مشروع قوّة سيبيريا 2 بين الفرص والتحديات
مشروع «قوّة سيبيريا 2» يفتح آفاقًا جديدة في الطاقة بين روسيا والصين، حيث يمتد عبر 2,600 كيلومتر ويعزز التعاون الجيوسياسي. لكن هل ستحل العقبات التجارية دون تحقيقه؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

-في خريطة الطاقة العالمية، ثمّة مشاريع تتجاوز أبعادها الهندسية لتصبح بياناتٍ جيوسياسية. خطّ أنابيب الغاز «قوّة سيبيريا 2» (Power of Siberia 2) واحدٌ من هذه المشاريع: 2,600 كيلومتر من الأنابيب المقترحة تمتدّ من غرب سيبيريا عبر منغوليا وصولاً إلى الصين، تحمل في طيّاتها أكثر من مجرّد غاز طبيعي.
كان هذا المشروع المتأخّر على أجندة قمّة الرئيسين Vladimir Putin وXi Jinping هذا الأسبوع. وفي يوم الأربعاء، أعلن البلدان أنّهما توصّلا إلى تفاهمٍ بشأن مسار الخطّ وآلية إنشائه، وإن ظلّت تفاصيل جوهرية أخرى معلّقةً في انتظار التفاوض.
حين يكتمل البناء، يُتوقَّع أن تبلغ طاقة الخطّ 50 مليار متر مكعّب سنوياً ما يعادل نحو 525 تيراواط/ساعة من الطاقة، أي ما يقارب ضعفَي الاستهلاك السنوي للكهرباء في المملكة المتّحدة. وهذا يضعه في مصافّ خطّ Nord Stream 1، أحد أبرز مسارات تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا سابقاً، الذي كانت طاقته التصميمية 55 مليار متر مكعّب سنوياً.
يرى المحلّلون أنّ روسيا تسعى إلى هذا المشروع لتعويض الإيرادات التي فقدتها بعد أن قلّصت الدول الأوروبية وارداتها من الغاز الروسي إثر الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. أمّا الصين، فترى في غاز الأنابيب القادم من روسيا بديلاً أكثر أماناً من الغاز الطبيعي المسال (LNG) الذي يُشحن بحراً عبر نقاط اختناقٍ استراتيجية كمضيق هرمز ومضيق ملقا.
قد يبدو هذا صفقةً رابحة للطرفين، لكنّ المحلّلين يحذّرون: لا تزال عقباتٌ جوهرية تحول دون تحوّل المشروع إلى واقع.
هل مشروع «قوّة سيبيريا 2» قابلٌ للتنفيذ؟
من الناحية اللوجستية، يبدو المشروع ممكناً. فشركة Gazprom الروسية المملوكة للدولة، وهي الأكبر في العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي، تمتلك خبرةً واسعة في إنشاء خطوط أنابيب ذات طاقةٍ عالية عبر تضاريس وعرة. هذا ما أكّده Jack Sharples، الباحث الأوّل في معهد Oxford للدراسات الطاقوية.
غير أنّ إنجاز خطّ أنابيب كهذا يستغرق سنواتٍ عدّة. فخطّ «قوّة سيبيريا 1» (POS-1)، الذي ينقل الغاز من حقلَين في شرق سيبيريا إلى الحدود الروسية الصينية، بدأ بناؤه عقب اتّفاقية 2014، وانطلقت أولى شحناته عام 2019، ولم يبلغ طاقته الكاملة إلّا في 2024.
يُضاف إلى ذلك أنّ «قوّة سيبيريا 2»، رغم كونه أقصر قليلاً من سابقه وغير مُلزَم بتطوير حقول إنتاج جديدة، سيعبر دولةً ثالثة هي منغوليا. ويرى Sharples أنّ الجدول الزمني من بدء البناء حتى الإطلاق «لن يكون أقصر بكثير» ممّا استغرقه POS-1، مضيفاً أنّ «الوصول إلى الطاقة الأعلى قد يستلزم وقتاً أطول من السنوات الخمس»، وأنّ «المشروع قد يأخذ عقداً كاملاً من بدء البناء حتى الوصول إلى الطاقة القصوى».
هل أُبرمت الصفقة؟
لا، ليس بعد.
في أعقاب لقاء Putin بـXi يوم الأربعاء، صرّح المتحدّث باسم الكرملين Dmitry Peskov لوسائل الإعلام الروسية: «أعلن الرئيس خلال المحادثات أنّ ثمّة تفاهماً مشتركاً بشأن المعاملات الرئيسية لـ«قوّة سيبيريا 2».»
وأضاف: «هناك اتّفاقٌ على المسار وعلى آلية تنفيذ المشروع. بعض التفاصيل لا تزال تحتاج إلى استكمال، لكن بشكلٍ عام، هذا التفاهم قائمٌ بالفعل.» ثمّ أقرّ Peskov بأنّه لا يوجد جدولٌ زمني محدّد لتنفيذ المشروع.
يصف Seb Kennedy، الرئيس التنفيذي ومؤسّس منشور تحليل أسواق الطاقة المستقلّ Energy Flux، المشروعَ بأنّه «تحدٍّ تقني» لكنّ العائق الحقيقي كان دائماً «الشروط التجارية». ويرى أنّ الحديث عن «المعاملات الرئيسية» يوم الأربعاء ليس سوى «لغةٍ دبلوماسية» تُخفي غياب الاتّفاق على السعر.
يتّفق المحلّلون على أنّ هذه هي العقبة الأساسية، لكنّ الصين على خلاف روسيا ليست في عجلةٍ من أمرها للتوصّل إلى اتّفاق.
ماذا تربح روسيا؟
بالنسبة لروسيا، سيتيح مشروع «قوّة سيبيريا 2» سوقاً كبيرة جديدة للغاز الذي كان مُعَدّاً في الأصل لأوروبا، ممّا يساعد عملاق الطاقة Gazprom على استعادة جزءٍ من الإيرادات المفقودة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.
قبل الحرب، «كان Putin موجَّهاً بشكلٍ كبير نحو أوروبا في ما يخصّ التنمية الاقتصادية»، يقول Remi Bourgeot، الاقتصادي في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس ومؤلّف منصّة التحليل epistelem.org.
لكنّ العائد الروسي لن يقتصر على عائدات مبيعات الغاز وحدها، يوضح Sharples، بل سيمتدّ ليشمل «التأثيرات المضاعِفة على شركات إنشاء الأنابيب الروسية ومنتجي الأنابيب الفولاذية الروسيين، وبالتالي على منتجي الفولاذ الروسيين».
غير أنّ الحاجة الروسية الملحّة للإيرادات منحت الصين اليد العليا في المفاوضات. يقول Bourgeot: «المشكلة أنّ الأسعار يتفاوض عليها الصينيون لتكون أدنى ممّا كان يوفّره السوق الأوروبية، وهذا منطقي، إذ لا تملك روسيا حالياً خياراتٍ كثيرة.»
ويُضيف Go Katayama، كبير محلّلي الرؤى المتعلّقة بالـLNG والغاز الطبيعي في شركة التحليلات Kpler: «روسيا تحتاج بإلحاحٍ إلى طلبٍ تصديري طويل الأمد لاستثمار احتياطياتها من الغاز المعزول، لكنّ الصين تُدرك ضعف الموقف التفاوضي لموسكو في أعقاب فقدان أوروبا بوصفها مشترياً رئيسياً.»
لذا تضغط بكين للحصول على أسعارٍ مخفّضة بشكلٍ كبير مرتبطة بالمعايير المحلّية، في حين تحتاج روسيا إلى أسعارٍ أعلى لتبرير التكاليف الهائلة للبنية التحتية. يلخّص Katayama المعادلة بقوله: «المفاوضات تعكس في نهاية المطاف توازناً بين حاجة روسيا إلى استقرار الإيرادات ورغبة الصين في إمداداتٍ آمنة وبتكلفةٍ منخفضة.»
ويذهب Kennedy إلى أبعد من ذلك: «بكين دفعت على ما يُقال نحو أسعارٍ مرتبطة بأسعار الغاز المحلّية الروسية المدعومة بشكلٍ كبير. موسكو تريد شروطاً أقرب إلى ما هو معمول به في POS-1. كلّ دولار يُقتطع من صافي العائد يُشكّل ضربةً مباشرة للإيرادات الضريبية الروسية في وقتٍ تراجعت فيه حصيلة الضرائب المرتبطة بالغاز أصلاً.»
ماذا تربح الصين؟
قد لا تحمل الصين الإلحاحَ ذاته الذي تعيشه روسيا، لكنّ «قوّة سيبيريا 2» يظلّ خياراً استراتيجياً جذّاباً في سياق سعيها لتنويع إمداداتها الطاقوية وتقليص اعتمادها على واردات الـLNG البحرية.
فبكين لا تكتفي بالقلق من مخاطر نقاط الاختناق البحرية كمضيق هرمز، بل إنّ واردات الـLNG تعتمد على سلسلة إمدادٍ عالمية معقّدة تشمل موردّين متعدّدين ومسارات شحنٍ ومحطّات استقبال متفرّقة. هذا يجعل واردات الـLNG أكثر عرضةً للاضطرابات الجيوسياسية وتقلّبات الأسعار مقارنةً بغاز الأنابيب.
باختصار، يرى المحلّلون أنّ المشروع يوفّر للصين مساراً أكثر أماناً للإمداد، يستلزم التنسيق أساساً مع روسيا الحريصة على تعزيز علاقاتها مع جارتها القوية. أمّا منغوليا، الدولة الحبيسة بين البلدين والتي لا يتجاوز حجم اقتصادها اقتصادَ جزر المالديف، فمن المستبعد أن تعترض على جني مئات الملايين من الدولارات سنوياً كرسومٍ عبور.
ما المخاطر؟
يؤكّد المحلّلون أنّ هذا الخطّ يتجاوز كونه مشروعاً طاقوياً. إنّه يعكس مساعيَ أشمل تبذلها روسيا والصين لبناء علاقاتٍ اقتصادية أوثق والحدّ من اعتمادهما على نظامٍ دولي تقوده الغرب، يرى البلدان أنّه بات متصدّعاً وغير موثوق.
في قمّة الأربعاء، جاهر الزعيمان بهذه القناعة. نقلت وسائل الإعلام الروسية عن Putin قوله لـXi: «حتى في مواجهة العوامل الخارجية غير المواتية، يُظهر تفاعلنا وتعاوننا الاقتصادي زخماً قوياً.» أمّا Xi فأثنى على «العلاقة الصامدة»، مضيفاً: «تمكّنّا من تعميق ثقتنا السياسية المتبادلة وتنسيقنا الاستراتيجي باستمرار، بصمودٍ لا يتزعزع رغم الاختبارات والمحن.»
لكنّ خلف هذا الواجهة الموحَّدة، يُشير المحلّلون إلى أنّ كلا العاصمتين تحمل تحفّظاتها الخاصّة.
يقول Sharples: «قد يكون لدى الطرفين قدرٌ من الحذر. بالنسبة لروسيا، يُقيّدها المشروع بتوريد حجمٍ كبير لعميلٍ واحد. وبالنسبة للصين، يرفع حصّة روسيا في إجمالي إمداداتها من الغاز.»
ويُحدّد Kennedy المخاطر بدقّة أكبر: «خطر الصين يكمن في الإفراط بالاعتماد على مورّدٍ محفوف بالحساسيات السياسية، في وقتٍ تتصاعد فيه الطاقة المتجدّدة والإنتاج المحلّي. أمّا خطر روسيا فهو أن تصبح متلقّيةً للأسعار من عميلٍ واحد يعلم أنّها لا تملك خياراً آخر.»
كيف سيغيّر «قوّة سيبيريا 2» أسواق الطاقة العالمية؟
يرى Katayama أنّ المشروع سيُقلّص هيكلياً احتياجات الصين المستقبلية من الـLNG، إذ سيحلّ غاز الأنابيب محلّ جزءٍ من طلبها على الـLNG الفوري. ويضيف: «هذا قد يُخفّف التنافس على شحنات حوض الأطلسي ويُليّن أسعار الـLNG العالمية تدريجياً، لا سيّما في فتراتٍ يضعف فيها الطلب الآسيوي.»
ويصوغ Kennedy الأمر بصورةٍ أكثر مباشرة: «كلّ متر مكعّب من غاز الأنابيب تأخذه الصين هو متر مكعّب لن تحتاج إلى استيراده بوصفه LNG؛ وعند 50 مليار متر مكعّب سنوياً، فهذا حجمٌ معتبر يُسحب من سوق الشحن الفوري.»
على المستوى الأشمل، يرى Katayama أنّ المشروع سيُعجّل بالتحوّل نحو سوقٍ عالمية للغاز أكثر تشرذماً وإقليمية، تتمحور حول علاقاتٍ إمدادٍ جيوسياسية طويلة الأمد بدلاً من تجارة الـLNG المعولمة بالكامل.
كما سيُرسّخ المشروع بشكلٍ دائم تحوّل روسيا نحو الشرق. يختم Kennedy: «سيُقلّل «قوّة سيبيريا 2» من إلحاحية موسكو لإعادة فتح تدفّقات الأنابيب نحو أوروبا، وإن كان لن يُعيد حجم صادراتها أو إيراداتها إلى ما كانت عليه قبل 2022. إنّه جائزةُ عزاء، لا بديل حقيقي.»
أخبار ذات صلة

مليار برميل نفط: أين ذهبت؟

ذروة النفط: هل أجبرتنا حرب إيران عليها؟

نقص الزيوت الموتورية يتفاقم مع تصعيد التوترات في الخليج
