التحالف غير المتوقع يعيد رسم معارك شمال مالي
في شمال مالي تتشكل تحالفات غير مسبوقة بين جيش تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين رغم اختلاف أهدافهم. صراع معقد يهدد استقرار المنطقة ويعيد رسم ملامح النزاع العسكري والسياسي. تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

في باماكو، تتقاطع خطوط الصراع على نحوٍ لم يشهده شمال مالي من قبل. ما بدأ قبل عقودٍ بوصفه نزاعاً بين الدولة المركزية وحركاتٍ مسلّحة في الشمال، تحوّل اليوم إلى معادلةٍ أكثر تعقيداً، تجمع بين انفصاليّين قوميّين وتنظيمٍ مرتبط بتنظيم القاعدة في تحالفٍ ميداني غير مسبوق.
حين أطلق جيش تحرير أزواد (FLA) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) هجوماً مشتركاً في 25 أبريل 2026، دخل الصراع مرحلةً لم تعرفها مالي من قبل. حملةٌ منسّقة امتدّت من كيدال وأنيفيس إلى تيليمسي وغاو وسيفاري، شكّلت أخطر تحدٍّ للجيش المالي منذ سنوات، وللقوّة الروسية المعروفة بـ Africa Corps الجسم الذي خلف مجموعة Wagner في مالي بدعمٍ مباشر من الكرملين.
منذ ذلك الحين، اتّسمت المواجهات بالهجمات المتزامنة والكمائن وضربات الطائرات المسيّرة والاعتراضات على قوافل الإمداد العسكري، فيما تتبادل الأطراف ادّعاءات المكاسب الميدانية. باماكو تقول إنّها تعمل على استعادة سلطة الدولة وتفكيك ما تصفه بـ"التحالف الإرهابي" بين الجماعتَين. أمّا جيش تحرير أزواد، فيؤكّد تمسّكه باستقلال أزواد الاسم الذي يطلقه الانفصاليون على شمال مالي فيما تصف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حربها بأنّها مسعىً لـ"تحرير" مالي والإطاحة بحكومةٍ تتّهمها بالاتّكاء على القوات الروسية.
غير أنّ الأهمّ من الهجوم ذاته هو هذا التعاون العسكري غير المسبوق بين حركةٍ انفصالية قومية وتنظيمٍ تابع لتنظيم القاعدة. أهدافهما السياسية مختلفة جذرياً، لكنّ تعاونهما أعاد رسم ملامح الصراع بالفعل، وقد تمتدّ تداعياته لتطال الأمن في منطقة الساحل بأسرها.
نشأ هذا التحالف في ظلّ انهيار اتفاقية الجزائر للسلام لعام 2015، التي سعت إلى إنهاء سنواتٍ من القتال بين باماكو والجماعات المسلّحة في الشمال عبر لامركزيةٍ أوسع وتمثيلٍ سياسي أكبر، إلّا أنّ تنفيذها تعثّر مراراً. وبعد موجة الانقلابات العسكرية التي أعقبت عام 2020، أُعيد رسم القيادة السياسية والاستراتيجية الأمنية في مالي؛ علّقت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) عضوية مالي وفرضت عليها عقوباتٍ، بينما عمّقت روسيا دورها العسكري بنشر مجموعة Wagner في أواخر عام 2021. وبعد أن أدمجت موسكو عمليات Wagner ضمن هيكل Africa Corps التابع للدولة، لم يتمكّن أيٌّ من الطرفَين لا الحكومة ولا الجماعات المسلّحة في الشمال من فرض تسويةٍ دائمة.
كيف تشكّل التحالف
على الورق، يبدو التعاون بين جيش تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين أمراً مستبعداً. فجيش تحرير أزواد يمتدّ بجذوره إلى الحركات الانفصالية الشمالية التي أعلنت استقلال أزواد إبّان تمرّد 2012، وهو إعلانٌ لم تعترف به الدولة المالية ولا المجتمع الدولي.
تُقدّم الحركة نفسها بوصفها حركةً قومية علمانية تسعى إلى استقلال أزواد، في حين تسعى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى الإطاحة بالحكومات التي تعدّها غير شرعية وإقامة حوكمةٍ قائمة على تفسيرها للشريعة الإسلامية.
بيد أنّ مسؤولين رفيعي المستوى من كلا الجماعتَين أفادوا بأنّ الخلافات الأيديولوجية جُعلت جانباً في مواجهة عدوٍّ مشترك.
قال العقيد محمد عيسى، أحد كبار ضبّاط جيش تحرير أزواد، إنّ الحركة تبقى ملتزمةً باستقلال أزواد، مستنداً إلى أنّ اتفاقيات السلام السابقة تهاوت مراراً لأنّ الحكومات المتعاقبة في باماكو لم تفِ بالتزاماتها. وأوضح أنّ المفاوضات لن تكون مقبولةً إلّا إذا اعترفت بحقّ أزواد في الانفصال.
ورفض عيسى الادّعاءات بوجود تحالفٍ أيديولوجي، واصفاً العلاقة بأنّها ترتيبٌ ميداني في مواجهة عدوٍّ مشترك. وأكّد أنّ المقاتلين المنتسبين لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذين يعملون إلى جانب جيش تحرير أزواد هم حصراً من أبناء أزواد، لا من الشبكة الإقليمية الأوسع للجماعة، مستنداً إلى أنّ دوافعهم تتمحور أساساً حول الدفاع عن مجتمعاتهم في مواجهة الجيش المالي وما وصفه بـ"المرتزقة" الروس.
في المقابل، وصف سليمان، أحد كبار قادة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الميدانيين الذي طلب الاكتفاء باسمه الأوّل لأسبابٍ أمنية العلاقةَ بأبعادٍ أشمل. وقال إنّ الجماعة أجازت التنسيق العملياتي مع جيش تحرير أزواد بعد مشاوراتٍ داخلية، لأنّ مقاتلي الجانبَين ينتمون في معظمهم إلى "شعبٍ واحد" يخوض الصراع ذاته، ولأنّ أهداف التحرير باتت "متقاربةً نسبياً". كما ادّعى أنّ جيش تحرير أزواد قبل التحكيم الشرعي على يد علماء دينٍ محلّيين وهو أحد الأهداف الجوهرية لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وهو ما لم يُثره جيش تحرير أزواد من جانبه. وتصف باماكو هذه العلاقة بأنّها "تحالفٌ إرهابي" يهدّد سيادة مالي.
تكشف هذه الروايات المتباينة عن قوّة هذا الترتيب وهشاشته في آنٍ واحد. في المرحلة الراهنة، يبدو أنّ المصالح الميدانية المشتركة تطغى على الخلافات الأيديولوجية. أمّا ما إذا كان ذلك سيظلّ صحيحاً مع تطوّر الصراع، فهو أمرٌ أقلّ يقيناً بكثير.
تحوّلٌ في موازين القوى
أعاد هذا التحالف تشكيل المشهد الميداني، لا في نتائج المعارك فحسب، بل في أسلوب خوض الحرب ذاته.
يقول مسؤولو جيش تحرير أزواد إنّ العمل جنباً إلى جنب مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أتاح للجانبَين تقسيم المهام وتجميع الخبرات في الهجمات على القواعد العسكرية وقوافل الإمداد.
تنفي باماكو أرقام الخسائر التي تُعلنها الجماعات المسلّحة، وتصرّ على أنّ قواتها تمسك بزمام المبادرة. غير أنّ الصراع بات أكثر تطوّراً بشكلٍ لافت، مع هجماتٍ متزامنة عبر مواقع متباعدة ومعاركٍ تمتدّ لأيامٍ متواصلة وكمائن تستهدف قوات الإمداد قبل وصولها إلى خطوط المواجهة.
وتضطلع الطائرات المسيّرة بدورٍ متنامٍ في هذا الصراع، إذ لم تعد مجرّد أدواتٍ للاستطلاع، بل باتت تُستخدم بشكلٍ متزايد سلاحاً هجومياً يستهدف المركبات والمواقع العسكرية. وتواصل القوات المالية المدعومة بـ Africa Corps الروسية اعتمادها الكبير على القوّة الجوية، إلّا أنّ أشهراً من القتال المتواصل تشير إلى أنّ أيّاً من الطرفَين لم يحسم الصراع لصالحه بصورةٍ حاسمة.
اقتصاد الحرب
تواصل شبكات التمويل والتهريب الراسخة إمداد الطرفَين بمقوّمات الاستمرار.
تصف مصادر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نموذجها التمويلي بأنّه يقوم على شبكاتٍ تجارية إقليمية وتحصيل منظّم للزكاة وموارد متراكمة على مرّ السنين، بما فيها عائداتٌ مرتبطة بعمليات الاختطاف وطلب الفدية التي اضطلع بها تنظيم القاعدة في مراحل سابقة. أمّا جيش تحرير أزواد، فيقول إنّه يعتمد أساساً على تبرّعاتٍ ينظّمها زعماء القبائل والتجّار والجمعيات الأهلية.
وأقرّ مسؤولو الجماعتَين بأنّ أفراداً مرتبطين بهما يشاركون في الاقتصادات غير المشروعة، بما فيها شبكات التهريب عبر الصحراء، وإن ظلّ الحجم الفعلي لإسهام هذه الأنشطة في تمويل الحرب أمراً يصعب التحقّق منه.
وثمّة عاملٌ لا يقلّ أهميةً عن التمويل، وهو السلاح. فمنذ انهيار الدولة الليبية عام 2011، تتدفّق الأسلحة عبر منطقة الساحل لتمدّ الجماعات المسلّحة بتدفّقٍ مستمر من المعدّات. وفتحت المعارك الأخيرة قناةً إضافية للتسليح: إذ باتت الأسلحة والمركبات العسكرية المغنومة من القوات المالية تُشكّل جزءاً متنامياً من ترسانة الجماعتَين.
هل يستطيع أيٌّ من الطرفَين الانتصار؟
لا شيء يوحي بأنّ الصراع يقترب من نهايته.
يتمتّع الجيش المالي بتفوّقٍ جوي واضح بدعمٍ من Africa Corps الروسية. ومع ذلك، يواصل جيش تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين شنّ عملياتٍ منسّقة في معظم أرجاء شمال مالي.
يعكس هذا التعادل الميداني جموداً سياسياً أعمق. فباماكو متمسّكةٌ بصون وحدة أراضي مالي، وجيش تحرير أزواد مصرٌّ على استقلال أزواد، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين ماضيةٌ في السعي للإطاحة بالحكومة. لم يتزحزح أيٌّ من هذه المواقف منذ اندلاع الجولة الأخيرة من القتال، ولم يُفرز الميدان بعدُ ما يُرغم أيّاً منها على التراجع.
كذلك تُلقي هذه الأهداف المتعارضة بظلالٍ من الشكّ على مدى قدرة الجماعتَين على الاستمرار في القتال معاً. فتحالفهما قائمٌ على عدوٍّ مشترك لا على رؤيةٍ سياسية موحّدة، ممّا يجعل مستقبله رهيناً بالمجهول.
حربٌ بلا أفق
بعد ثلاثة أشهر على انطلاق الهجوم الأخير، لا يزال شمال مالي أسيرَ صراعٍ لا يلوح له أفقٌ واضح. أعاد التحالف بين جيش تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين رسم المشهد العسكري، فيما تتمسّك باماكو برفض أيّ مآلٍ قد يُضعف وحدة أراضي مالي.
ما بدأ مواجهةً بين الدولة وحركاتٍ مسلّحة منفصلة، تحوّل إلى صراعٍ تتشابك فيه رؤىً متنافسة: وحدةٌ ترابية، وانفصالية، وحكمٌ تسعى إليه جماعاتٌ مسلّحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، وتدخّلٌ لقوىً خارجية. ما لم تُعالَج هذه الطموحات المتضاربة الوحدة الترابية والاستقلال وتغيير النظام بالتوازي مع وقف القتال، فإنّ أيّ تسويةٍ تفاوضية ستظلّ بعيدة المنال.
مهما كانت المآلات القادمة، فإنّ التحالف الذي وُلد في أبريل 2026 قد غيّر مجرى الحرب في شمال مالي بالفعل. سواءٌ صمد هذا التحالف أم تفكّك تحت وطأة تناقضاته الداخلية، فقد أفرز واقعاً عسكرياً وسياسياً جديداً، تداعياته على الأرجح لن تقف عند حدود مالي.
أخبار ذات صلة

إسرائيل تعرقل السيطرة على مناطق التجريبية جنوب لبنان: الجيش اللبناني

السعودية تقصف مواقع حوثية في الحديدة

الطائرات بدون طيار تحصد أرواحاً في السودان: لا ملجأ من الموت بالمسيرات
