ارتفاع أسعار السيارات في أمريكا يحول الحلم إلى تحدي
متوسط سعر السيارة الجديدة في أمريكا يتجاوز 49 ألف دولار ما يحوّل السيارات الميسورة إلى رفاهية نادرة. تعرف كيف أثرت الأسعار المرتفعة على السوق وخيارات المستهلكين في تقرير خَبَرَيْن الشامل.

قبل أن تفكّر في شراء سيارة جديدة في الولايات المتحدة، توقّف لحظة عند هذا الرقم: 49,000 دولار. هذا هو متوسط سعر السيارة الجديدة في يوليو 2024، وهو رقمٌ يكشف عن تحوّل عميق في سوق السيارات الأمريكي، حيث باتت السيارة الميسورة التكلفة ضرباً من الترف لا الأساسيات.
كيف وصلنا إلى هنا؟
لفهم حجم هذه الأزمة، يكفي أن نعود إلى عام 1989، حين كانت Ford Crown Victoria تُباع بسعر 25,000 دولار. لو أخذنا هذا السعر وأضفنا إليه معدّل التضخّم التراكمي، لوصلنا إلى ما يزيد على 65,000 دولار اليوم — وهذا وحده يُخبرنا بأنّ ارتفاع الأسعار لم يكن مجرّد مسايرة للتضخّم، بل تجاوزه بمراحل. فمنذ عام 2015، ارتفعت أسعار السيارات بنسبة 49%، وهي نسبةٌ تفوق معدّل التضخّم العام بفارق واضح.
في وكالة Kain Ford قرب مدينة Lexington بولاية Kentucky، يرى البائع Bob Kain هذا التحوّل بأمّ عينيه كلّ يوم. أرخص سيارة في معرضه اليوم هي Bronco Sport بسعرٍ يتراوح بين 36,000 و 40,000 دولار، فيما يبلغ متوسط سعر السيارات لديه 54,000 دولار. أمّا سيارات Expedition و Super Duty، فتتجاوز حاجز 80,000 دولار بسهولة. يتذكّر Kain اللحظة التي رأى فيها الأسعار ترتفع لأوّل مرّة إلى مستوياتٍ لم يكن يتخيّلها: "أذكر أنّني فكّرت: يا إلهي، سيكون من الصعب جداً بيع هذه السيارات". ثمّ يضيف بنبرةٍ تحمل شيئاً من الدهشة: "من المدهش كيف يتكيّف الناس مع ارتفاع الأسعار".
الأرقام التي تُعيد رسم خريطة السوق
ما يجري في السوق الأمريكي ليس مجرّد ارتفاع في الأسعار، بل إعادة هيكلة كاملة لشريحة المشترين. قبل عقدٍ من الزمن، كانت ما يقارب ثلث السيارات الجديدة المباعة في الولايات المتحدة تقلّ أسعارها عن 25,000 دولار. أمّا في النصف الأوّل من عام 2024، فلم تتجاوز هذه الفئة 4% من إجمالي المبيعات. وللمقارنة، فإنّ عدد السيارات التي تُباع بأكثر من 70,000 دولار بات يفوق عدد تلك التي تُباع في نطاق 25,000-30,000 دولار.
في عام 2023، لم يكن في السوق سوى 10 طرازات بمتوسط أسعار معاملات يقلّ عن 25,000 دولار، وكلّها من شركاتٍ آسيوية صغيرة. ثمّ جاء قرار Nissan بإيقاف إنتاج طراز Versa — أحد أرخص السيارات في السوق — في نهاية عام 2023، ليُضيّق الخيارات أكثر.
ما الذي يعنيه هذا للمشتري العادي؟ الجواب في أرقام القروض. كان متوسط معدّل فائدة قرض السيارة لخمس سنوات 4.4% في أغسطس 2015، وفق بيانات Bankrate.com. في مايو 2024، قفز هذا المعدّل إلى قرابة 7%. النتيجة: أكثر من 20% من الأمريكيين كانوا يدفعون ما يزيد على 1,000 دولار شهرياً كأقساطٍ لسياراتهم الجديدة في نهاية عام 2023.
لماذا لا تُنتج شركات السيارات نماذج أرخص؟
السؤال المنطقي الذي يطرحه كثيرون: لماذا لا تستجيب الشركات لهذا الطلب؟ الجواب يكشفه Ivan Drury، مدير الرؤى في شركة الأبحاث Edmunds، بصراحةٍ تامّة: "قد تحصل على حجم مبيعات أكبر قليلاً ببيع سيارات في نطاق 20,000 إلى 25,000 دولار. لكن في الوقت ذاته، لا معنى لذلك حين يكون الناس مستعدّين لدفع مبالغ كبيرة مقابل سياراتٍ بمواصفاتٍ أعلى بكثير".
بمعنى آخر: الشركات تتبع المال، والمال يتدفّق نحو الشرائح الأعلى سعراً. تُضاف إلى ذلك الرسوم الجمركية على السيارات وقطع الغيار التي رفعت تكاليف الإنتاج، وهو ما يضرب السيارات الاقتصادية أكثر من غيرها، إذ تعتمد هذه الفئة على هوامش ربحٍ ضيّقة أصلاً.
Jonathan Snyder، الشريك في استوديو تصميم أثاث بمدينة Los Angeles، يُجسّد معاناة شريحةٍ واسعة من المشترين. يقول إنّ "سوق السيارات المستعملة مكلفٌ جداً في الوقت الحالي"، مضيفاً بمنطق صاحب العمل الصغير: "بوصفي صاحب عملٍ صغير، يبدو السعر هو الأكثر مسؤوليةً فيما يتعلّق بما هو في جوهره أداةٌ عمل". والسيارات المستعملة الحديثة — التي لا يتجاوز عمرها 3 سنوات — كانت تُباع بمتوسط 32,000 دولار في يوليو 2024، مع فائدةٍ أعلى وضمانٍ أقلّ.
هل ثمّة بصيصٌ من الأمل؟
تأتي شركة Slate Auto الناشئة، التي تأسّست عام 2022، بوعدٍ يستحقّ المتابعة: شاحنة بيك أب كهربائية بسعر 24,950 دولار، مع خطط للتسليم في أواخر عام 2024. لتحقيق هذا السعر، تخلّت الشركة عن النوافذ الكهربائية والمقاعد الخلفية وحتّى الطلاء الخارجي. النتيجة؟ 180,000 حجزٍ بوديعة مستردّة قدرها 100 دولار لكلّ منها.
يقول المتحدّث باسم الشركة Jeff Jablansky: "أردنا التأكّد من أنّ الشاحنة ستكون بأسعارٍ معقولة، سواءٌ مع الحافز الضريبي أو بدونه، و180,000 حجزٍ لاحقاً، وافق الناس معنا على ذلك". تجدر الإشارة إلى أنّ الإعفاء الضريبي الفيدرالي البالغ 7,000 دولار للسيارات الكهربائية أُلغي في نهاية عام 2023، ما يجعل سعر Slate بدونه أكثر أهمية.
على الجانب الآخر، تعهّدت Ford بطرح 5 طرازات بأسعار تقلّ عن 40,000 دولار قبل عام 2030، فيما وعدت Stellantis — المالكة لعلامات Jeep و Ram و Dodge و Chrysler — بتسعة طرازات في الفئة ذاتها بحلول العام نفسه. وقد أبدى Bob Kain تفاؤلاً حذراً: "لدينا بالفعل اهتمامٌ كبير من عملاء يريدون أن يكونوا من أوائل المطّلعين على تلك السيارات".
لكنّ السؤال يبقى مفتوحاً: هل ستكون هذه الطرازات كافية لإعادة رسم خريطة السوق، أم أنّها ستظلّ استثناءً في سوقٍ تتمحور حول الأرباح العالية؟ مع تراجع المبيعات السنوية من نحو 17 مليون سيارة إلى 16 مليون، قد يكون السوق نفسه يُعطي إجابته الصامتة: حين يعجز المشتري عن الشراء، لا يتكيّف دائماً — أحياناً يغادر.
أخبار ذات صلة

الأمريكيون يتجهون للسيارات الهجينة.. والعلامات الآسيوية تحتل الصدارة

Tesla تروّج للسيارات الروبوتية، لكن Waymo تتقدّمها في سباقٍ لم يثبت ربحيّته

ترامب يهدّد بفرض رسوم جمركية على السيارات الكندية.. والخسارة ستطال صانعي السيارات الأمريكيين
