ألم الأمومة في غزة بين الفرح والحزن
في غزة، حيث يُحتفل بعيد الأم وسط الألم والفقد، تعاني الأمهات من آثار الحرب والمرض. قصة مؤلمة عن الأمل والصمود، تُسلط الضوء على معاناة الأمومة في أوقات الكارثة. تعرفوا على تفاصيل هذه التجربة الإنسانية المؤلمة مع خَبَرَيْن.

في العاشر من مايو، ستُهدى لأمّهات كثيرات في الولايات المتحدة وكندا وسائر أنحاء العالم باقاتٌ من الزهور وعلب الشوكولاتة، وستمتلئ الرسائل بالفرح والامتنان. ستلبس الأمّهات أجمل ثيابهن، ويقضين يومهن مع أبنائهن، ويتلقّين الهدايا في يومٍ بهيج.
ولا عجب في أنّ معظم دول العالم تحتفل بعيد الأم، حتى وإن تفاوتت مواعيده. فالأمومة شيءٌ عظيم يستحق الاحتفاء. غير أنّ ثمّة مكاناً واحداً على وجه الأرض يحمل هذا اليوم فيه لكثيرين وجعاً لا يُحتمل.
في غزة، حيث استشهدت 22,000 امرأة في غضون عامين ونصف، يخشى أطفالٌ كثيرون هذا اليوم الخاص لأنّه يُذكّرهم بألمٍ لا يُطاق. فقد رحلت أمّهاتٌ كثيرات، وأخريات يصارعن أمراضاً خطيرة.
أمّي أنا، نجاة، التي لم تتجاوز السادسة والأربعين من عمرها، تعاني من السرطان الذي اكتُشف في مرحلةٍ متأخّرة.
في الحادي والعشرين من مارس، حين احتفل العالم العربي بعيد الأم، لم أقل لأمّي «كلّ عام وأنتِ بخير». بدلاً من ذلك، دعوتُ في سرّي أن تبقى معنا قليلاً أطول. لم أفكّر في الاحتفال؛ فكّرت في خوفي من فقدانها.
في ذلك اليوم، لم تلبس أمّي أجمل ثيابها، ولم تجلس معنا على مائدةٍ خاصة وعلى وجهها ابتسامة. كانت نحيلةً منهكة.
قبل أسبوعٍ من عيد الأم، كانت قد خضعت لجلستها الثالثة من العلاج الكيميائي، وقضت أياماً طريحة الفراش، عاجزةً عن الحركة وتكاد تعجز عن الكلام. لم تكن ثمّة كلماتٌ في الدنيا تكفي لأقول لها كم تعني لي. لكنّني آثرت الصمت. في اليوم الذي احتفل فيه الآخرون بأمّهاتهم، حبستُ دموعي حتى لا أُضيف إلى ألمها.
حالة أمّي ليست استثناءً. فقد أثقلت الحرب كاهل أمّهات غزة بمعاناةٍ لا توصف، وهذا الألم يبدأ منذ اللحظة الأولى للأمومة. فقد تضاعفت معدّلات وفيات الأمّهات أثناء الولادة ثلاثة أضعاف خلال هذه الحرب، وتوثّق تقريرٌ حديث ارتقاء 220 امرأةً فلسطينية أثناء الوضع"الولادة" في غزة بين يناير ويونيو 2025.
وقد طالت المجاعةُ الحواملَ والمرضعاتِ بشكلٍ غير متناسب، ممّا عرّضهن وأطفالهن للوفاة ومضاعفاتٍ صحية متعدّدة. واضطرّت أمّهاتٌ إلى مشاهدة 70,000 طفل ينهكهم سوء التغذية، فيما اضطرّت أكثر من 150 أمٍّ إلى دفن أطفالها الذين ارتقوا أثر المجاعة.
وفقدت أكثر من 22,000 امرأة أزواجهن، وباتت كلٌّ منهن مضطرّةً إلى أن تكون أمّاً وأباً في آنٍ واحد، تحمل على عاتقها وحدها عبء البقاء وسط حربٍ لا تهدأ. وكثيراتٌ غيرهن، وإن لم يفقدن أزواجهن، يتحمّلن وحدهن مسؤولية رعاية الأطفال الجرحى والمرضى وكبار السن في عائلاتهن.
وتعيش كثيراتٌ منهن مع ألم فقدان أطفالهن في الغارات الإسرائيلية؛ إذ كان أكثر من 21,000 من شهداء هذه الحرب أطفالاً.
في خضمّ كلّ ذلك، تضاعف عبء إدارة البيت في ظلّ انعدام المياه الجارية والكهرباء وشُحّ الغذاء. والحياة في خيامٍ لا تقي من حرارة الصيف الحارقة ولا من برد الشتاء القارس، ولا من الأمراض والآفات، حياةٌ لا تُطاق. وكذلك فقدان الأحبّة. حتى أشدّ أمّهات غزة صموداً باتت على حافة طاقتها.
ولا عجب أن تمرض أمّهاتٌ كثيرات. لكنّ إسرائيل حرصت أيضاً على ألّا يحصلن على العلاج الذي يحتجنه.
لقد قصف الجيش الإسرائيلي جميع مستشفيات غزة ودمّر المستشفى التخصّصي الوحيد لعلاج الأورام. وهذا يعني أنّ مرضى السرطان والأمراض المزمنة لا يتلقّون العلاج اللازم، فضلاً عن أنّ الفحوصات الدورية الضرورية للكشف المبكّر عن الأمراض باتت مستحيلة في ظلّ الحرب.
أخبرني الأطباء أنّ السرطان كان ينمو في جسد أمّي على الأرجح منذ ما يقارب العامين. والاكتشاف المبكّر كان سيُيسّر العلاج كثيراً ويرفع فرص شفائها.
أعيش حقاً أصعب أيام حياتي. أنا ممزّقةٌ بين الخوف عليها والحاجة إلى أن أجمع قوّتي لأحلّ محلّها في البيت. أراها تنكسر كلّ يوم، شيئاً فشيئاً، وهذا يكسرني أنا أيضاً.
أنا الابنة الكبرى، فوقع ثقل البيت على كاهلي. كانت أمّي تتولّى كلّ شيءٍ كأنّه لا يكلّفها جهداً، كأنّ الحياة تسير من تلقاء نفسها. والآن وقد وطئتُ موطأها، أدركتُ كم كان هذا العمل مُضنياً.
أنظر إلى أختي الوحيدة التي لم تتجاوز الثلاث سنوات، وأبذل جهدي لأقنعها بأنّني سعيدةٌ وأنّ أمّنا بخير. أظلّ أقول لها إنّ شعر أمّها سيعود طويلاً وجميلاً. وفي كلّ يوم علاجٍ كيميائي، تسألني أختي: «أين ذهبت ماما؟» فآخذ نفساً عميقاً قبل أن أجيب بأنّها ذهبت إلى الطبيب. ليس سؤالاً سهلاً أن تُجيب عنه وأنت تحاول أن تستوعب ثقل الواقع الذي يكشفه.
أطبخ وأنظّف وأرعى الجميع في البيت. وحين أنتهي ويحين وقت الراحة، لا يرتاح عقلي. يظلّ يسألني دون توقّف: «هل ستتعافى؟ هل ستعود إلينا كما كانت؟ هل ستمرّ هذه الأيام الثقيلة؟» كلّ احتمالٍ يخطر ببالي يُنهكني ويثقل على قلبي. هذه ليست أزمةً عابرة. هذه أمّي، وهذا السرطان، وهذه غزة في خضمّ حرب.
نحن الآن في انتظارٍ قلقٍ لتحديد موعد عمليتها الجراحية استئصال الثدي الكامل.
وقال الأطباء إنّها تحتاج أيضاً إلى العلاج الإشعاعي، وهو غير متوفّر في غزة حالياً. وقد صدر لها إحالةٌ طبية لم تُوافَق عليها بعد. وهي واحدةٌ من 20,000 فلسطيني في غزة يحتاجون بشكلٍ عاجل إلى الإخلاء الطبي، الذي جرى تعطيله وتبطيئه بصورةٍ متعمّدة.
بين الحين والآخر، تنظر أمّي إلى ورقة الإحالة التي تؤكّد حاجتها العاجلة للسفر، وتتنهّد بحزنٍ عميق. لا أستطيع أن أجزم بما يُحزنها أكثر: مرضها، أم استئصال الثدي، أم تغيُّر مظهرها، أم معبر رفح المغلق.
أكاد أكون متيقّنةً من أنّ قلبها لن يتحمّل كلّ هذا، وأنّ عقلها قد ينهار يوماً تحت ثقل هذا الألم. ومعاناتها ومعاناة كثيرٍ من أمّهات غزة — لن تُسجَّل في إحصاءٍ ولن يراها أحد، تماماً كما أراد مهندسو هذه الحرب.
أخبار ذات صلة

الجنائية الدولية: منظمة بلجيكية تطالب الهند باعتقال ضابط إسرائيلي احتياطي

ضابط شرطة في كارولاينا الشمالية يفقد وظيفته بعد فيديو يوثّق ضربه امرأة بشكلٍ متكرر أثناء الاعتقال

العنف ضدّ المهاجرين في جنوب أفريقيا: ما الأسباب الحقيقية؟
