أزمة البحارة المحاصرين في مياه الخليج العربي
أزمة إنسانية في مياه الخليج مع حبس 20 ألف بحار على متن سفنهم بسبب إغلاق مضيق هرمز وتوترات أمنية. نقص الغذاء والرواتب يفاقم معاناة الطواقم وسط غياب حماية قانونية واضحة خَبَرَيْن

أطلقت هيئةٌ أمميةٌ تحذيراً من أزمةٍ «غير مسبوقة» تتكشّف في مياه الخليج العربي، إذ يجد نحو 20,000 بحّار أنفسهم محاصرين على متن سفنهم في أعقاب إغلاق مضيق هرمز، دون أفقٍ واضح للخروج من هذا المأزق.
ومع استمرار الجمود في الخليج، يجد العمّال البحريون كثيرٌ منهم من دولٍ نامية محدودة الموارد أنفسهم عالقين في عرض البحر، محاصَرين بين ضغوطٍ تجارية تمارسها شركات الملاحة من جهة، وتهديداتٍ أمنية متصاعدة جرّاء الطائرات المسيّرة والألغام البحرية من جهةٍ أخرى، في ظلّ حمايةٍ قانونية تبدو قاصرة.
قال Damien Chevallier، مدير قسم السلامة البحرية في المنظمة البحرية الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة، في مقابلةٍ : «إنّها حالةٌ غير مسبوقة. لدينا ما يقارب 20,000 بحّار في الخليج منذ ما يقارب ثمانية أسابيع. إنّها أزمةٌ إنسانية. لم نواجه قطّ وضعاً كهذا».
يكشف هذا التحذير عن الحجم الحقيقي للمعاناة التي تعيشها هذه الطواقم. فكثيرٌ من البحّارة عاجزون عن الرسو على أيٍّ من ضفّتَي الخليج: إذ تنطوي الموانئ الإيرانية على مخاطر مناطق الحرب، فيما تحول القيود المفروضة على التأشيرات والعقبات اللوجستية على طول الساحل الجنوبي للخليج دون مغادرة كثيرٍ من البحّارة لسفنهم. أمّا المنفذ البحري الوحيد مضيق هرمز فلا يزال مغلقاً فعلياً.
قواعد الملاحة وورقة الضغط الإيرانية
منذ اندلاع الحرب، سعت إيران إلى فرض قواعد ملاحةٍ جديدة في الخليج العربي، تتيح للسفن القادمة من الدول التي تصنّفها «صديقة» العبورَ عبر المضيق مقابل رسومٍ محدّدة.
في المقابل، أقدمت إدارة Trump على فرض حصارٍ بحري يستهدف السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، مع تحذيرٍ صريح لشركات الشحن من التعرّض لعقوباتٍ إن هي أذعنت لدفع تلك الرسوم.
وقد أفضى هذا التنافس بين الإجراءَين إلى شللٍ شبه تامّ في حركة الملاحة عبر هذا الممرّ الاستراتيجي الحيوي؛ إذ لا تعبره سوى مجموعة صغيرة من السفن يومياً، مقارنةً بأكثر من مئةٍ في الأوقات الاعتيادية.
وتسعى الآن مئات السفن إلى إيجاد مخرجٍ من هذه المنطقة المنكوبة بالحرب.
قال Chevallier: «ما بين 800 و 1,000 سفينة تودّ الإبحار عبر مضيق هرمز للخروج من المنطقة».
قضية Auroura: نموذجٌ لأزمةٍ أوسع
من بين هذه السفن ناقلة النفط Auroura، وهي سفينةٌ خاضعة للعقوبات تُربط بما يُعرف بـ«الأسطول الظلّ» الإيراني المستخدَم لنقل النفط تحايلاً على العقوبات الأمريكية.
أفاد أفراد الطاقم في مقابلةٍ الشهر الماضي بأنّهم ظلّوا محاصَرين على متن السفينة لأسابيعٍ عقب اندلاع الحرب، مطالبين بالترحيل إلى بلدانهم بعد أن ضغط عليهم حسب روايتهم مالك السفينة للإبحار إلى إيران لتحميل النفط رغم تصاعد المخاطر.
وصف الطاقم، المؤلّف بالكامل من مواطنين هنود، تدهوراً ملموساً في الأوضاع على متن السفينة، شمل شحّاً في الغذاء ومياه الشرب.
قال Manoj Yadav، المنظّم النقابي في اتحاد البحّارة الهنود (Forward Seamen's Union of India)، إنّ الوضع بالغ الخطورة.
وأضاف في حينه: «الطاقم يعاني من نقصٍ في الإمدادات الأساسية. يريدون العودة إلى وطنهم. الأوضاع على هذه السفينة ليست على ما يرام».
«تخلٍّ» لا مجرّد عجزٍ عن الترحيل
وفق الاتحاد الدولي لعمّال النقل (ITF)، النقابة العالمية التي تمثّل البحّارة في شتّى أنحاء العالم، فإنّ قضية Auroura ليست حالةً استثنائية.
قال Mohamed Arrachedi، منسّق شبكة أعلام الملاءمة في ITF للعالم العربي وإيران: «الأمر لا يتعلّق بالترحيل فحسب، بل بالتخلّي التامّ. بعض البحّارة لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثمانية أشهرٍ أو حتى أحد عشر شهراً».
ووصف Arrachedi حالاتٍ واسعة الانتشار من التخويف والضغط الذي يمارسه أصحاب السفن.
وقال: «ثمّة حالاتٌ كثيرة من التخويف. بعض أصحاب السفن يثورون غضباً. لديّ حالاتٌ تعرّض فيها بحّارة لتهديداتٍ لفظية».
ويدّعي طاقم Auroura أنّه تعرّض لتهديداتٍ بحجب الرواتب والتحذير من «عواقب وخيمة» إن رفضوا الإبحار إلى إيران وتحميل النفط.
قال أحد أفراد الطاقم واصفاً الاتهامات التي وجّهها مالك السفينة: «قال إنّنا نختطف سفينته... ونعمل على تخريبها».
أكّد الطاقم أنّه طالب مراراً بالإذن بمغادرة السفينة والترحيل، وهو حقٌّ مكفولٌ بموجب القانون البحري الدولي لا سيّما في حالات انعدام الأمن، إلّا أنّ طلباته قوبلت بالرفض.
وجاء في تقرير الحادثة الذي أرسله الطاقم بتاريخ 13 مارس إلى هيئة العمليات التجارية البحرية للمملكة المتحدة (UKMTO)، والذي الاطّلاع عليه: «على الرغم من الطلبات المتكرّرة، رفضت الشركة ترتيب إجراءات مغادرتنا أو ترحيلنا. نحن عالقون فعلياً على متن السفينة في ظروفٍ غير آمنة».
وقد تحوّلت هذه المخاوف إلى واقعٍ مرير بشكلٍ متصاعد؛ إذ لقي ما لا يقلّ عن 10 بحّارة حتفهم في هجماتٍ استهدفت السفن منذ اندلاع الحرب مع إيران، وفق ما أفادت به IMO.
قال Arrachedi: «لديّ حالاتٌ يخبرني فيها بحّارة أنّهم ينامون بملابسهم خشية التعرّض لهجوم. عائلاتهم تعيش قلقاً مضاعفاً وتسألنا عمّا يجري».
هجومٌ بالطائرات المسيّرة وسط الظلام
في 13 مارس، بينما كانت Auroura راسيةً قبالة سواحل الإمارات العربية المتحدة، تعرّضت لضربةٍ بطائراتٍ مسيّرة، وفق ما أفاد به أفراد الطاقم وما أكّدته لقطاتٌ أمنية .
قال أحد أفراد الطاقم: «كان الظلام يلفّ كلّ شيء. فجأةً وقع انفجار. ثمّ رأينا حطاماً متناثراً هنا وهناك».
وتُظهر مقاطع الفيديو انفجاراً يمزّق سطح السفينة بالقرب من الجسر، وكاد يودي بحياة أحد أفراد الطاقم المناوبين. كما تكشف الصور عن أضرارٍ طالت إحدى قوارب النجاة، ممّا قد يجعل السفينة غير مستوفيةٍ للمعايير الدولية للسلامة البحرية.
وأشار تقرير الحادثة المرفوع إلى UKMTO إلى أنّ الهجوم شكّل تهديداً مباشراً للأرواح، مستدرِكاً: «أحد الطلّاب البحريين كاد يفقد حياته خلال نوبة المراقبة على الجسر».
أبحرت السفينة في نهاية المطاف عبر مضيق هرمز باتجاه عُمان في 14 أبريل، وفق بيانات تتبّع السفن، أي قبل ساعاتٍ من الموعد الذي حدّده Trump لفرض الحصار على الموانئ الإيرانية.
وبعد أسابيع من الحصار في عرض البحر، أُتيح أخيراً لبعض البحّارة على متن Auroura مغادرة السفينة.
أُعفي سبعة بحّارة من مهامّهم وحلّ محلّهم طاقمٌ باكستاني جديد، وفق ما أفاد به أحد البحّارة الذي طلب عدم الكشف عن هويّته تفادياً للانتقام، مشيراً إلى أنّهم غادروا عُمان إلى الهند في الفترة الممتدة بين 26 و 27 أبريل.
«لستُ محارباً»
بالنسبة للمسؤولين في قطاع الملاحة والمنظّمات العمّالية، لا تعدو قضية Auroura كونها نموذجاً واحداً لأزمةٍ أشمل تضرب أرجاء الخليج.
وصف الربّان Isdik Alam، البحّار العامل على متن سفينةٍ أخرى في الخليج العربي، الأوضاع المتردّية على سفنٍ أخرى عالقةٍ في المنطقة، قائلاً إنّ بعض الطواقم باتت مضطرّةً إلى إعادة استخدام المياه المتكثّفة من أجهزة التكييف لغسل الملابس، بل وللطهي في بعض الأحيان.
وأضاف: «لا نستطيع غسل ملابسنا أو الاستحمام. يجمعون المياه من مصارف أجهزة التكييف فقط للغسيل والبقاء على قيد الحياة».
ورسم Alam صورةً لشعورٍ متنامٍ بالتخلّي يسود بين البحّارة المحاصَرين في هذه الأزمة، قائلاً: «لا أحد يكترث للبحّارة. سواءٌ أكان هناك وقفٌ لإطلاق النار أم لا، فهذا لا يعنينا».
وفي حين يتلقّى البحّارة تدريباتٍ تؤهّلهم لتحمّل قسوة الظروف في عرض البحر، أكّد Alam أنّ التهديد الذي يواجهونه اليوم مختلفٌ جذرياً في طبيعته.
وختم بعبارةٍ تلخّص مأساة هؤلاء البحّارة: «أنا لستُ محارباً. أنا بحّار. لستُ خائفاً من البحر... أنا خائفٌ من الصواريخ والهجمات».
أخبار ذات صلة

بيتٌ صغير، حياةٌ جديدة: كيف تُعيد مبادرة «بيت صغير من أجل الخير» بناء الأمل

الموتى في فنزويلا: بين الأرقام الرسمية والحقيقة المخفيّة

رائحة الموت تخيّم على شوارع فنزويلا المنهارة والمستشفيات تكافح لإنقاذ الأرواح
