صناعة السيارات الصينية تفتح آفاق جديدة للعالم
تحدّي صيني في عالم السيارات: من مساج القدمين إلى سينما متنقلة، السيارات الكهربائية تتفوق بأسعار منافسة. الصين تضع بصمتها في سوق السيارات العالمية، مع تزايد الطلب على الابتكارات. هل ستنجح في اقتحام السوق الأمريكية؟ خَبَرَيْن.



صناعة السيارات الصينية تتحدّى العالم من بكين: مساج للقدمين وكاريوكي وسينما متنقّلة وسعر لا يُنافَس
سيارة دفع رباعي أنيقة تقدّم مساجاً ميكانيكياً للقدمين، وميني فان فاخرة بمقاعد دوّارة تُيسّر الوصول إلى الصف الثالث، ونسبة لافتة من الطرازات المزوّدة بنظام كاريوكي (Karaoke) بمكبّرات صوت احترافية. بعض الطرازات تذهب أبعد من ذلك، إذ تعرض مصابيح أمامية قادرة على عرض الأفلام على الجدران لتحويل أي مكان إلى سينما مفتوحة. أما ميزات القيادة الذكية، فباتت حاضرة في كل مكان، حتى في الفئات الاقتصادية.
لكثير من المستهلكين حول العالم، تبدو هذه الخيارات المعروضة في بكين هذا الأسبوع ضمن أكبر معرض سيارات على مستوى العالم وكأنّها حلم. غير أنّها بالنسبة لعدد من صانعي السيارات والسياسيين في دول أخرى، تمثّل تهديداً وجودياً حقيقياً.
تضخّ شركات السيارات الصينية منتجاتها بأحجام ضخمة وأسعار تنافسية. ويُضاف إلى ذلك ورقة رابحة أخرى: في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز جرّاء الحرب على إيران، تعمل الغالبية العظمى من هذه السيارات بالكهرباء أو بنظام هجين.
والتناقض مع الولايات المتحدة لم يكن أكثر حدّةً من أي وقت مضى؛ إذ تراجعت واشنطن العام الماضي عن دعمها للسيارات الكهربائية لصالح السيارات التقليدية التي تعمل بالبنزين، كما أغلقت الباب عملياً أمام السيارات الصينية بحجّة حماية الأمن القومي والصناعة المحلية.
مع توقّع زيارة الرئيس الأمريكي Donald Trump للصين في منتصف مايو للقاء الرئيس Xi Jinping، يترقّب صانعو السيارات الكهربائية الصينيون ما إذا كان النمو المتسارع في الطلب العالمي على هذه السيارات سيُتيح لهم فرصة اقتحام السوق الأمريكية.
بصرف النظر عن ذلك، الرسالة التي يبعث بها هذا المعرض الممتدّ على مساحة تعادل 70 ملعب كرة قدم واضحة لا لبس فيها: الصين تمضي قُدُماً بلا هوادة في التكنولوجيا التي تراهن عليها لحسم القرن الحادي والعشرين.
وتُراهن كبرى شركات السيارات الصينية وبكين معها على أن يختار العالم رؤيتها لمستقبل كهربائي، لا مستقبلاً لا يزال مرتبطاً بمضخّة الوقود.
ارتفاع أسعار الوقود "جرس إنذار لمن لم يجرّب السيارة الكهربائية بعد"، قالت Stella Li المديرة التنفيذية في BYD على هامش المعرض، حيث تحدّثت عن استراتيجية التوسّع الطموحة لأكبر صانع سيارات كهربائية في العالم. وأضافت: "حين تنتقل إلى السيارة الكهربائية، لن تعود أبداً إلى سيارة الوقود."
الاندفاع نحو الخارج
كسب العملاء في الأسواق الخارجية بات ضرورة لا خياراً بالنسبة للاعبين الرئيسيين في الصين.
تمتلك الصين بفارق كبير أضخم سوق للسيارات الكهربائية في العالم، إذ تتجاوز نسبة السيارات الكهربائية أو الهجينة من إجمالي المبيعات الجديدة فيها 50%. وفي مدنها الكبرى وما حولها، باتت حركة المرور تسير في صمت متزايد، حيث حلّ الطنين الخافت للمحرّك الكهربائي محلّ أزيز محرّكات الاحتراق الداخلي.
بيد أن عمالقة هذه الصناعة يخوضون في الوقت ذاته معركة شرسة على الحصص السوقية، في ظل حروب أسعار لا هوادة فيها ومنافسة محتدمة في سوق محلية مكتظّة، ما يضغط على الأرباح ويُعيق النمو.
والتوسّع الخارجي يتسارع بالفعل، مع سعي الشركات الكبرى إلى بناء بنية تحتية للشحن واستقطاب العملاء والشركاء في الخارج. وقد ارتفعت صادرات السيارات الكهربائية الصينية في الربع الأول بنسبة 78% على أساس سنوي، وفق البيانات الرسمية.
غير أن صانعي السيارات الصينيين يتعاملون مع مشهد عالمي يساوره القلق من هذه المنافسة.
رسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 70 مشرّعاً أمريكياً وجّهوها إلى Trump الأسبوع الماضي، حذّروا فيها الرئيس من "أي مسعى لخفض الحواجز أمام السيارات الصينية أو تيسير دخولها إلى السوق الأمريكية"، مؤكّدين أن تداعيات ذلك على العمال الأمريكيين وسلاسل الإمداد والأمن القومي "ستكون بالغة الأثر."
والتعريفات الجمركية الباهظة المفروضة على السيارات المستوردة من الصين إلى الأمريكية تُشكّل حظراً فعلياً، فيما يُعقّد الحظر المفروض على البرمجيات المرتبطة بالصين في السيارات الجديدة أي خطط لتصنيع سيارات في الولايات المتحدة أو الدول المجاورة لهذا السوق.
أما أوروبا، فاختارت فرض تعريفات جمركية ترى فيها تسوية للملعب لا إغلاقاً للمنافسة. ومع ذلك، تكسب الشركات الصينية حصصاً سوقية هناك بوتيرة متسارعة؛ إذ ارتفعت تسجيلات سيارات BYD الجديدة بنحو 170% في الربع الأول من هذا العام في دول الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات قطاع السيارات.
ما يُقلق المنافسين في الخارج هو الحجم الهائل للإنتاج الصيني، حيث تعتمد الشركات على سلاسل إمداد محلية عميقة ومصانع مؤتمتة بالكامل.
ويُضاف إلى ذلك قلق أعمق، مفاده أن الدعم الحكومي الممتدّ لسنوات للقطاع من إعانات وإعفاءات ضريبية وامتيازات أخرى قد جعل السيارات الصينية منافساً غير عادل قادر على إزاحة المنافسة العالمية.
لكن الشركات الصينية ترى الأمر بعين مختلفة.
وصفت Li من BYD رؤيتها لقوّة أمريكا، قائلةً إنها تكمن في قدرتها على استقطاب أذكى الشركات وأمهر الكفاءات من حول العالم للتنافس. "حين تتحوّل إلى سوق محميّة، ستفقد هذه الميزة... وستُضعف البلد"، قالت.
لكن BYD وغيرها من شركات السيارات الصينية، في مقدّمتها منافسها المحلي Geely، لا تحبس أنفاسها في انتظار السوق الأمريكية.
"نحن منفتحون على النقاش، لكن ليس لدينا خطة للدخول إلى السوق الأمريكية وبيع سياراتنا للمستهلكين النهائيين على المدى القريب أو المتوسط"، قال Victor Yang نائب الرئيس الأول في Geely في المعرض.
أما خارج الولايات المتحدة، فيرى Yang الذي تمتلك شركته مشاريع مشتركة في عدد من الدول من بينها البرازيل وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة أن هذا التوسّع يُمثّل مكسباً للجميع. وقال: "أفضل ما أنجزته الصين في مجال التحوّل الكهربائي والذكاء التقني يمكن تقاسمه مع الشركاء في أرجاء العالم، ليستفيد المستهلكون في نهاية المطاف من نموّ هذه التكنولوجيا في مجملها."
المعركة على المستقبل
نقل التكنولوجيا من شركات السيارات الصينية إلى نظيراتها الأجنبية يمثّل انقلاباً حاداً في المشهد؛ فمنذ عقود قليلة فحسب، كانت الشركات الصينية هي من تعتمد على المشاريع المشتركة مع العلامات الأجنبية لاكتساب الخبرة.
واليوم، وعلى غرار ما مثّله Ford وخطّ التجميع رمزاً للعبقرية الأمريكية في القرن العشرين، باتت صناعة السيارات الكهربائية الصينية وخطوط إنتاجها المؤتمتة بشكل مكثّف رمزاً لصعود الصين قوّةً تكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
وقد يمنح النجاح العالمي لصانعي السيارات الكهربائية الصينيين بكين رافعة جديدة من القوّة الناعمة ، في وقت تسعى فيه الصين إلى تقديم نفسها بديلاً للقيادة العالمية في مواجهة الولايات المتحدة.
كما أن صدمة أسعار النفط التي امتدّت لأكثر من شهرين تُجلّي ما تعتبره بكين ميزة استراتيجية في المسار الذي اختارته.
تندرج السيارات الكهربائية الصينية في إطار مسعى حكومي أشمل وممتدّ لسنوات يرمي إلى تقليص الاعتماد على النفط والغاز وتكهرب الاقتصاد، بما في ذلك التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة. وهي استراتيجية يبدو أنها أثمرت لصالح ثاني أكبر اقتصاد في العالم في خضمّ الأزمة الراهنة.
فقد أسهمت أسطول السيارات الكهربائية والهجينة الصينية في خفض الطلب الوطني على النفط بأكثر من مليون برميل يومياً، وفق دراسة أصدرتها مجموعة Rhodium عام 2025.
غير أن جولة في أروقة معرض بكين للسيارات تُوضّح أن العلامات الصينية لا ترى سباقها مجرّد معركة حول كفاءة الوقود. إنها معركة تكنولوجيا بامتياز.
وتماماً كما تبني شركات أمريكية كـ Tesla و Waymo مستقبلاً تتولّى فيه أساطيل من السيارات ذاتية القيادة نقل الناس في تنقّلاتهم اليومية، يعمل منافسوها الصينيون من شركات سيارات كـ XPeng و Geely و BYD، وشركات تكنولوجيا كـ Baidu و Huawei و Pony.Ai على بناء منظوماتهم التقنية الخاصة لتحقيق الهدف ذاته.
وفي هذا الميدان أيضاً، تبدو الشركات الصينية واثقة من قدرتها على المنافسة.
أخبار ذات صلة

تسلا تكشف عن نسخ أرخص من طراز 3 وطراز Y

ما الذي حدث بالفعل في جاكوار

المدعون العامون في البرازيل يقاضون شركة BYD الصينية لصناعة السيارات لانتهاك حقوق العمال
