فرنسا تعيد صياغة شراكتها مع أفريقيا الناطقة بالإنجليزية
استضاف ماكرون قمةً في نيروبي مع قادة أفارقة، حيث أعلن عن استثمار 23 مليار يورو في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي. لكن تصرفاته أثارت جدلاً حول نوايا فرنسا في إعادة صياغة علاقتها مع أفريقيا. هل ستنجح هذه الشراكة الجديدة؟

استضاف الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron قمةً رفيعة المستوى جمعت رؤساء دول وقادة أعمال، وذلك إلى جانب نظيره الكيني William Ruto، في خطوةٍ تعكس توجّه باريس نحو أجزاء أخرى من القارة الأفريقية، في ظلّ توتّراتٍ متصاعدة مع دول أفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية.
انعقد المؤتمر يومَي الاثنين والثلاثاء في العاصمة الكينية نيروبي، وكان الأوّل من نوعه بوصفه قمّةً أفريقية فرنسية تُعقد في بلدٍ ناطق بالإنجليزية.
تاريخياً، تمركز النفوذ الفرنسي في القارة بصورةٍ رئيسية في دول أفريقيا الوسطى والغربية الناطقة بالفرنسية، ولا سيّما تلك الواقعة في منطقة الساحل الجافّة الفاصلة بين الصحراء الكبرى والجنوب الساحلي. غير أنّ موجات عدم الاستقرار التي ضربت دول الساحل من مالي إلى النيجر على مدى العقد الماضي، أذكت مشاعر العداء تجاه فرنسا، إذ رأى كثيرون أنّ التدخّلات العسكرية الفرنسية باءت بالفشل، وأنّ باريس تتدخّل في شؤون مستعمراتها السابقة.
وقد تقلّص النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا تقلّصاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مع لجوء بعض الدول إلى تحالفاتٍ مع روسيا.
تقول فرنسا اليوم إنّها تريد "إعادة صياغة" علاقتها مع الدول الأفريقية، عبر التوجّه نحو الدول الناطقة بالإنجليزية التي لا يربطها بها إرثٌ استعماري. وجاءت قمّة نيروبي تجسيداً لهذا التوجّه.
فهل نجحت؟ إليكم ما جرى في القمّة:
ماذا جرى في القمّة؟
أعلن Macron يوم الثلاثاء أنّ فرنسا ستضخّ 23 مليار يورو (نحو 27 مليار دولار) في الدول الأفريقية، مع تركيزٍ خاصّ على قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والثقافة.
في المقابل، شدّد الرئيس الكيني Ruto مراراً على أنّ الشراكة الجديدة يجب أن تحترم سيادة الدول الأفريقية، قائلاً: "يجب ألّا تُبنى على التبعية، بل على المساواة في السيادة، وليس على المساعدات أو الصدقات، بل على الاستثمار المتبادل المنفعة، وليس على الاستخراج أو الاستغلال، بل على الشراكات التي يكسب منها الجميع".
بيد أنّ الإعلانات الاستثمارية الفرنسية طغى عليها ردود الفعل الغاضبة على الإنترنت، التي أثارتها بعض تصرّفات Macron خلال القمّة. ففي إحدى المناسبات، قاطع جلسةً حواريةً كانت تضمّ فنّانين شباباً، إذ صعد إلى المنصّة ليوبّخ الجمهور بسبب الهمس، واصفاً ذلك بأنّه "غياب تامّ للاحترام". كما أعلن في مؤتمرٍ صحفي أنّه "أفريقي حقيقي" (Pan-Africanist)، وهو ما اعتبره المنتقدون استيلاءً ثقافياً وسياسياً.
وكان الرئيس الفرنسي قد أكّد قبيل القمّة أنّ باريس تسعى إلى "بناء شراكاتٍ على قدم المساواة، مرتكزةً على مصالح مشتركة ونتائج ملموسة". لكنّ تصريحاته المثيرة للجدل في نيروبي أثارت تساؤلاتٍ واسعة بين الأفارقة على منصّات التواصل الاجتماعي حول مدى جدّية فرنسا في الوفاء بوعودها.
وقالت Beverly Ochieng، المحلّلة المتخصّصة في شؤون غرب أفريقيا لدى شركة الاستخبارات Control Risks ومقرّها داكار: "من السابق لأوانه الحكم على نجاح هذا التحوّل، إذ لم تُرسَّخ الشراكة بعد". وأضافت أنّ أيّ نجاحٍ يتوقّف على كيفية تعامل باريس وشركائها الجدد كـ Kenya مع موجة مشاعر العداء المتنامية تجاه فرنسا في القارة، وعلى ما إذا كانت الاستثمارات الاقتصادية والثقافية الفرنسية التي تمثّل تحوّلاً عن التركيز على المساعدات العسكرية والتنموية تقوم فعلاً على المساواة، وتستجيب للضغوط السياسية الراهنة، وتُسهم في دفع عجلة النموّ والإنتاجية في أفريقيا.
ما حجم النفوذ الفرنسي في أفريقيا الفرانكوفونية؟
لا تزال فرنسا تحتفظ بنفوذٍ استعماري الجذور في مجالات الدفاع والعملة والتجارة في ما يُعرف بـ"فرانسافريك" (Francafrique)، وهو المصطلح الذي يشير إلى دائرة النفوذ الفرنسي التاريخية في القارة.
الوجود العسكري
حافظت باريس تاريخياً على حضورٍ عسكري في مستعمراتها السابقة؛ فعقب موجة الاستقلال في ستينيات القرن الماضي، منحت فرنسا الاستقلال لعددٍ من الدول، لكنّها في معظم الحالات أبقت على أصولها العسكرية.
ورغم الوجود العسكري الفرنسي، واصلت دول الساحل الغربي الأفريقي معاناتها من موجات متكرّرة من عدم الاستقرار، غذّتها الحركات الانفصالية والتطرّف الديني. ففي عام 2012، تصاعدت حدّة الأزمة الأمنية في مالي جرّاء تحالف الانفصاليين والجماعات المسلّحة، وامتدّت الأزمة عبر الحدود المشتركة إلى بوركينا فاسو والنيجر.
في خضمّ هذه الأزمة، وبطلبٍ من الحكومة المالية، نشرت فرنسا آلاف الجنود وعدداً من الطائرات الحربية المتمركزة في تشاد. وعلى مدى العقد التالي، تراجعت الهجمات وإن ظلّت متقطّعة. غير أنّه حين استولى الجيش على السلطة في مالي عام 2020، أدانت فرنسا الانقلاب الذي قاده الرئيس الحالي Assimi Goita، ممّا أشعل فتيل الخلاف مع الحكومة الجديدة، فبدأت باريس في نقل أصولها وقواتها إلى النيجر. ثمّ تكرّر المشهد ذاته حين استولى الجيش على السلطة في بوركينا فاسو والنيجر وطالب بانسحاب القوات الفرنسية.
وقد شكّلت مالي وبوركينا فاسو والنيجر منذ ذلك الحين تحالف دول الساحل (AES)، ولجأت إلى المرتزقة الروس للحصول على الدعم. بل إنّ الحكومات الأكثر ودّاً نسبياً في كوت ديفوار وتشاد والسنغال طالبت هي الأخرى بانسحاب القوات الفرنسية.
وكانت فرنسا قد سلّمت السيطرة على آخر قاعدة عسكرية رئيسية لها في السنغال في يوليو الماضي، بعد أن أعلن الرئيس السنغالي Bassirou Diomaye Faye الذي حضر قمّة نيروبي أنّ القواعد الفرنسية لا تتوافق مع سيادة بلاده.
العملة المدعومة فرنسياً
على الرغم من تراجع النفوذ العسكري، لا تزال فرنسا تحتفظ بسيطرةٍ نقدية عبر فرنك المجموعة المالية الأفريقية (CFA)، وهي عملةٌ أُنشئت عام 1945، وكان اختصارها يشير آنذاك إلى "المستعمرات الفرنسية في أفريقيا" (Colonies Françaises d'Afrique).
يوجد منها نسختان: فرنك CFA لغرب أفريقيا وفرنك أفريقيا الوسطى. وتستخدم هذه العملة نحو 14 دولة يبلغ مجموع سكّانها نحو 210 ملايين نسمة، من بينها دول تحالف الساحل.
يرتبط فرنك CFA بسعر صرفٍ ثابت مربوطٍ باليورو، وكانت جميع دول CFA مُلزَمة تاريخياً بإيداع 50% من احتياطياتها في الخزينة الفرنسية، مع حضورٍ دائم لممثّلٍ فرنسي في مجلس العملة. وعلى الرغم من الانتقادات التي تصفه بأنّه بقايا استعمارية، لا يزال الفرنك سارياً حتى اليوم.
في عام 2019، أُصلح فرنك غرب أفريقيا بحيث لم تعد الدول ملزمةً بإيداع نصف احتياطياتها في فرنسا، غير أنّه لا يزال مربوطاً باليورو. ويرى المؤيّدون أنّ ارتباطه بعملةٍ أكثر استقراراً أسهم في حماية تلك الدول من التضخّم في منطقةٍ تشهد اضطراباتٍ متواصلة.
الشركات الفرنسية
تنشط أكثر من 3,000 شركة فرنسية في أفريقيا، وفق شركة الاستخبارات التجارية Kasi Insight. تتركّز غالبيّتها في شمال أفريقيا المغرب والجزائر وتونس وفي سائر الدول الفرانكوفونية، فضلاً عن حضورٍ ملحوظ في جنوب أفريقيا.
تتنوّع هذه الشركات بين عملاق الاتصالات Orange وشركات الطاقة كـ TotalEnergies و Orano، إلى جانب البنوك كـ Societe Generale.
في منطقة الساحل الغربي الأفريقي، تمرّ الاستثمارات الفرنسية بمرحلةٍ عصيبة وسط التوتّرات مع الحكومات العسكرية. ففي النيجر مثلاً، أعلنت Orano التي تعمل في استخراج اليورانيوم منذ 50 عاماً أنّها فقدت السيطرة على شركاتها التابعة المحلية في أعقاب انقلاب 2023. وفي العام الماضي، أمّمت نيامي شركة التعدين Somair، التابعة التي كانت تمتلك فيها Orano حصّةً بنسبة 63%.
وقال Yannick Lefang، مؤسّس Kasi Insight : "عدد من الشركات المرتبطة بفرنسا إمّا خفّضت حضورها، أو جمّدت خطط التوسّع، أو وجدت نفسها أمام ضغوطٍ لإعادة التفاوض".
تتّجه حكومات الساحل الآن نحو شراكاتٍ مع روسيا وتركيا ودول الخليج والصين المتنامية الحضور. بيد أنّ Lefang أشار إلى أنّ حكومات الساحل لا تستطيع الانفكاك بسهولة من الشركات الفرنسية الموجّهة للمستهلك كشبكة Orange للاتصالات، "لأنّها متجذّرة بعمقٍ في الاقتصادات المحلية وهياكل التوظيف".
اللغة الفرنسية
يقطن في أفريقيا نحو 44% من مجموع متحدّثي الفرنسية البالغ عددهم قرابة 400 مليون شخص حول العالم. وتُعدّ كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، أكبر مدينةٍ ناطقة بالفرنسية في العالم.
إلى أين تتّجه فرنسا الآن؟
يرى المحلّلون أنّ باريس تستبدل الدعم العسكري والمساعدات التنموية بالتجارة الخالصة.
قال Lefang: "كثيراً ما تُصوّر العناوين الإخبارية المشهدَ على أنّه 'فرنسا تغادر أفريقيا'، لكنّ بياناتنا تشير إلى أنّ الواقع أقرب إلى إعادة توزيع النفوذ منه إلى انسحابٍ كامل".
اقتربت فرنسا بشكلٍ لافت من نيجيريا وكينيا، وهما دولتان لا تربطها بهما أيّ علاقة استعمارية، وتحتضنان معاً قرابة 300 شركة فرنسية.
وفي مارس الماضي، أعلنت نيجيريا، أكبر اقتصادات غرب أفريقيا، تعاونها مع باريس لشراء معدّاتٍ عسكرية وتدريب جيشها في مواجهة أزمةٍ أمنية متفاقمة. وكانت الدولتان قد وقّعتا في وقتٍ سابق من عام 2024 اتفاقية استثمارٍ بقيمة 300 مليون يورو (نحو 350 مليون دولار) لدعم البنية التحتية الحيوية والرعاية الصحية والنقل والطاقة المتجدّدة في نيجيريا.
وعلى المنوال ذاته، أبرمت فرنسا اتفاقيةً دفاعية مع كينيا، المركز الاقتصادي الرئيسي في شرق أفريقيا، لتعزيز التعاون في تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن البحري وعمليات حفظ السلام.
غير أنّ المحلّلين يلفتون إلى أنّ المنافسة في الدول الناطقة بالإنجليزية شرسة. ففي عام 2025، أنهى الرئيس الكيني Ruto عقداً لبناء طريق سريع مع شركة Vinci Highways SAS الفرنسية بسبب مخاوف تتعلّق بالتكاليف، وأُسند العقد من بعده إلى شركةٍ صينية.
أخبار ذات صلة

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط
