أزمة السيراميك في موربي وتأثير الحرب العالمية
تأثرت صناعة السيراميك في موربي بشدة جراء الحرب في الشرق الأوسط، مما أدى إلى إغلاق 450 شركة وفقدان 200,000 عامل لوظائفهم. تعرف على معاناة العمال وتأثير الأزمات العالمية على حياتهم اليومية في خَبَرَيْن.

في الساعة التاسعة صباحاً من كلّ يوم، كان برادييب كومار يدخل مصنع السيراميك في غرب الهند، يحمل المواد الخام — الطين والكوارتز والرمل — ويضعها في الأفران، ليقضي ساعاتٍ طويلة في مواجهة الحرارة والغبار دون أيّ معدّات وقاية. سبع سنواتٍ من العمل المتكرّر المُرهق، لم تنتهِ بقرارٍ من صاحب العمل، ولا بخطأٍ ارتكبه، بل بحربٍ اندلعت على بُعد آلاف الكيلومترات.
يقول كومار: "كانت فصول الصيف الأشدّ قسوةً، حين تبلغ الحرارة ذروتها".
في 15 مارس، فقد كومار عمله إثر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الذي أشعل فتيل حربٍ جديدة في الشرق الأوسط وأفضى إلى أزمة وقود عالمية. وفي غضون أسبوعين فحسب من اندلاع الحرب، أغلق المصنع الذي يعمل فيه أبوابه بسبب شحّ البروبان والغاز الطبيعي، المادّتان اللتان لا تقوم صناعة السيراميك في مدينة موربي بدونهما.
موربي في ولاية غوجارات هي عاصمة صناعة السيراميك في الهند، وتوظّف أكثر من 400,000 عامل، يأتي أكثر من نصفهم من ولاياتٍ أفقر كأوتار براديش وبيهار.
بعد خمسة أيامٍ من فقدانه عمله، عاد كومار البالغ من العمر 29 عاماً إلى مسقط رأسه في منطقة هاردوي بولاية أوتار براديش، رفقة زوجته وأطفاله الثلاثة.
يقول: "أنا هنا حتى يعود كلّ عاملٍ مهاجر قدِم معي إلى بيته". ثمّ يضيف في إشارةٍ إلى موجة النزوح الجماعي التي شهدتها الهند إبّان جائحة كوفيد-19: "لا نريد أن نعاني كما عانينا خلال الجائحة".
نحو 450 شركةً من أصل 600 تُغلق أبوابها
تضمّ موربي أكثر من 600 شركة، وتنتج نحو 80 بالمئة من السيراميك الهندي، من بلاطٍ وأحواض ومراحيض وأحواض غسيل. غير أنّ ما لا يقلّ عن 450 شركةً اضطرّت إلى الإغلاق جرّاء الأزمة المتعلّقة بمضيق هرمز، الشريان الحيوي لواردات الهند من الغاز.
في هذا السياق، تتواصل تداعيات الحرب؛ إذ استولت الولايات المتحدة يوم الأحد على سفينة شحن إيرانية، في حين أعلنت واشنطن استعدادها لجولةٍ جديدة من المفاوضات مع طهران في باكستان. وقد رفضت إيران الالتزام بمحادثات السلام عقب الاستيلاء على سفينتها. وتأتي هذه التطوّرات مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الهشّ المتّفق عليه بين الطرفين يوم الأربعاء، في ظلّ تصعيدٍ أغلقت بموجبه إيران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، ممّا أربك إمدادات الوقود العالمية ورفع أسعار النفط.
يشرح سيدهارث بوباليا، المصنّع والتاجر البالغ من العمر 27 عاماً والذي يمثّل الجيل الثالث في هذه الصناعة بموربي: "جميع وحدات التصنيع في موربي تعتمد على البروبان والغاز الطبيعي لتشغيل الأفران بدرجاتٍ حرارة عالية. نحو 60 بالمئة من المصنّعين يستخدمون البروبان لأنّه أرخص نسبياً".
أمّا مانوج أرفاديا، رئيس رابطة مصنّعي السيراميك في موربي، فيقول إنّهم أغلقوا الوحدات حتى 15 أبريل أملاً في أن تُحلّ الأزمة بحلول ذلك الموعد. "لكن حتى اليوم، لم تفتح سوى نحو 100 وحدة، وأغلبها لم تستأنف الإنتاج بعد. ويُرجَّح أن يستمرّ الوضع على هذا الحال خمسة عشر يوماً على الأقلّ".
وأشار أرفاديا إلى أنّ الإغلاق أثّر على 200,000 عامل، غادر أكثر من ربعهم إلى ولاياتهم الأصلية.
تُقدَّر قيمة صناعة السيراميك الهندية بـ 6 مليارات دولار. ويوضح أرفاديا: "نحو 25 بالمئة من سيراميك موربي يُصدَّر إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا بقيمةٍ صافية تبلغ 1.5 مليار دولار. لكنّ الصادرات باتت متأخّرة، وفي بعض الحالات متوقّفة كلّياً، ولا سيّما نحو دول الشرق الأوسط".
وتبقى المصانع التي تعتمد على البروبان مغلقة، في حين أنّ الغاز الطبيعي متاحٌ إلى حدٍّ بعيد، إلّا أنّ كثيراً من الوحدات لم تُقدِم على التحوّل إليه بعد، نظراً لأنّ الاشتراكات الجديدة تُسعَّر بـ 93 روبية للكيلوغرام، مقارنةً بنحو 70 روبية للمشتركين الحاليين.
يقول خوشيرام ساباريا، مصنّع أحواض الغسيل الذي يعتمد على البروبان، إنّه سينتظر حتى نهاية الشهر قبل البتّ في إعادة فتح مصنعه: "لأنّني سأضطرّ حينها إلى استدعاء مئات الموظّفين الذين عادوا إلى بيوتهم، وأريد أن أكون متأكّداً قبل أن أتحمّل مسؤوليّتهم".
العودة بـ«مرض موربي»
من بين العمّال الذين غادروا موربي الشهر الماضي، أنكور سينغ البالغ من العمر 27 عاماً. يقول: "إغلاق الشركة لم يُعِدني وحيداً، بل أعادني بمرض موربي، السيليكوز (Silicosis). كنت أعاني من حمّى وسعالٍ متكرّر وأتجاهله، حتى عدت إلى مسقط رأسي قرب باتنا في بيهار وأجريت فحصاً طبّياً، فاكتشفت أنّه السيليكوز".
السيليكوز مرضٌ رئوي مزمن لا شفاء منه، يُسبّبه استنشاق غبار السيليكا الموجود في الصخور والرمال والكوارتز ومواد البناء، ويُعدّ من أقدم الأمراض المهنية في التاريخ، ويودي بحياة آلاف الأشخاص سنوياً.
يقول ناشط حقوق العمّال في غوجارات، شيراغ شافدا: "المرض منتشرٌ على نطاقٍ واسع في موربي لأنّ العمّال يتعرّضون بصفةٍ اعتيادية لغبار السيليكا الدقيق المتولّد أثناء إنتاج السيراميك. حتى من لا يعملون مباشرةً في عمليات التشكيل أو الأفران يستنشقون الجسيمات بسبب ضعف التهوية والتعرّض المطوّل في أرجاء المصنع".
ويضيف شافدا أنّ أغلب شركات السيراميك لا تلتزم باللوائح الحكومية المتعلّقة بسلامة العمّال.
هاريش زالا، 40 عاماً، عمل في شركاتٍ سيراميك متعدّدة في موربي لعقدين من الزمن، قبل أن يُصاب بالسيليكوز قبل عامين. يقول إنّه لم يتلقَّ أيّ دعمٍ من صاحب العمل، الذي أساء إلى والده وهدّده حين توجّه إلى الشركة عقب التشخيص.
وأضاف: "كلّ عام، يموت عاملٌ واحدٌ على الأقلّ بالسيليكوز في كلّ شركة، فيما يُكتشف المرض لدى آخرين. بعضنا محظوظٌ وينجو، لكنّه لا يجد أمامه سوى ترك العمل فوراً".
يُشير زالا إلى أنّ كثيراً من الشركات لا تمنح العمّال وثائق تثبت توظيفهم، كعقود العمل أو كشوف الرواتب أو بطاقات الهوية. "يُفعَل ذلك حتى لا يتمكّن العامل من إثبات وجود علاقة عمل إذا ما طالب لاحقاً بحقوقه".
ويوضح شافدا أنّ هؤلاء العمّال يُحرمون أيضاً من الضمان الاجتماعي المكفول بموجب القوانين الهندية، لأنّ الاعتراف بذلك سيُشكّل دليلاً على التوظيف. "وهكذا، بعد سنواتٍ من العمل، يُحرم العمّال من حقوقهم لانعدام الأدلّة، ممّا يُخلّص أصحاب العمل من أيّ مساءلةٍ قانونية تقريباً".
في موربي أيضاً، ثمّة مهاجرون اختاروا البقاء، كسوشما ديفي، 56 عاماً، القادمة من ولاية البنغال الغربية، التي لم تعد إلى بيتها لأنّ الشركة التي يعمل فيها ابنها وعدت بتوفير المأوى والطعام ريثما يستأنف الإنتاج.
تقول: "أنا هنا مع عددٍ قليلٍ من الأشخاص لأنّنا لم نرد إنفاق المال على السفر. هنا على الأقلّ طعامنا مضمون". وتمشي وهي تحمل حزمةً من الأغصان الجافّة والخشب والخشب الرقائقي المُستعمَل للطهي. "نخرج كلّ يومٍ لجمع هذه الأشياء لنتمكّن من طهي وجبتَينا". وتُضيف: "آمل أن تعود الأفران وتستأنف العمل قريباً، لكنّني آمل أيضاً ألّا يتوقّفوا عن إعطائنا الأرزّ والبطاطس حتى لو لم تعمل الأفران".
زوج ديفي، دبيندار، وابنها أنكيت يقطنون في غرفةٍ واحدة منحتها إيّاهم الشركة، ويتشاركون مرحاضاً واحداً مع عشر عائلاتٍ أخرى في الطابق ذاته.
أمّا كومار، فمدّخراته تنفد ويخشى الوقوع في فخّ الديون، وهو يبحث عن عملٍ يوميٍّ في هاردوي. يقول وهو ينظر إلى سقف منزله الطيني المُرمَّم حديثاً: "في البداية أكلنا ممّا ادّخرناه، لكنّ البيت احتاج إلى إصلاح، فاضطررنا إلى اقتراض 20,000 روبية (214 دولاراً) من أحد الأقارب، ولا نعرف متى ولا كيف سنسدّدها".
أخبار ذات صلة

وزير الخارجية الأمريكي يبدأ زيارة الهند ويدعو مودي للبيت الأبيض

ثلاثة أحكام بالسجن مدى الحياة لآسيا أندرابي

هذه المدينة الصغيرة لديها أسوأ هواء في العالم
