زلزال فنزويلا كارثة تعصف بالمستشفيات والأمل
زلزالان قويان يهزان فنزويلا ويكشفان هشاشة نظامها الصحي بعد سنوات من الإهمال والعقوبات. آلاف المصابين والمستشفيات تعاني نقص الأدوية والكوادر. قصص مأساوية بين الأنقاض وأمل في النجاة خَبَرَيْن.

كانت فنزويلا تعاني أصلاً قبل أن يضربها زلزالان متتاليان الأربعاء الماضي، فيهزّا البلاد من أساسها. آثار أكثر من عقدٍ من سوء الإدارة الحكومية والعقوبات الاقتصادية واضحةٌ للعيان في مستشفى الأطفال «دكتور خوسيه مانويل دي لوس ريوس» في كاراكاس، حيث لا يستطيع الدكتور هونيادس أوربينا-ميدينا استقبال أكثر من أربعة أطفال في وقتٍ واحد داخل وحدة العناية المركّزة.
قال أوربينا-ميدينا: «كنّا نستقبل ما يصل إلى 10 مرضى في وحدة العناية المركّزة. لكنّ منذ ما لا يقلّ عن 10 سنوات، لا يوجد لدينا ما يكفي من الكوادر البشرية، ولا من الأدوية، ولا من أجهزة التنفّس الاصطناعي».
من بين الأطفال الأربعة الذين يتلقّون العلاج حالياً، فتاةٌ في الثانية عشرة من عمرها سقطت عليها طوابق عدّة من مبنىً منهار. تعاني من آلامٍ حادّة وإصاباتٍ متعدّدة تهدّد حياتها.
وقد تلقّى نحو 100 طفلٍ علاجاً في أقسامٍ أخرى من المستشفى منذ الأسبوع الماضي، وهم لا يمثّلون سوى جزءٍ يسير من مجموع المصابين في الزلزالَين. وتُصدر الحكومة الفنزويلية تحديثاتٍ متقطّعة لحصيلة الضحايا؛ إذ تجاوز عدد القتلى 1,700 شخص وأُصيب أكثر من 5,000 آخرين.
غير أنّ هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أشارت إلى احتمالٍ مرتفع بأن يكون الزلزالان بقوّة 7.2 و7.5 درجة قد أودَيا بحياة عشرات الآلاف. وقد لا نعرف الرقم الحقيقي أبداً؛ فحين ضربت كارثةٌ مماثلة ولاية لا غوايرا عام 1999، لم تُفصح الحكومة قطّ عن حصيلةٍ رسمية للقتلى.
مدّدت الحكومة تعليق الدراسة، وتشير المعطيات الأوّلية إلى أنّ 432 مدرسةً في كاراكاس وحدها قد تضرّرت. وتُستخدم المدارس السليمة ملاجئ مؤقّتة لآلاف النازحين.
وقال أوربينا-ميدينا إنّ أيّ مستشفى في فنزويلا لم يكن مستعدّاً لطارئٍ بهذا الحجم. وأضاف: «لا يوجد مستشفىً في فنزويلا مهيّأٌ حتى للعمل اليومي الاعتيادي. لكنّ هذه الكارثة زادت الأمر سوءاً، لأنّنا نفتقر إلى الأدوية والكوادر والمعدّات».
قبل الزلزالَين، كانت الحكومة تدافع عموماً عن منظومتها الصحّية الوطنية بوصفها متينةً وقادرة، مُحمِّلةً العقوباتِ الأمريكية مسؤوليةَ أيّ قصور.
أطبّاءٌ آخرون تحدّثوا أبدوا شكاوى مماثلة. قال الدكتور أندريس كورتيز، المتطوّع في منظّمة Healing Venezuela الخيرية البريطانية التي تقدّم رعايةً طبّية مجّانية في البلاد، إنّ كثيراً من المستشفيات تضرّرت، وإنّ ثمانية مستشفيات في كاراكاس اضطرّت إلى الإغلاق، فيما تغصّ المستشفيات الأخرى بالمرضى وتفتقر إلى مستلزمات التنظيف الأساسية كالكلور والمعقّمات.
وبعض المشكلات سابقةٌ للزلزال. مع انزلاق فنزويلا نحو أزمةٍ متعمّقة على مدى العقد الماضي، جرّاء سوء إدارة الحكومة الاشتراكية والعقوبات الاقتصادية الأمريكية المشدّدة، شهد أوربينا-ميدينا هجرةَ كثيرٍ من الكوادر الطبّية المؤهّلة إلى الخارج بحثاً عن فرصٍ أفضل. وقد طالت موجة «هجرة الأدمغة» ذاتها القطاعَ التعليمي، الذي كان يعاني شحّاً حادّاً في المعلّمين قبل الزلزال.
وأُرغم عددٌ من الكوادر الطبّية على المغادرة مؤخّراً لأسبابٍ أخرى؛ فبعد وقتٍ قصير من اعتقال الولايات المتّحدة للرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير، أنهت فنزويلا البعثة الطبّية الكوبية التي ظلّت قائمةً لسنواتٍ طويلة، ممّا حرم المجتمعات المهمَّشة من مصدرٍ رئيسيٍّ للرعاية الصحّية.
التشبّث بالأمل
مرّت أربعٌ وعشرون ساعةً على الزلزالَين قبل أن تبدأ رائحة الموت تتسرّب من تحت الأنقاض في كاراكاس. تخيّم اليوم رائحة الاضمحلال على المباني المنهارة في أرجاء المدينة؛ رائحةٌ خانقة لا تردع ذوي المحاصرين تحت الركام. كثيرٌ منهم نصبوا خيامهم على حافّة أكوام الخرسانة المتكسّرة وقضبان الحديد، ينتظرون أيّ خبرٍ عن أحبّائهم.
ميريلا هيريرا واحدةٌ من هؤلاء. تقف كلّ يومٍ أمام المبنى المدمَّر الذي كان فيه شقّة ابنها، تبحث عن أيّ أثرٍ له ولزوجته وأطفاله.
قالت وهي تبكي: «الأمر يُجنّ. بالقدر ذاته الذي أشعر فيه باليأس والقلق، أمشي وأشرب الماء وأتساءل كيف يكون حالهم. إن كانوا لا يزالون أحياءً، فلا بدّ أنّهم يائسون للخروج من هناك».
قرب الموقع، لوحٌ أبيض يحمل مخطّطاً للمبنى بطوابقه الثمانية. على كلّ طابقٍ اسم العائلة المقيمة فيه. وتُسجّل اللوحة أعداد القتلى والمنقذين والمفقودين: اثنا عشر شخصاً لقوا حتفهم، وأُنقذ ثلاثة، ولا يزال عشرون محاصرين داخل الأنقاض. ولم يُعثر على أحدٍ منهم في اليومَين الأخيرَين.
في مثل هذه الكوارث، تُعدّ الأيام الثلاثة الأولى «النافذة الذهبية» للعثور على ناجين، إذ لا يتحمّل الجسم البشري عادةً أكثر من ثلاثة أيام دون ماء. بعد خمسة أيامٍ على الزلزالَين، قالت هيريرا إنّها لا تزال تتمسّك بالأمل.
قالت: «أشعر أنّ ابني قويٌّ. أشعر أنّه ينتظرني، وأنّه يعلم أنّني هنا أراقبه. لهذا السبب لا أريد أن أستسلم».
انتظار الضوء الأخضر
في الساعات الأولى من صباح الاثنين، استيقظت فنزويلا على هزّةٍ ارتدادية جديدة. كانت صغيرة، بقوّة 4.9 درجة، لكنّها كانت كافيةً لتُخرج الناس من منازلهم وملاجئهم المؤقّتة إلى الشوارع بملابس النوم.
سارعت الحكومة إلى الإعلان بأنّ الهزّة الارتدادية لم تُسبّب أضراراً، لكنّ ذلك لم يُهدّئ المخاوف. حتى من لم تتضرّر منازلهم في الزلزال الأصلي لا يستطيعون العودة إليها؛ إذ تتشقّق جدران كثيرٍ من المباني القائمة. وعلى جدران بعض هذه المباني ملصقاتٌ لصور الرئيسَين السابقَين مادورو وهوغو تشافيز، تذكيرٌ بمن بنى بعض هذه المساكن المتردّية التي انهارت.
سولداد كامبوس أباريسيو، 78 عاماً، كانت تحضن كلبها بإحكامٍ وهي تنتظر أمام مبنى شقّتها في كاراكاس صباح الاثنين. المبنى المجاور لها، وهو مجمّع سكني يُعرف بـ«The Petunia»، كان قد انهار في الزلزال، وباتت السلطات تمنعها هي وجيرانها من العودة إلى منازلهم. تحيط بالموقع آلياتٌ ثقيلة وعمّال الإنقاذ يزيلون الأنقاض.
تعتمد بعض البلديات نظام «إشارة المرور» للدلالة على درجة تضرّر المباني القائمة: الأخضر يعني أنّ المبنى صالحٌ للسكن، والأصفر يشير إلى أضرارٍ متوسّطة، والأحمر يعني أنّ المبنى غير آمن.
قالت كامبوس أباريسيو : «ندخل ونخرج، لكنّهم لا يسمحون لنا بالبقاء». وأضافت أنّها تتوق للعودة إلى شقّتها بشدّة: «سقطتُ وأُغمي عليّ وجُرحت ركبتاي. لم أكن بخير، وأنا وحدي».
أخبار ذات صلة

بيتٌ صغير، حياةٌ جديدة: كيف تُعيد مبادرة «بيت صغير من أجل الخير» بناء الأمل

الموتى في فنزويلا: بين الأرقام الرسمية والحقيقة المخفيّة

Delcy Rodríguez: أزمةٌ تفرض قبول المساعدات من الحلفاء والخصوم معاً
