تحديات صحية تواكب كأس العالم 2026
تستعد بطولة كأس العالم FIFA 2026 لمواجهة تحديات صحية غير مسبوقة، مع تفشي الإيبولا والحصبة والتهديدات الأخرى. كيف ستؤثر هذه المخاطر على الزوار؟ تعرف على الاستعدادات الصحية وما ينتظرنا في هذا الحدث الضخم. خَبَرَيْن.

بعد أسابيع قليلة، ستنطلق بطولة كأس العالم FIFA 2026، غير أنّ الدكتورة Rebecca Katz تحمل هذا الهمّ منذ سنوات. فمنذ وقتٍ طويل، وهي تُفكّر في التهديدات الصحّية التي قد تُرافق هذا الحدث الضخم.
تقول Katz، التي تترأس مركز العلوم الصحّية العالمية والأمن في جامعة Georgetown: "في كلّ تجمّعٍ جماهيري واسع، ثمّة أمراضٌ بعينها تشغل بال المختصّين. هناك دائماً شيءٌ ما يحدث."
يؤكّد الخبراء أنّ ثمّة خطّةً راسخة لحماية الصحّة العامة خلال التجمّعات الكبرى كبطولة كأس العالم. بيد أنّ الظروف المحيطة بنسخة هذا العام التي يُتوقّع أن تستقطب ملايين الزوّار إلى أمريكا الشمالية تضع هذه الخطّة أمام اختباراتٍ غير مسبوقة.
في الوقت الراهن، يُشكّل تفشّي مرض الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا تهديداً صحّياً عالمياً حادّاً. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أنّه يُمثّل "حالة طوارئ صحّية عامة تثير قلقاً دولياً" وهو الإعلان التاسع من نوعه منذ وُضعت المعايير عام 2005. ويتزامن ذلك مع توجيه موارد صحّية أمريكية ودولية للتعامل مع تفشٍّ نادر لفيروس الهانتا.
ورغم خطورة هذه الأمراض النادرة، يُشير الخبراء إلى أنّ معظم التحضيرات الصحّية لكأس العالم تنصبّ على التهديدات المعروفة والمألوفة، مع تكثيفٍ يتناسب مع حجم الحدث.
يقول الدكتور Marcus Plescia، مدير الصحّة في مجلس صحّة مقاطعة Fulton بجورجيا التي تحتضن مدينة Atlanta إحدى مدن استضافة البطولة: "نتوقّع المفاجآت، لكنّنا نحرص في الوقت ذاته على أن نكون مستعدّين تماماً للمتوقّع. الأمراض الشائعة ستصبح أكثر شيوعاً."
تتصدّر الأمراض التنفّسية قائمة المخاوف خلال التجمّعات الجماهيرية الكبرى، وقد تقدّمت الحصبة بسرعةٍ إلى رأس هذه القائمة، إذ تشهد الدول الثلاث المستضيفة الولايات المتحدة والمكسيك وكندا موجةً من الحالات المتصاعدة. كذلك تُشكّل الأمراض المعدية الأخرى كالأمراض المنقولة جنسياً تحدّياً حقيقياً، لا سيّما في أجواء الاحتفالات. أمّا الفيروسات المنقولة بالمفصليات (Arboviruses)، كحمّى الضنك التي ينقلها البعوض، فقد كانت من أوائل المخاوف التي شغلت تفكير Katz.
يقول: "لدينا في الولايات المتحدة ناقلات حمّى الضنك والشيكونغونيا وسواها، لكنّ ما افتقرنا إليه حتى الآن هو عددٌ كافٍ من المصابين لإدامة سلسلة الانتقال." ويضيف أنّ كأس العالم سيجلب ملايين الأشخاص القادمين من مناطق موبوءة، ممّا قد يُعزّز هذه السلسلة بشكلٍ ملحوظ.
وأشار المسؤولون الصحّيون المحلّيون إلى مخاوف إضافية تشمل: ارتفاع درجات الحرارة، وجودة الهواء، والجرعات الزائدة من المخدّرات، وسلامة الغذاء.
وصفت الدكتورة Katelyn Jetelina، عالمة الأوبئة والمستشارة السابقة في المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، الأمراض المرتبطة بالحرارة بأنّها "على الأرجح أكثر المخاطر موثوقيةً" خارج نطاق الأمراض المعدية، كاتبةً في نشرتها الصحّية: "الحشود، والشمس، وحرارة الصيف، والمجهود البدني، والكحول هذا المزيج يُدخل الناس إلى أقسام الطوارئ كلّ عام."
وصفت الدكتورة Monika Roy، نائب مسؤول الصحّة ومديرة فرع الأمراض المعدية والاستجابة في الصحّة العامة بمقاطعة Santa Clara بكاليفورنيا، عمل الصحّة العامة بأنّه يهدف إلى توفير "درعٍ غير مرئية" حول المجتمعات، مؤكّدةً: "نفعل هذا كلّ يوم. إنّه صلب عملنا، لذا نشعر بالاستعداد، لكنّ توفّر الموارد اللازمة أمرٌ بالغ الأهمّية."
تتميّز نسخة هذا العام بأنّها الأكبر في تاريخ البطولة، إذ ترتفع عدد الفرق المشاركة من 32 إلى 48 فريقاً، وهي المرّة الأولى التي تمتدّ فيها المباريات عبر ثلاث دول. هذا الحجم غير المسبوق يجعل عناصر الاستجابة الصحّية الأساسية من تواصلٍ واضح، ورصدٍ سريع، وتنسيقٍ فعّال أكثر أهمّيةً من أيّ وقتٍ مضى.
تقول Katz: "ثمّة علمٌ راسخ في كيفية التعامل مع هذا. لكنّ كأس العالم هذا تجمّعٌ جماهيري بالغ التعقيد، يأتي في وقتٍ تُعاد فيه توزيع الموارد وأولوياتها في المجال الصحّي، وفي وقتٍ انسحبت فيه الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية."
خطر الإيبولا منخفض، وخطر الحصبة أعلى
يعتبر الدكتور Plescia الحصبةَ الآن وهي من أشدّ الأمراض عدوى في العالم جزءاً ممّا يُسمّيه "المشكلات الصحّية العامة الأساسية". فقد كان عام 2025 عاماً قياسياً للحصبة في الولايات المتحدة، وعشرات الحالات الجديدة أسبوعياً تضع البلاد على مسارٍ قد يُضاعف هذا الرقم هذا العام. وقد شهدت كندا والمكسيك أيضاً تفشّياتٍ واسعة.
يقول Plescia: "لو اندلع تفشٍّ للحصبة بين مجموعةٍ من مشجّعي FIFA، لكان الأمر بالغ الصعوبة، لأنّ المشجّعين قد ينتقلون مع فرقهم من مدينةٍ إلى أخرى."
وقد رصد قسم الصحّة في جورجيا الأسبوع الماضي 3 حالات حصبة في عائلةٍ من منطقة Atlanta. لكنّ تعرّضاً في Atlanta قد تكون له تداعياتٌ في مدينةٍ أخرى بعد انتقال المشجّعين لمتابعة المباراة التالية.
يُسلّط هذا السيناريو الضوء على أهمّية الاستجابة الصحّية متعدّدة الطبقات. تقول Katz: "إذا أخذنا الحصبة مثالاً، فثمّة نافذةٌ تتراوح بين 5 و7 أيام بين ظهور الفيروس في مياه الصرف الصحّي وبين رؤية أوّل حالة في قسم الطوارئ. وقد استُخدم هذا الوقت التحذيري بفعالية في الماضي من تنبيه المختصّين في مكافحة العدوى داخل المستشفيات، إلى إبلاغ الأفراد مباشرةً ليتّخذوا قراراتهم بشأن التطعيم."
أمّا خطر الإيبولا، فيبقى ضمن نطاق التهديدات التي يستعدّ المسؤولون للتعامل معها، لكنّه أقلّ فعلياً. وقد أكّد مسؤولو منظمة الصحة العالمية منذ بداية التفشّي الأخير أنّ مستوى الخطر العالمي منخفض، حتى مع تصاعد الخطر على المستوى الإقليمي.
ونسّقت الحكومة الفيدرالية بروتوكولات خاصّة في المطارات لفحص المسافرين الدوليين المرتبطين بتفشّي الإيبولا: إذ يتعيّن على المسافرين القادمين إلى الولايات المتحدة ممّن زاروا جمهورية الكونغو الديمقراطية أو أوغندا أو جنوب السودان خلال الـ21 يوماً الماضية، الهبوط في Atlanta أو Houston أو مطار Dulles قرب واشنطن لإجراء الفحوصات الصحّية.
قال الدكتور Peter Hotez، عميد كلية الطبّ الاستوائي الوطنية في Baylor College of Medicine، إنّه مستعدٌّ لحضور مباراةٍ تلعب فيها جمهورية الكونغو الديمقراطية مع وجود جمهورٍ كبير من المشجّعين الزائرين لا سيّما أنّ الإيبولا لا ينتقل إلا حين تظهر على المصاب أعراضٌ واضحة.
وأشار Hotez إلى أنّه لا ينبغي الاستغراب من ظهور حالات إيبولا في أماكن غير متوقّعة مع تفشٍّ بهذا الحجم، لكنّ ذلك لا يُشكّل خطراً خاصّاً بالانتشار في Houston التي تعتزم جمهورية الكونغو الديمقراطية اتّخاذها قاعدةً لها خلال البطولة. وستخضع الفرقة "للبروتوكول ذاته المعمول به مع المواطنين الأمريكيين العائدين وأصحاب الإقامة الدائمة القانونية"، وفق ما أفاد مسؤولٌ رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضي.
قال Hotez: "الاحتمال ليس صفراً، لكنّه ليس مرتفعاً. يجب أن نكون مستعدّين إذا حدث ذلك."
شبكةٌ واسعة للمراقبة الوبائية
في مطلع هذا الشهر، أطلقت Katz مركز عمليات الأمن الصحّي، وهو مركزٌ لرصد التهديدات المعدية المحتملة. ضمن إطار المركز الوطني للأمن الصحّي والصمود وهو مشروعٌ مشترك بين جامعة Georgetown وMedStar Health وبمشاركة عشرات المتعاونين، سيوزّع المركز تقاريرَ يومية على مئات المنظّمات والأفراد، من بينهم مديرو الطوارئ في المستشفيات، والمسؤولون الصحّيون على المستويَين المحلّي والولائي، والوكالات الفيدرالية، ومنظّمو البطولة.
يقول الدكتور Ethan Booker، طبيب الطوارئ ونائب رئيس الابتكار في الرعاية بـ MedStar Institute for Innovation: "نجمع مجموعةً واسعة جداً من البيانات بيانات مياه الصرف الصحّي، وبيانات المسافرين، وبيانات السجلّات الصحّية الإلكترونية المجمَّعة ومجهولة الهوية لبناء شبكة مراقبةٍ شاملة. والهدف من هذا الجمع الواسع للبيانات هو محاولة رصد أيّ تهديدٍ غير متوقّع."
وطوّر CDC لوحة بيانات خاصّة بكأس العالم، لا تزال في مراحلها التطويرية الأخيرة، وفق ما أفاد متحدّثٌ باسم الوكالة . وتمتلك الوكالة أدواتٍ قادرة على تقييم خطر اندلاع الأوبئة ورصد الأنماط غير الاعتيادية في بيانات المراقبة بصورةٍ شبه فورية.
على الصعيد المحلّي، يُعوَّل كثيراً على فحص مياه الصرف الصحّي، الذي بات أداةً صحّية شائعة منذ جائحة كوفيد-19، لقدرته على رصد ما يتداول في المجتمع بشكلٍ سلبي دون الحاجة إلى فحص الأفراد.
يقول الدكتور Phil Huang، مدير الصحّة في مقاطعة Dallas: "وسّعنا نقاط أخذ العيّنات لتشمل مقاطعة Dallas بأكملها، ونُجري ما يُعرف بالاختبار الجينومي الشامل (Metagenomic Testing)، الذي يُتيح لنا رصد أيّ شيء يظهر في مياه الصرف دون الحاجة إلى تحديد مسبّبات مرضيّة بعينها."
وفي Philadelphia، تخطّط السلطات الصحّية لنشر مختبرٍ متنقّل خاصّ يُمكّنها من إجراء الفحوصات ميدانياً، ممّا يُقلّص الوقت والموارد اللازمة لإرسال العيّنات إلى مختبرات متخصّصة في أماكن أخرى.
تقول الدكتورة Palak Raval-Nelson، مفوّضة الصحّة في Philadelphia: "عملنا على بناء هذه الوحدة لسنواتٍ عدّة. في الأصل لم يكن ذلك استعداداً لأحداث هذا العام تحديداً هذا يدلّ على بُعد المدى الزمني للتمويل. لكنّنا الآن جهّزناها لتكون جاهزةً تماماً."
كما تعمل المدن مع المنظومة الصحّية المحلّية للتخطيط لأيّ ارتفاعٍ محتمل في الطلب على الرعاية الصحّية، وتُفعّل مراكز العمليات الطارئة لإبقاء الجمهور آمناً ومطّلعاً.
التنسيق الفيدرالي للصحّة
منحت الحكومة الفيدرالية 625 مليون دولار للمدن المستضيفة في إطار برنامج منح كأس العالم FIFA عبر وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA). ولم يردّ CDC مباشرةً على أسئلة CNN حول ما إذا كانت المدن قد تلقّت هذا التمويل بالفعل، وكيف يمكن توظيفه تحديداً في الحماية من التهديدات الصحّية.
قال متحدّثٌ باسم CDC في بيانٍ رسمي: "يشارك CDC بفاعليةٍ في التحضيرات الصحّية لكأس العالم ضمن هيكل التنسيق الفيدرالي الذي يقوده فريق عمل كأس العالم FIFA 2026 في البيت الأبيض. وبوصفه جزءاً من وزارة الصحّة والخدمات الإنسانية (HHS)، يتواصل CDC بانتظامٍ مع أقسام الصحّة العامة في المدن المستضيفة، وسائر الوكالات الفيدرالية، والمنظّمات الشريكة."
أمّا منظمة الصحّة للأمريكتَين (PAHO)، وهي المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، فتُنشئ مركزاً تشغيلياً خاصّاً بها للتنسيق حول كأس العالم. غير أنّ المشاركة الأمريكية باتت مُعقَّدة منذ خروج الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية.
أوضحت Katz أنّ قادة مركز عمليات الأمن الصحّي يعتزمون المشاركة في الاجتماعات اليومية التي تستضيفها PAHO، وإعادة تدفّق المعلومات مباشرةً إلى الشركاء على المستويات المحلّية والولائية والفيدرالية. وأكّدت أنّ المركز يعمل "باستقلاليةٍ، لكن في خدمة" العمل الحكومي.
التهديدات الصحّية في تطوّرٍ مستمرّ: حين أعلن FIFA عام 2018 عن كندا والمكسيك والولايات المتحدة مستضيفاتٍ لبطولة 2026، كانت فيروسات كورونا بعيدةً تماماً عن وعي الرأي العام. وأُعلن عن المدن الـ16 المستضيفة عام 2022، بعد أن تراجعت إدارة Biden عن قرار إدارة Trump الأولى بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية. وحين نُشر جدول المباريات عام 2024، كان تفشّي الحصبة القياسي في تكساس لا يزال على بُعد أكثر من عام.
يُجمع الخبراء على أنّ الاتّساق هو مفتاح الاستعداد.
قالت Chrissie Juliano، المديرة التنفيذية لتحالف المدن الكبرى للصحّة، في إفادةٍ هذا الشهر: "نحتاج إلى تدفّقٍ تمويلي منطقي ومتّسق تتشارك فيه الجهات الفيدرالية والولائية والمحلّية، لتمويل منظومة الصحّة العامة بالكامل، والتمكّن من الوقاية من الحوادث الاعتيادية والطارئة والاستجابة لها."
وللمنظّمات غير الحكومية دورٌ في هذا الإطار أيضاً. يقول Booker من MedStar Institute for Innovation: "نودّ أن نرى قدرةً مُدمَجة باستمرارٍ لتوفير هذه المراقبة بشكلٍ منتظم — ليس فقط للأحداث الكبرى، بل لتعزيز الأمن الصحّي في أمريكا على المدى البعيد."
أخبار ذات صلة

رسالة إنفانتينو للاتحاد المصري: مصر والكأس العالمية في الأفق

كاسيميرو يحقق حلمه بجانب ميسي ويشيد بهالاند بعد سحق البرازيل في كأس العالم

آلة الأهداف: نجم بنفيكا يسحر برشلونة بـ"ثلاثية ساحرة"
