خَبَرَيْن logo

أحلام الخريجين الفلسطينيين في ظل البطالة المتزايدة

في جامعة بيت لحم، يواجه الطلاب تحديات البطالة بعد التخرج، حيث يعاني 40% من حاملي الشهادات الجامعية من عدم وجود وظائف. التعليم كان الأمل، لكنه اليوم يبدو كحلم بعيد. كيف يؤثر الاحتلال على مستقبلهم؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

مجموعة من الطلاب يرتدون قمصاناً خضراء، يسيرون بجوار جدار الفصل في بيت لحم، مع برج مراقبة في الخلفية، يعكس التحديات التي يواجهها الشباب الفلسطيني.
يشارك الفلسطينيون والأجانب في سباق جري لمسافة 10 كيلومترات يمر بجوار برج مراقبة الجيش الإسرائيلي، وهو جزء من الجدار الفاصل المثير للجدل، خلال ماراثون فلسطين السنوي.
التصنيف:اقتصاد
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في قاعةٍ بجامعة بيت لحم، تمتلئ الأرجاء بإيقاع الطبول وأصوات الصفارات، فيما تُنهي مجموعاتٌ من طلاب السنة الأخيرة عروضَهم لمشاريع التخرّج وسط تصفيقٍ حارّ. تتوافد الأسر طوال اليوم حاملةً الزهور ورافعةً الهواتف لالتقاط الصور. غير أنّ خلف هذا الاحتفال، ثمّة قلقٌ صامت يتسلّل إلى النفوس.

كانت سِوار أبو كمال، 21 عاماً، قد رسمت لنفسها خطّةً واضحة حين التحقت بالجامعة: تنهي درجتها العلمية، تجد عملاً، وتبني حياةً مستقرّة. أمّا الآن، وهي في سنتها الأخيرة من دراسة إدارة الأعمال، فإنّ تلك الخطّة تبدو أقلّ يقيناً مع مرور كلّ أسبوع.

قالت : "كلّما كبرت، كلّما صدمتك الحقيقة أكثر."

لعقودٍ طويلة، كان التعليم أحد المسارات القليلة التي لا يزال الفلسطينيون يضعون فيها ثقتهم، بوصفه طريقاً نحو الاستقرار والكرامة والحراك الاجتماعي على الرغم من الاحتلال وعدم الاستقرار السياسي. أمّا اليوم، فيقول كثيرٌ من الخرّيجين الشباب إنّ هذا الوعد آخذٌ في الانهيار.

وبحسب أرقامٍ أوردها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية (MAS)، فإنّ ما يقارب 40 بالمئة من الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلّة الحاملين لشهاداتٍ جامعية على الأقل يعانون من البطالة.

وعلى المستوى الإجمالي، تضاعفت معدّلات البطالة أكثر من مرّتَين منذ أكتوبر 2023، إذ بلغت ذروتها عند 35.2 بالمئة في مطلع عام 2024، قبل أن تستقرّ عند 27.5 بالمئة بنهاية عام 2025. وفي السياق ذاته، جمّدت إسرائيل تصاريح العمل لـ115,000 فلسطيني من الضفة الغربية كانوا يعملون داخلها، وذلك بشكلٍ غير محدود المدّة مع انطلاق حربها على غزة، ولم يُجدَّد سوى عددٍ ضئيل من تلك التصاريح، ممّا زاد من حدّة أزمة البطالة في الضفة.

تقول كريستي أبو ماهور، 21 عاماً، زميلة أبو كمال: "نرى الناس في أنحاء العالم يجدون وظائف ويعيشون أفضل أيّامهم، بينما نحن عالقون هنا. لا تُتاح لنا الخيارات ذاتها التي تتاح لغيرنا."

بالنسبة لهؤلاء الطلاب، الوصول إلى التخرّج يستلزم أكثر من مجرّد المثابرة الأكاديمية. فإلى جانب الضغوط المعتادة من امتحاناتٍ ومواعيد تسليم ومتطلّبات دراسية، تحوّل الاجتياحات العسكرية وإغلاق الطرق المسافاتِ القصيرة إلى رحلاتٍ طويلة لا يمكن التنبّؤ بها. وتنتقل المحاضرات إلى الفضاء الإلكتروني مع كلّ تصعيدٍ سياسي جديد، فضلاً عن أنّ كثيرين اضطرّوا إلى العمل لتمويل دراستهم مع تصاعد الضغوط المالية على أسرهم.

يتساءل خالد أبو عيشة، طالب الإعلام في سنته الرابعة: "لماذا درست في النهاية؟ هل درست لكي لا أجد عملاً؟"

هذا السؤال بالذات بات إيناس إلياس، المرشدة الأكاديمية والمهنية في الجامعة، تسمعه بشكلٍ متزايد.

قالت إلياس: "هؤلاء الطلاب يبذلون قصارى جهدهم في دراستهم، ثمّ يصلون إلى مرحلةٍ يقولون فيها: ماذا أفعل بهذه الشهادة؟ إنّهم منهكون نفسياً."

اقتصادٌ عاجزٌ عن استيعاب خرّيجيه

تُخرّج الجامعات الفلسطينية كلّ عامٍ عشرات الآلاف من الخرّيجين، لكنّ الاقتصاد لم يشهد نمواً يستوعبهم.

سلسبيل سلامة، 25 عاماً، تخرّجت عام 2023 بدرجةٍ في العلاج الطبيعي. وبعد خمس سنواتٍ من الدراسة والتدريب، لم تجد في مجالها سوى تعيينٍ مدّته أربعة أشهر ضمن برنامجٍ تابع لـ UNRWA في أحد مخيّمات اللاجئين في بيت لحم.

أمّا الآن، فهي تعمل على صندوق الدفع في أحد محلّات السوبرماركت.

قالت سلامة : "هذا ليس ما حلمت به، لكنّه يجعلني أعتمد على نفسي."

وتؤكّد إلياس أنّها ترى هذا النمط باستمرار؛ فحين يُعلن مستشفىً عن وظيفتَين شاغرتَين، يتنافس عليهما 60 أو 70 خرّيجاً. وحتى في هذه الحالة، يشترط كثيرٌ من أصحاب العمل توافر خبرةٍ سابقة، ممّا يُغلق الباب أمام الخرّيجين الجدد قبل أن يبدأوا مسيرتهم المهنية أصلاً.

في المقابل، باتت الوظيفة في القطاع العام، التي كانت تُعدّ في السابق مساراً آمناً، تفقد موثوقيّتها تدريجياً.

تقول إلياس: "أصبح الطلاب بعيدين جداً عن العمل الحكومي." فالذين يُكملون تدريبهم الميداني في المستشفيات أو المدارس الحكومية كثيراً ما يعودون محبَطين ممّا يشهدونه.

ويتكشّف هذا الإحباط في ظلّ أزمةٍ أعمق داخل القطاع العام ذاته. فمنذ عام 2021، تعاني السلطة الفلسطينية من صعوبةٍ في صرف الرواتب جرّاء احتجاز إسرائيل لحصصٍ كبيرة من عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجبيها نيابةً عنها، وهو ممارسةٌ تصاعدت حدّتها بعد أكتوبر 2023. وبحلول منتصف عام 2025، كان موظّفو القطاع العام قد تراكمت عليهم مليارات الدولارات من الأجور المتأخّرة، وفق ما أفاد به البنك الدولي.

وقد باتت وظائف القطاع العام تُتجنَّب كلياً؛ إذ قالت سلامة إنّها "تفضّل البقاء في المنزل" على العمل في مكتبٍ حكومي لن تتقاضى فيه راتبها كاملاً.

هجرة الكفاءات الفلسطينية

يقول ماهر كنواتي، رئيس بلدية بيت لحم السابق، إنّ الأزمة تدفع أعداداً متزايدة من الفلسطينيين إلى مغادرة البلاد كلياً، وهو ما يتجاوز مسألة البطالة في حدّ ذاتها.

قال : "نرى أطبّاء يعملون في المطاعم، ومهندسين يكافحون من أجل لقمة العيش، وممرّضين يتسوّلون العمل. نرى جميع أنواع الخرّيجين الذين لا يريدون سوى أن يعيشوا حياةً طبيعية، وأن يحصلوا على عملٍ لائق ومستقبلٍ كريم لهم ولأسرهم."

لسنواتٍ طويلة، لجأ كثيرٌ من الفلسطينيين إلى العمل عبر "الخطّ الأخضر" الحدود المعترف بها عموماً بين إسرائيل والضفة الغربية كخيارٍ بديل، حيث كانت الشركات الإسرائيلية تُوظّف الفلسطينيين في أعمالٍ يدوية بأجورٍ متدنّية. بيد أنّ هذا المسار كان يُشوّه الاقتصاد حتى قبل أكتوبر 2023 بفترةٍ طويلة.

يقول كنواتي: "حتى قبل الحرب، كان كثيرٌ من العمّال في إسرائيل هم في الحقيقة أطبّاء وممرّضون ومهندسون اختاروا العمل في البناء لأنّ الأجر كان أفضل."

جنود إسرائيليون يقفون قرب امرأة مسنّة ترتدي عباءة، بينما تسير نحو بوابة مغلقة، تعكس مشهدًا من التوتر في الضفة الغربية.
Loading image...
أغلق جنود إسرائيليون مدخل حقل زيتون فلسطيني بالقرب من المستوطنة غير القانونية إليعازر، جنوب بيت لحم، في الضفة الغربية المحتلة، بتاريخ 17 أكتوبر 2025.

وأفاد معهد MAS بأنّ عقوداً من الاعتماد على فرص العمل في إسرائيل أضعفت الاقتصاد الفلسطيني وجعلته عاجزاً عن استيعاب خرّيجيه محلياً، و"حوّلت العمّال الفلسطينيين فعلياً إلى رهائن سياسيين، إذ ربطت أرزاقهم باعتباراتٍ أمنية إسرائيلية متقلّبة بدلاً من نموٍّ محلّي مستدام."

ويؤكّد كنواتي أنّ كثيرين باتوا يغادرون فلسطين كلياً؛ ففي محافظة بيت لحم وحدها، غادر نحو 1,080 شخصاً يحملون درجة الماجستير على الأقلّ خلال السنوات الثلاث الماضية.

يقول: "كلّ العقول تغادر. يحصلون على وثائق الهجرة ويتركون فلسطين، وهم الذين كان بإمكانهم بناء الاقتصاد وبناء الوطن."

أمّا من يبقى، فكثيراً ما يكون التخلّي عن مجاله المهني الخيارَ الوحيد المتاح. وبالنسبة لسلامة، عنى ذلك الالتحاق بدورةٍ في فنّ الحلويات إلى جانب عملها في المحلّ التجاري، في محاولةٍ منها، كما تقول، لاستعادة شيءٍ من الاتجاه في حياتها.

تقول: "كنت أبدأ بفقدان الأمل، لكنّ الأمل عاد إليّ."

في جامعة بيت لحم، تقول إلياس، التي أمضت ستّ سنواتٍ في العمل على ردم الهوّة بين التخرّج وسوق العمل، إنّها ترى الروح ذاتها من الصمود لدى الطلاب الذين يمرّون بمكتبها.

تقول: "أحاول دائماً أن أقول لهم: هذه الشهادة هي سلاحك وجواز سفرك. لا أحد يعلم ما سيأتي به الغد."

وفي هذه الأثناء، تتواصل احتفالات التخرّج حتى أواخر بعد الظهر. يتحرّك الطلاب بملابسهم الرسمية عبر الفناء، فيما تجتمع الأسر للتصوير تحت أشعّة الشمس.

تقول أبو كمال وسط أصوات الطبول والهتافات: "هنا سعادة حقيقية. نتمسّك بالأمل لأنّ الناس يستحقّون السعادة."

أخبار ذات صلة

Loading...
إطلاق صاروخ SpaceX من منصة الإطلاق، مع ظهور مبنى الشركة في الخلفية، في إطار استعدادات الطرح العام الأولي بقيمة 75 مليار دولار.

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

تستعد SpaceX لإحداث ثورة في عالم الطروحات العامة، مع طرحها التاريخي بقيمة 75 مليار دولار. هل سيصبح إيلون ماسك أول تريليونير في العالم؟ تابع التفاصيل المثيرة حول هذا الحدث الفريد في تاريخ الأسواق المالية!
اقتصاد
Loading...
واجهة بورصة نيويورك مع علم الولايات المتحدة، تعكس الفجوة الاقتصادية المتزايدة بين الأغنياء والفقراء في أمريكا.

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

هل تساءلت يومًا عن كيفية توزيع الثروة في أمريكا؟ الأثرياء يمتلكون 68% من الثروة الوطنية، بينما تتراجع الفئات الأدنى. اكتشف الأسباب وراء هذا التباين المثير وكيف يؤثر على حياتنا اليومية. تابع القراءة لتفاصيل أكثر!
اقتصاد
Loading...
ارتفاع أسعار الوقود في محطة بنزين أمريكية، مع مضخة وقود متصلة بسيارة سوداء، يعكس تأثير التضخم على نفقات الاستهلاك.

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران

تتسارع وتيرة التضخّم في الولايات المتحدة، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف حرج. مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، كيف ستؤثر هذه التغيرات على الاقتصاد؟ تابع معنا لتكتشف المزيد عن الأرقام والاتجاهات الحالية.
اقتصاد
Loading...
صورة لعامل يعمل على منصة نفطية تحت سماء غائمة، تعكس التحديات الحالية في قطاع الطاقة الأمريكي مع انخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

احتياطيات أمريكا الاستراتيجية من النفط تتراجع بسرعة

تقترب الاحتياطات النفطية الاستراتيجية الأمريكية من أدنى مستوياتها منذ الثمانينيات، مما يضع الولايات المتحدة كمورّد النفط الأخير في العالم. مع تصاعد أسعار الوقود، هل ستتمكن من استعادة توازنها؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد.
اقتصاد
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية