خَبَرَيْن logo

تغيرات جذرية في النظام الدولي بعد التصعيد الإيراني

تسلط المواجهة العسكرية الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران الضوء على هشاشة النظام الدولي. تعكس الأحداث الجديدة حدود الحياد وتكشف عن تداخل الأزمات الإقليمية مع الاقتصاد العالمي. هل يمكن احتواء إيران أم أن التغيير هو الحل؟ اقرأ المزيد على خَبَرَيْن.

سفينة سياحية كبيرة تبحر في مياه الخليج، بينما يسير رجل يرتدي الزي التقليدي بالقرب من الشاطئ، مما يعكس التفاعل بين السياحة والثقافة المحلية.
ترسو سفن الرحلات السياحية في محطة الرحلات بميناء الدوحة القديم في قطر، بعد إغلاق الممرات المائية والهجمات الإيرانية على قطر عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، 3 مارس 2026.

-المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة مع إيران ليست مجرّد عملية عسكرية محدودة، ولا جولةً إضافية في دورة الردع المتبادل. إنّها لحظة كاشفة لبنية النظام الدولي بأسره. أعادت هذه المواجهة رسم الانقسامات الجيوسياسية بصورة لم يشهدها العالم من قبل، وكشفت عن حدود الافتراضات التي حكمت سلوك القوى الكبرى لعقود، وفي مقدّمتها الاعتقاد بأنّ الصراعات يمكن احتواؤها عبر الحياد أو الأدوات الدبلوماسية التقليدية.

ما بات جليّاً منذ الأيام الأولى للحرب هو أنّ العالم لم يعد يسير وفق منطق إدارة التوترات والتحفّظ المتعمّد، بل بات يعمل في بيئة شديدة الترابط، تتقاطع فيها الجغرافيا مع الشبكات العابرة للحدود، وتتحوّل فيها الأزمات الإقليمية بسرعة إلى صدمات عالمية مباشرة. فقد شنّت إيران ضرباتها على عدة دول في المنطقة في الأيام الأولى من الحرب وحدها، مستهدفةً الأصول الأمريكية والبنية التحتية للطاقة الخليجية وغيرها، ممّا أحدث اضطراباً في الأسواق العالمية شبه فوري.

حدود الحياد

كشف مسار الحرب أنّ مفهوم «الحياد» لم يعد قابلاً للتطبيق في السياقات الإقليمية المعاصرة، ولا سيّما في الشرق الأوسط. حين تمتدّ أدوات الصراع عبر وكلاء مسلّحين وإغلاق ممرّات بحرية حيوية وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، تجد أيّ دولة نفسها مجرورةً إلى مسار الأزمة بصورة أو بأخرى، بصرف النظر عن جهودها في النأي بالنفس. فقطر، على سبيل المثال، استثمرت سنواتٍ في الوساطة بين واشنطن وطهران وحافظت على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، غير أنّها تعرّضت لضربات إيرانية طالت بنيتها التحتية المدنية ومنشآت الطاقة بعد ساعات من اندلاع الحرب.

الحياد أسهل في الإعلان منه في الممارسة. فالضربات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في دول الخليج أجبرت عدداً من المنتجين على الإعلان عن القوّة القاهرة وتعليق عملياتهم. في قطر، أوقفت Qatar Energy إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وانعكس الأثر فورياً على أوروبا من خلال ارتفاع أسعار الغاز بنحو 50% في هولندا والمملكة المتحدة تذكيرٌ صارخ بأنّ الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد باتت مرتبطة ارتباطاً مباشراً باستقرار هذه المنطقة.

حين يختلف الحلفاء

ظلّ التعامل مع الأنظمة الصعبة أو المتعنّتة تحدّياً متكرّراً. فقد أبدت عدة دول أعضاء في حلف NATO تحفّظها، أو رفضت كلياً دعم طلب واشنطن بتوسيع التعاون. وعلى الصعيد متعدّد الأطراف، بدت الانقسامات داخل مجلس الأمن الدولي واضحة للعيان: فبينما أدان بعض الأعضاء الضربات الإيرانية على دول الخليج، عجز المجلس عن التوصّل إلى توافق إزاء الضربات الأمريكية الإسرائيلية، ممّا كشف عن خلافات عميقة بين القوى الكبرى حول كيفية التعامل مع إيران.

يستند معسكر وقف إطلاق النار إلى سجلٍّ تاريخي ثقيل الوزن. فالتدخّلات العسكرية، كتلك التي شهدتها العراق وليبيا، أثبتت أنّ إسقاط الأنظمة بالقوة لا يُفضي بالضرورة إلى بناء أنظمة مستقرّة؛ بل يفتح الباب في الغالب أمام الفوضى والانهيار المؤسّسي. في كلا البلدين، أسهمت التدخّلات العسكرية الخارجية في إطالة أمد الصراع والتشرذم والانهيار المؤسّسي، وكلاهما لا يزال يعاني تداعياتها.

يرى هذا المعسكر أنّ الحرب مضاعفٌ للأزمات، وأنّ الأولوية يجب أن تكون لوقف الثمن الإنساني والاقتصادي والعودة إلى المسار الدبلوماسي، حتى لو اقتضى ذلك التعايش مع نظام صعب أو متعنّت. ويرى أيضاً أنّ الاستقرار النسبي أفضل من الفوضى التي لا مآلات يمكن التنبّؤ بها.

بيد أنّ هذه الحجّة تواجه معضلةً جوهرية: فهي تفترض أنّ النظام الإيراني قابل للاحتواء ضمن قواعد الدبلوماسية التقليدية، وهو افتراض باتت تصرّفات إيران منذ 28 فبراير تُشكّك فيه. فإيران شنّت ضرباتها على عدة دول خليجية، من بينها قطر والمملكة العربية السعودية، اللتان قدّمتا ضماناتٍ صريحة بعدم استخدام أراضيهما لشنّ أيّ عمليات هجومية ضد إيران.

في المقابل، يذهب معسكر تغيير النظام إلى أنّ الحرب لم تخلق الأزمة، بل كشفت عن طبيعتها الحقيقية. ويرى أنّ السلوك الإيراني، سواء باستهداف الممرّات البحرية أو توسيع حروب الوكالة، أثبت أنّ النظام لا يمكن احتواؤه أو ترويضه بالأدوات التقليدية. فعقودٌ من الدبلوماسية والعقوبات لم تحُل دون إغلاق مضيق هرمز.

يُؤكّد أصحاب هذا الموقف أنّ عقوداً من الدبلوماسية، بما فيها الاتفاق النووي والوساطات الإقليمية، أسهمت في توسيع قدرات إيران ونفوذها بدلاً من احتوائها. ولهذا المعسكر، يكمن الحلّ في تغيير بنية النظام ذاته.

غير أنّ هذه الحجّة تُثير سؤالاً بالغ التعقيد: ماذا بعد تغيير النظام؟ التجارب السابقة في المنطقة لا تُقدّم نموذجاً ناجحاً لإعادة بناء الدولة في أعقاب إسقاط الأنظمة، ممّا يجعل هذا الخيار أكثر خطورة ممّا قد تُبرّره مكاسبه المحتملة. فالضربة الافتتاحية لهذه الحرب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي قامت في جوهرها على افتراض أنّ إزاحة رأس الدولة ستُعجّل بالانهيار. لكنّ ما جرى كان العكس: جرى اختيار خلفٍ له بعد وقت وجيز من الضربة الأولى، واستمرّت المؤسّسات الحكومية في أداء مهامّها.

النظام الدولي على مفترق طرق

تكشف هذه الحرب في الواقع عن تحوّل أعمق في طبيعة التهديدات التي يواجهها النظام الدولي. لم تعد التهديدات تقليدية أو محصورة داخل الحدود الوطنية؛ بل باتت شبكية الطابع، قادرة على الانتشار عبر الجبهات العسكرية والاقتصادية والرقمية في آنٍ واحد. وهي لا تنبثق من الجيوش النظامية وحدها، بل من تقاطع أدوات متعدّدة: الميليشيات والهجمات السيبرانية والاستهداف الاقتصادي وإغلاق الممرّات البحرية. هذا التعقيد يجعل الاتّكاء على الأدوات التقليدية، دبلوماسية كانت أم عسكرية، أمراً بالغ الصعوبة في التعامل مع الأزمات بفاعلية.

المطالبة بوقف الأعمال العدائية دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمة قد لا تعدو كونها تأجيلاً للانفجار الحتمي، فيما قد يفتح السعي نحو التغيير الجذري دون رؤية واضحة لليوم التالي الباب أمام فوضى أوسع نطاقاً.

بين هذين الخيارين، يواجه العالم سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن التعامل مع نظامٍ تعدّه دول كثيرة جزءاً من المشكلة، دون أن يتحوّل السعي لتحويله إلى مشكلة أكبر منه؟

ما يبدو جليّاً هو أنّ المرحلة المقبلة ستُضيّق هامش المناورة في المنطقة الرمادية التي طالما اعتادت الدول العمل من داخلها. ستكون إمّا منطق الاحتواء الحذر، وإمّا منطق الحسم القاطع. وفي كلا الحالين، سيكون ثمن القرار باهظاً، ليس على المستوى الإقليمي وحسب، بل على النظام الدولي كما نعرفه.

أخبار ذات صلة

Loading...
ترامب يجلس في اجتماع مع مستشاريه، مع تعبير جاد، وسط تكهنات حول التعديلات على الاتفاق النووي مع إيران.

ترامب يعيد نصّ الاتفاق النووي الإيراني بتعديلات

في خضم المفاوضات المعقدة مع إيران، يصرّ ترامب على شروط أكثر وضوحاً، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاتفاق. هل ستنجح هذه الجهود في إنهاء التوترات؟ تابعونا لاكتشاف التفاصيل!
Loading...
اجتماع في البيت الأبيض يتضمن ترامب وMarco Rubio، حيث يتحدث ترامب عن ضرورة استرداد اليورانيوم الإيراني وسط تباين في المواقف.

ترامب والتناقضات في خطابه حول الترسانة النووية الإيرانية

تتجلى تعقيدات الملف النووي الإيراني في صميم المفاوضات بين واشنطن وطهران، حيث ترفض إيران التنازل عن اليورانيوم عالي التخصيب. هل ستنجح الأطراف في التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الحرب؟ تابعوا معنا لتفاصيل مثيرة.
Loading...
اجتماع للرئيس ترامب مع مستشاريه الأمنيين، حيث يناقشون التوترات مع إيران ورفع الحصار البحري على مضيق هرمز.

إيران والولايات المتحدة تقتربان من اتفاق: آخر التطورات في اليوم الحادي والتسعين

في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز فرص دبلوماسية جديدة مع إعلان ترامب عن رفع الحصار البحري. هل ستنجح المحادثات في إنهاء الأزمات؟ تابع التفاصيل المثيرة التي قد تغير مجرى الأحداث.
Loading...
سفينة مدمرة في مضيق هرمز، مع طائر أبيض على الشاطئ، تعكس التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة.

الولايات المتحدة تقصف بندر عباس مجدداً: لماذا يُعتبر الميناء حيوياً لإيران؟

تتجه الأنظار نحو بندر عباس، المدينة الاستراتيجية التي تشهد تصعيدًا عسكريًا مثيرًا. مع استمرار التوترات بين واشنطن وطهران، تكتسب الأحداث أهمية خاصة. تابعوا معنا تفاصيل هذه المواجهات وتأثيرها على مضيق هرمز.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية