ثورة الطباعة ثلاثية الأبعاد في بناء المنازل اليابانية
يواجه قطاع البناء في اليابان أزمة إنتاجية، لكن "Stealth House" تقدم حلاً مبتكراً عبر تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. منزل من طابقين بُني في 14 يوماً فقط، يفتح آفاق جديدة للإسكان ويعالج نقص العمالة. اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

قطاع البناء في اليابان يواجه أزمة إنتاجية حقيقية: تكاليف مواد متصاعدة، وقوى عاملة تتقدّم في السن، وقطاع تبلغ قيمته 625 مليار دولار يبحث عن مخرج. والمخرج المقترح هذه المرة يأتي من طابعة ضخمة تبني منازل بالكامل.
في فبراير الماضي، كُشف الستار عن "Stealth House"، أول منزل ياباني من طابقين مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. أنجزت هذا المشروع شركة Kizuki الناشئة المتخصّصة في تقنيات البناء، بالتعاون مع أكثر من 20 شركة من بينها ONOCOM، وصُمّم المنزل ليستوفي متطلبات البناء المقاوم للزلازل و هو اشتراط لا تهاون فيه في بلدٍ تضربه الزلازل بانتظام.
قالت Rika Igarashi، الرئيسة التنفيذية لـ Kizuki، في تصريح : "كانت هذه المرة الأولى في اليابان التي يتحقّق فيها تسلسل العمل الكامل من إدخال بيانات التصميم مباشرةً إلى الطابعة، مروراً بالبناء المتواصل في الموقع، وصولاً إلى أعمال التشطيب وذلك على مستوى مسكن سكني من طابقين."
يبلغ ارتفاع المنزل 6 أمتار (20 قدماً) وتتسع مساحته لـ 50 متراً مربعاً (538 قدماً مربعاً)، وقد استلهم تصميمه من تكوينات الكهوف الطبيعية. استغرقت طباعته في الموقع من الأساس حتى الحاجز العلوي للسطح 14 يوماً فقط، باستخدام طابعة جسرية ضخمة. واعتمدت الجدران الخارجية على هيكل مجوّف مملوء بإطار من الخرسانة المسلّحة لاستيفاء اشتراطات البناء.
تُعدّ تقنية البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد (3DPC) من التقنيات الواعدة في تقليص وقت التنفيذ وخفض الاعتماد على العمالة وتحسين السلامة في مواقع العمل، فضلاً عن تقليص هدر المواد بصورة ملموسة، مع إتاحة مرونة أكبر في التصاميم غير التقليدية. غير أن الحكومات والجهات التنظيمية تعاملت مع هذه التقنيات بحذر، وتأخّرت في تحديث اللوائح، مما شكّل عائقاً أمام انتشارها.
لكن "Stealth House" ليست مجرّد نموذج استعراضي؛ فالمنزل الواقع في مدينة Kurihara بمحافظة Miyagi بِيع فعلاً بسعر لم يُكشف عنه وهو ما تعدّه الشركة دليلاً ملموساً على وجود طلب حقيقي في السوق.
نقص العمالة: هل تملأ الطابعة الفراغ؟
أسفرت معدّلات المواليد المتراجعة وتقدّم القوى العاملة في السن عن تضاؤل مستمر في السكان المنتجين باليابان. وفي قطاع البناء تحديداً، تشير بعض التقديرات إلى أن 1.5 مليون عامل ماهر أي ما يعادل 45% من إجمالي القوى العاملة في القطاع سيحالون إلى التقاعد خلال العقد المقبل.
يرى Daisuke Katano، الشريك الإداري في شركة الاستشارات الإنشائية YCP، أن الطباعة ثلاثية الأبعاد قادرة على دمج "ما يصل إلى سبعة حِرَف تقليدية في الموقع" في عملية واحدة. ويقول إن ذلك سيُبسّط التنسيق ويرفع إنتاجية قطاع البناء السكني الياباني، الذي لا يتجاوز نصف المستوى الأمريكي ولم يشهد تحسّناً يُذكر منذ عقود: "استعادة خمس إلى عشر نقاط مئوية فقط من هذه الفجوة ستُطلق طاقة إنتاجية تُقدَّر بتريليونات الين (مليارات الدولارات)."
تستحوذ مشاريع البنية التحتية المدنية حالياً على نحو 62% من تطبيقات البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد في اليابان، ومنها أول محطة قطار في العالم مطبوعة بهذه التقنية، وطريق بطول 273 متراً (896 قدماً). لكن أسواقاً أخرى تكتسب زخماً، في مقدّمتها الإسكان الميسور والإسكان الطارئ بعد الكوارث.
في هذا السياق، يستشهد Katano بشركة Serendix اليابانية الناشئة وما قدّمته من وحدات سكنية مطبوعة بأسعار منخفضة، نُشرت لتوفير مساكن سريعة وبأسعار في متناول المتضرّرين من زلزال شبه جزيرة Noto بقوة 7.5 درجات عام 2024.
وتتطلّع Kizuki بدورها إلى فرص الإسكان في المناطق النائية وشحيحة السكان، وعرضت مقترحاتها على ممثّلين من سبع بلديات خلال مؤتمر SusHi Tech في طوكيو الأسبوع الماضي، وهو أحد أبرز فعاليات الابتكار في آسيا.
تقول Igarashi: "حتى في المناطق التي تعاني شُحّاً حاداً في العمالة الماهرة، تتيح الطباعة ثلاثية الأبعاد لفريق صغير من المشغّلين تشييد مبانٍ عالية الجودة. بهذا المعنى، تمتلك التقنية القدرة على معالجة التفاوتات الإقليمية في توفير المساكن بصورة مباشرة."
عقبات التمويل والتنظيم
على الرغم من التكاليف الأولية المرتفعة لمعدّات البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد، تؤكّد Igarashi أن التحديات الأعمق باتت "مؤسّسية أكثر منها تقنية."
تشرح قائلةً: "من الناحية التنظيمية، يجري التحقّق من الامتثال حالياً عبر طلبات موافقة فردية لكل مبنى على حدة. وللانتشار الأوسع وتحقيق كفاءة أعلى، لا بدّ من وضع معايير تقنية ومنظومات تنظيمية مخصّصة لأساليب البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد."
يتّفق مع هذا الرأي البروفيسور Tetsuya Ishida، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة طوكيو، مشيراً إلى ضرورة اعتماد مناهج تقييم موحّدة كالإرشادات التقنية التي أصدرتها مؤخّراً الجمعية اليابانية للهندسة المدنية للحدّ من البيروقراطية.
يلفت Ishida إلى أن "المشهد التنظيمي يتغيّر بوضوح رغم التحفّظ التاريخي للجهات المختصّة"، مستشهداً بإدراج الطباعة ثلاثية الأبعاد في خطة الحكومة لتعزيز إدخال التقنيات الجديدة، إلى جانب السابقة التي أرستها "Stealth House"، بوصفهما خطوتين كفيلتين بجعل إجراءات الموافقة المستقبلية "أكثر سلاسة بشكل ملحوظ."
في المقابل، يرى Katano أنه رغم ما تمنحه "Stealth House" من مصداقية للمنازل المطبوعة، تظلّ "المخاطر مقارنةً بالبناء التقليدي كبيرة" في نظر المستثمرين؛ إذ يغيب سجلّ بيانات متين حول المتانة على المدى البعيد، وتكتنف الغموضُ عمليات إعادة بيع هذه العقارات، فيما تتحفّظ شركات التأمين على تغطيتها.
يُضاف إلى ذلك أن أحد أكثر أنواع الرهن العقاري شيوعاً في اليابان يشترط مساحة دنيا تبلغ 70 متراً مربعاً (753 قدماً مربعاً) للمنازل المستقلة، وهو ما "يُقصي معظم الوحدات الحالية من دائرة التمويل المعياري"، وفق Katano.
يضيف: "هذا يحصر شريحة المشترين في أصحاب السيولة النقدية والمتقاعدين، إلى أن تكبر المنتجات أو تتكيّف قواعد التمويل."
نحو منظومة بناء آلية متكاملة
استثمرت اليابان بكثافة في أتمتة البناء منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأطلقت عام 2015 مبادرة "i-Construction" بالتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، بهدف رقمنة القطاع ودمج حلول تقنية المعلومات في الآلات الإنشائية. وفي 2024، انطلقت المرحلة الثانية من المبادرة بهدف خفض الاعتماد على العمالة بنسبة 30% بحلول عام 2040.
يقول Ishida: "تؤدّي الطباعة ثلاثية الأبعاد دوراً محورياً هنا بوصفها تقنيةً تُجسّد البيانات الرقمية مباشرةً في الفضاء المادّي." ويرى أن هذه التقنيات قادرة كذلك على استقطاب الكفاءات الشابّة إلى القطاع، محوّلةً صورة البناء من مهنة "شاقّة وقذرة وخطرة" إلى مجال "إبداعي وجذّاب ومثير للتحدّي."
وبينما لا تستطيع الطباعة ثلاثية الأبعاد وحدها ردم فجوة الإنتاجية، يرى Katano أنها مقرونةً بتقنيات أخرى كالتصنيع المسبق للمكوّنات (سوق يبلغ 26 مليار دولار في اليابان عام 2025 وفق YCP)، والتصميم بالذكاء الاصطناعي، والمعدّات الثقيلة ذاتية التشغيل قد تُحقّق مكاسب إنتاجية تصل إلى 40% بحلول 2030.
في غضون ذلك، تعمل Kizuki على إنشاء "3DPC Academy" تعتزم إطلاقها في وقتٍ لاحق من هذا العام، لتأهيل مشغّلين يواكبون مستقبلاً تصبح فيه الطباعة ثلاثية الأبعاد هي المعيار السائد.
تختم Igarashi بالقول: "تقنية البناء ولا سيّما الطباعة ثلاثية الأبعاد لا تزال تبدو في نظر كثيرين شيئاً من عالم المستقبل، بل من الخيال العلمي. لكن حين يرى الناس لقطات البناء الفعلية ويسمعون القصة خلفها ويدخلون في نقاشٍ مباشر، يبدأون في إدراكها بوصفها مشروعاً تجارياً حقيقياً."
أخبار ذات صلة

روسيا تُعلن استهداف أوكرانيا منشآت نفطية وعسكرية قرب سانت بطرسبرغ

أسعار MacBooks و iPads ترتفع بسبب نقص رقائق الذاكرة

Meta تصمّم نظّارات ذكية أرخص لتطبيقات الذكاء الاصطناعي
