمة قتل ما لا يقلّ عن 200 محتجّ في مارس 1991، قبل أن يصدر بحقّه عفوٌ رئاسي من الرئيس ألفا عمر كوناري عام 2002.
1992-2012: مرحلة الديمقراطية
أعقب انقلاب 1991 مرحلةُ انتقالٍ أشرف عليها توري بوصفه رئيساً مؤقّتاً، أُقرّ خلالها دستورٌ جديد وأُجريت انتخاباتٌ تعدّدية. وعلى الرغم من استمرار الاضطرابات في الشمال حيث يسعى الطوارق إلى إقامة إقليمٍ مستقلّ، أجرت مالي انتخاباتٍ بلدية وبرلمانية ورئاسية عام 1992، وفاز بها ألفا عمر كوناري.
قضى كوناري فترتَين رئاسيتَين بين 1992 و 2002، شهدت خلالهما البلاد وفق مؤسسة Africa Center for Strategic Studies نموّاً اقتصادياً منتظماً وتمتّع المواطنون بحرياتٍ مدنية وحقوقٍ سياسية. وفي عام 2000، انضمّت مالي بوصفها عضواً مؤسّساً في مجتمع الديمقراطيات الحكومي الدولي. وفي انتخابات 2002، عاد توري إلى الواجهة هذه المرة منتخَباً رئيساً، وامتدّت ولايتاه حتى 2012 وسط تفشّي الفساد في مؤسسات الدولة وتراجع الاقتصاد.
2012-2020: انقلابٌ عسكري وتدهورٌ أمني
في مارس 2012، قاد النقيب أمادو حايا سانوغو انقلاباً قبل أسابيع من موعد الانتخابات، وأجبر توري على الاستقالة، ليُعيَّن ديونكوندا تراوري رئيساً مدنياً مؤقّتاً ريثما تُنظَّم انتخاباتٌ جديدة. وفي تلك الأثناء، شنّ انفصاليو الطوارق بالتحالف مع مقاتلين من فرعٍ تابع لتنظيم القاعدة تمرّداً استولوا خلاله على شمال مالي.
طالبت دولٌ أفريقية مجاورة بتدخّل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) عسكرياً إلى جانب الجيش المالي، إلّا أنّ سانوغو رفض نشر قواتٍ أجنبية واكتفى بطلب دعمٍ لوجستي. وسرعان ما تمكّنت جماعة أنصار الدين من طرد الطوارق والسيطرة على مدنٍ شمالية رئيسية، ما استدعى تدخّلاً عسكرياً فرنسياً مطلع 2013 بطلبٍ من الحكومة المالية. وفي وقتٍ لاحق، اندمجت أنصار الدين مع جماعاتٍ أخرى لتُشكّل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM).
في سبتمبر 2013، أُجريت الانتخابات وفاز بها إبراهيم بوبكر كيتا رئيساً، غير أنّ حكمه الديمقراطي الهشّ لم يصمد طويلاً وانتهى بانقلابٍ عسكري عام 2020. وخلال فترة حكمه، توسّطت الأمم المتحدة عام 2015 في إبرام اتفاقية سلامٍ بين حكومته وجماعات الطوارق الشمالية الساعية إلى إقامة إقليم أزواد المستقلّ.
2020: انقلابٌ عسكري آخر
في أغسطس 2020، قاد العقيد عاصمي غويتا انقلاباً أطاح بإبراهيم بوبكر كيتا، على خلفية احتجاجاتٍ شعبية مستمرّة احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردّية وعودة الجماعات المسلّحة إلى التمدّد في الشمال. وفي سبتمبر من العام نفسه، أُدّيت اليمين الدستورية للعقيد المتقاعد باه نداو رئيساً مؤقّتاً، فيما تولّى غويتا منصب نائب الرئيس.
2021-2026: انقلابٌ ثالث وحكم غويتا
في مايو 2021، استولى غويتا على السلطة في انقلابٍ ثانٍ، وما زالت مالي تحت حكمه العسكري حتى اليوم. وعلى الرغم من تعهّده في البداية بإعادة البلاد إلى الحكم المدني بحلول مارس 2024، فإنّ هذا الوعد لم يتحقّق.
في ديسمبر 2021، طلب غويتا من القوات الفرنسية المرابطة في الشمال المغادرة، واستعاض عنها بمرتزقة روس لدعم حكومته العسكرية في مواجهة الجماعات المسلّحة. وبحلول عام 2023، انسحبت فرنسا وبقية الدول الأوروبية الداعمة، تاركةً فراغاً أمنياً خطيراً.
في يناير 2025، انسحبت مالي إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر من منظمة ECOWAS، وأسّست الدول الثلاث تحالف دول الساحل (AES). وفي هذا السياق، أكّد وزير الخارجية المالي عبد الله دياب خلال منتدى أمني في السنغال أنّ الانسحاب من ECOWAS «نهائيٌّ»، مشيراً إلى أنّ التحالف سيحافظ على حوارٍ بنّاء مع المنظمة في ما يخصّ حرية التنقّل والسوق المشتركة.
في يناير 2024، أنهت السلطات المالية اتفاقية السلام التي رعتها الأمم المتحدة عام 2015 مع الطوارق في الشمال، متّهمةً إيّاهم بعدم الالتزام ببنودها، ممّا أشعل فتيل موجةٍ جديدة من التدهور الأمني. وبالتوازي مع الاضطرابات في الشمال، فرضت جماعة JNIM الناشطة في مالي منذ تأسيسها عام 2017 حصاراً على واردات الوقود في أكتوبر، شلّ الحياة في باماكو ومحيطها.
وعلى الرغم من تباين أهدافهما، تحالف الطوارق وجماعة JNIM وشنّا هجماتٍ منسّقة ضدّ الحكومة التي يعتبرانها عدوّاً مشتركاً. ففي يوليو 2024، نصبا كميناً لقافلةٍ عسكرية كانت تنقل جنوداً ماليين ومرتزقةً روساً إلى منطقة تينزاواتن في شمال شرق مالي. ثمّ في أبريل من هذا العام، شنّا الضربات المنسّقة على مطار باماكو ومناطق كاتي وموبتي وسيفاري وغاو.
وفي تعليقه على المشهد، قال المحلّل السياسي المتخصّص في شؤون الساحل وغرب أفريقيا آدم غاي ، إنّ الحكومة العسكرية بقيادة غويتا «لا تملك شرعيةً في بلدها»، مضيفاً: «لقد كانوا فاشلين على صعيد التقدّم الاقتصادي والسلام والاستقرار»، ووصف الوضع الراهن في مالي بأنّه «بالغ الخطورة». وختم بالقول إنّ هذه الهجمات «ستُضاف إلى سجلّ الإخفاقات التي تُكذّب ادّعاءاتهم بالسيطرة على مالي».
أخبار ذات صلة

سائح يلقى مصرعه بعد عضة ثعبان في عرض سياحي بمصر

مسلحون يقتلون 29 شخصاً على الأقل في ولاية آدمـاوا بشمال شرق نيجيريا

سفينة شحن تحت سيطرة قراصنة مشبوهين متجهة نحو الصومال
