الساعة البيولوجية تحدد نجاح علاج سرطان الرئة
تجربة سريرية تثبت أن توقيت العلاج المناعي لسرطان الرئة يؤثر على فعاليته بشكل كبير. المرضى الذين تلقوا العلاج صباحاً عاشوا عاماً أطول وأظهرت أجسامهم استجابة مناعية أقوى. اكتشف كيف تؤثر ساعتك البيولوجية على علاجك مع خَبَرَيْن.

-تخيّل أنّ الفارق بين أن تعيش عاماً أطول وبين أن يتفاقم مرضك لا يكمن في نوع الدواء الذي تتلقّاه، بل في الساعة التي تتلقّاه فيها. هذا بالضبط ما خلصت إليه تجربةٌ سريرية أجراها باحثون جمعوا مرضى يعانون النوع ذاته من سرطان الرئة، وأخضعوهم للعلاج المناعي نفسه مع فارقٍ واحد: نصفهم تلقّى العلاج قبل الثالثة مساءً، والنصف الآخر بعدها.
النتيجة كانت مفاجئة: المرضى الذين تلقّوا جرعاتهم الأولى في الصباح عاشوا ما يقارب عاماً كاملاً أطول في المتوسط، وظلّت أمراضهم مستقرّةً لفترةٍ أطول بكثير قبل أن تتقدّم أو تنتشر وهو ما يُعرف طبّياً بالبقاء خالياً من التطوّر المرضي.
الساعة البيولوجية والجهاز المناعي: علاقةٌ أعمق مما نظنّ
درس العلماء منذ عقودٍ ما يُعرف بالإيقاع اليوماوي( Circadian Rhythm)، وهو الساعة الداخلية التي تُنظّم طيفاً واسعاً من الوظائف البيولوجية: إفراز الهرمونات، والشعور بالجوع والتعب، ودرجة حرارة الجسم، وضغط الدم، ومستوى السكر في الدم. وتحت هذه الساعة الرئيسية تعمل عشرات الساعات الفرعية في الخلايا والأنسجة المختلفة.
ما أضافه العلم مؤخّراً هو أنّ الجهاز المناعي يبدو شديد الحساسية لهذا التوقيت. تتراكم الأدلّة على أنّ التوقيت قد يؤثّر على مدى فاعلية اللقاحات، وعلى احتمالات حدوث مضاعفاتٍ بعد جراحات القلب. دراسةٌ وجدت مثلاً أنّ عمليات استبدال الصمّامات القلبية تنطوي على مخاطر أقلّ حين تُجرى في فترة ما بعد الظهر.
التجربة السريرية: ما الذي فعله الباحثون بالضبط؟
نُشرت الدراسة الجديدة في مجلّة Nature Medicine، وقادها باحثون صينيون في ما وصفوه بأوّل تجربةٍ سريرية مضبوطة تختبر هذه الفرضية إذ اقتصرت الدراسات السابقة على المنهج الرصدي الاستعادي. شملت التجربة 210 مرضى مصابين بسرطان الرئة غير صغير الخلايا (Non-Small-Cell Lung Cancer)، وُزّعوا عشوائياً بالتساوي بين مجموعتَين: الأولى تتلقّى جرعاتها الأولى من العلاج المناعي قبل الثالثة مساءً، والثانية بعدها.
اختُير هذا التوقيت تحديداً لأنّ دراساتٍ سابقة أشارت إلى أنّ نشاط الجهاز المناعي قد يتراجع بين الثانية والثالثة مساءً.
بعد متابعةٍ امتدّت أكثر من 28 شهراً، جاءت النتائج لافتة:
البقاء الإجمالي: عاش مرضى المجموعة التي تلقّت العلاج مبكّراً ما يقارب عاماً كاملاً أطول في المتوسط مقارنةً بالمجموعة الأخرى.
البقاء خالياً من التطوّر المرضي: استمرّ 11.3 شهراً في مجموعة الصباح، مقابل 5.7 أشهر فقط في مجموعة ما بعد الظهر أي ما يعادل تقريباً ضعف المدّة.
معدّل البقاء على قيد الحياة: في نهاية الدراسة، كان نحو 45% من مرضى مجموعة الصباح لا يزالون أحياء، مقابل نحو 15% فقط من مجموعة ما بعد الظهر.
مؤشّرات الدم: أظهرت فحوصات الدم أنّ مرضى مجموعة الصباح كان لديهم عددٌ أكبر من الخلايا المناعية القاتلة للخلايا السرطانية.
وأفاد المؤلّفون بأنّ 75 مريضاً لا يزالون أحياء حتى أواخر يناير 2026، مشيرين إلى نيّتهم نشر دراسةٍ تكميلية حول البقاء الإجمالي في مرحلةٍ لاحقة.
لماذا قد يكون التوقيت مهمّاً؟ التفسير البيولوجي
قبل إجراء هذه التجربة على البشر، أجرى الدكتور Christoph Scheiermann أحد المؤلّفين الرئيسيين للدراسة والباحث في الإيقاعات اليوماوية للجهاز المناعي بجامعة Geneva في سويسرا تجاربَ دقيقة على الفئران لفهم الساعات البيولوجية التي تتحكّم في أجزاء الجهاز المناعي.
الفئران ليست بشراً، لكنّ هذه الدراسات قبل السريرية كشفت أنّ الخلايا التائية (T Cells) وهي خلايا الدم البيضاء المتخصّصة المبرمجة للتعرّف على التهديدات كالسرطان والقضاء عليها تكون أكثر نشاطاً في الصباح، وتدخل الأوراماً وتخرج منها على مدار اليوم بإيقاعٍ منتظم.
غير أنّ السرطان يعرف كيف يتحايل على هذا الجهاز: تُنتج الخلايا السرطانية بروتيناً يُخمد الخلايا التائية ويمنعها من مهاجمة الورم. يصف الدكتور Zach Buchwald، أخصائي الأورام في معهد Winship للسرطان بجامعة Emory، هذه الظاهرة بقوله: «الخلايا التائية في السرطان تُصاب بما يُسمّى الإرهاق تتوقّف عن العمل بكفاءة. لقد طوّر السرطان آلياتٍ لقمع الاستجابة المناعية».
هنا يأتي دور علاجات العلاج المناعي من نوع مثبّطات PD-1 (PD-1 Inhibitors)، وهي الأدوية المستخدمة في الدراسة: تعمل على تعطيل هذا التفاعل حتى تتمكّن الخلايا التائية من التعرّف على السرطان ومحاربته من جديد.
يُلخّص Scheiermann النظرية السائدة بقوله: «الفرضية الأرجح هي أنّه في ساعات الصباح يكون عددٌ أكبر من الخلايا التائية موجوداً فعلياً داخل الورم. فإذا وصل الدواء في هذا الوقت، وجد خلايا أكثر لتستجيب وتبدأ في قتل الخلايا السرطانية». وأضاف أنّه يُجري حالياً دراساتٍ إضافية لفهم الآليات البيولوجية لهذه التأثيرات في البشر.
ثمّة ملاحظةٌ مثيرة للتساؤل أيضاً: يبدو أنّ توقيت الجرعات الأولى هو الأكثر أهمية، بينما لا يبدو أنّ توقيت الجرعات اللاحقة يُحدث الفارق ذاته وهو أمرٌ لم يتّضح تفسيره بعد.
حماسٌ حذر: ماذا يقول الخبراء؟
وصف الدكتور Buchwald النتائج بأنّها «مقنعةٌ استثنائياً»، مضيفاً: «لو كان هذا دواءً جديداً، لاحتُفي به على نطاقٍ واسع بوصفه اكتشافاً ثوريّاً».
لكنّ الأسئلة لا تزال قائمة. إذا كانت أدوية العلاج المناعي تبقى نشطةً في الجسم لأسابيع بعد إعطائها عبر التسريب الوريدي، فلماذا يكون للتوقيت هذا الأثر الكبير؟ يعترف مؤلّفو الدراسة بأنّ هذا سؤالٌ مشروع لا يستطيعون الإجابة عنه بعد.
نشر الدكتور Paolo Tarantino، أخصائي أورام الثدي في مركز Dana-Farber للسرطان وكلية الطبّ بجامعة Harvard في بوسطن، تعليقاً على منصّة X قال فيه: «ربّما تكون هذه أكثر النتائج إثارةً للجدل في مجال أورام المناعة. حجم الأثر يصعب تصديقه. وإن كانت التجارب السريرية المضبوطة العشوائية يصعب إنكارها. نحتاج إلى جهدٍ منسّق للتحقيق في هذا».
أمّا Scheiermann فيؤكّد: «من المثير فعلاً أن نرى هذا الأثر بهذه القوّة في المرضى. وأتّفق مع كلّ من يتساءل ويطالب بإعادة الاختبار في مجموعاتٍ أخرى وعلى قارّاتٍ أخرى».
خطوةٌ نحو التحقّق: دراساتٌ قيد الإعداد
لا تقف الأمور عند حدود هذه الدراسة. يعمل Buchwald وزملاؤه حالياً على تسجيل مرضى في تجربةٍ سريرية عشوائية مماثلة تختبر فرضية التوقيت في العلاج المناعي لمرضى سرطان الجلد (Melanoma)، بهدف استقطاب 100 مريض بين جامعة Emory ومستشفى Massachusetts General في بوسطن.
ويُضيف الدكتور Jeffrey Haspel، أخصائي أمراض الرئة في جامعة Washington في سانت لويس والمتخصّص في الإيقاعات اليوماوية لدى المرضى الحرجين، بُعداً آخر: وجد فريقه أنّ علاج CAR-T وهو نوعٌ من الخلايا التائية المبرمجة خصّيصاً لمحاربة سرطانات الدم كاللوكيميا والليمفوما يبدو أكثر فاعليةً وأقلّ أعراضاً جانبية حين يُعطى في الصباح.
ويُشير Haspel إلى أنّ «اللقاء الأوّل بين الورم والدواء والخلية التائية لحظة الاتّصال الأولى هذه قد تكون بالغة الأهمية للنجاح على المدى البعيد».
وتُضيف الدكتورة Amita Sehgal، مديرة معهد علم الكرونوبيولوجيا والنوم (Chronobiology and Sleep Institute) في كلية Perelman للطبّ بجامعة Pennsylvania، أنّ دراسةً نُشرت عام 2021 وجدت أنّ نصف 126 دواءً مضادّاً للسرطان خضعت للفحص كانت أكثر فاعليةً في أوقاتٍ معيّنة من اليوم واصفةً الدراسة الجديدة بأنّها «عملٌ مثيرٌ للاهتمام».
هل يستحقّ الأمر إعادة هيكلة جداول العلاج؟
يطرح Haspel السؤال العملي الجوهري: «إذا كنّا سنُعيد تنظيم منظومة الرعاية الصحّية بأكملها، فهل الفائدة تستحقّ هذا الجهد؟ هل حجم المنفعة التي يمكن أن يحقّقها المريض فعلاً يبرّر عناء جدولة المواعيد في أوقاتٍ بعينها؟»
ثمّ يُجيب بنفسه: «ما يبدو جليّاً هو أنّ علاجات السرطان المناعية هذه تبدو مؤهّلةً فعلاً من حيث حجم الأثر الناجم عن الجدولة الصباحية».
أخبار ذات صلة

تعلن منظمة الصحة العالمية انتهاء تفشي فيروس هانتا المرتبط برحلات بحرية

القهوة بكميّاتٍ كبيرة قد تحمي الكبد من الأمراض

الأميرة Catherine تتسلق أعلى قمم بريطانيا الثلاث في 24 ساعة لدعم مستشفى السرطان
